دراسة الشخصية عند رضا أمير خاني أناه أنموذجاً

مقدمة:

الحمد الله الذي علّم بالقلم، والصّلاة والسّلام على من أوتي جوامع الكلم، وعلى آله الأطهار ونجوم المعرفة وأولي الحكمة والنّهي وبعد…

يعدّ دراسة البنية الشخصية وبيان ماهيّتها وأنماطها وتصنيفها في أيّ عمل روائي من الموضوعات المهمّة التي ترتكز إليها الباحث في درس الفنّ الرّوائي، لأنّ الشخصية هي مرتكز الرّواية وأساس معمارها الذي لا يمكن الإستغناء عنه؛ فلا يمكن أن تقوم رواية من دون وجود شخصّية؛ فالشّخصية وما يصدر عنها من حركة وأحداث هي التي تكوّن الرّواية وتوحّدها، ورضا أمير خاني بصفته روائياً إيرانياً مبدعاً اتّسمت كتاباته بنهج حداثي جديد، وإن تحدّث في روايته عن حقبة تاريخية بعيدة قبل قيام الثورة الإسلامية، حين كان ممنوعاً على المرأة أن تخرج بخمارها وحجابها الكامل وحين كان السّفور يفرض على مجتمع مسلم تقليدي في تمسكه بالدّين وتعاليمه، ومن هنا بدا جليّاً أنّه روائي يحمل على كاهله همّاً قوميّاً، ووطنياً فارسياً خاصاً.

وقد استدعت هذه الدّراسة عن الشّخصية الروائية في العمل الرّوائي « رضا أمير خاني » تمهيداً، نبذةٌ مختصرةٌ عن مفهوم الشّخصية لغة واصطلاحاً، ومراحل تطورها وأنواعها وطرق تقديمها ونظام العلاقات بين الشخصيات. (البرنامج السردي/العامل الذات، العامل الموضوع، العامل المرسل، العامل المرسل إليه، العامل المساعدة، العامل المناوئ) وكذلك هوية الشخصيات وخصوصاً الرئيسية والأساسيّة منها (الهوية النفسية، الاجتماعية، الأخلاقية، الثقافية وختاماً آلية الصّراع وتحقق الذات).

مهاد نظري:

مفهوم الشخصية:

جاء في لسان العرب أنها من مادّة شَخَصَ، والشّخص، جماعة شَخْصِ الإنسان، والجمع أشخاص وشخوص، وشخاص.

والشّخص: سواد الإنسان وغيره وتراه من بعيد، وتقول ثلاثة أشخص، وكل شيء رأيت جسمانه فقد رأيت شخصه.

وفي الحديث: « لا شخص أغير من الله »؛ الشخص كل جسم له ارتفاع أو ظهور، والمراد به إثبات الذات فاستعير لها لفظ الشخص، والشخيص العظيم الشخْصِ، والأنثى شخصيّة، والاسم الشخاصة »([1]).

 من خلال تعريف ابن منظور يظهر لنا أنه قصر الشخص على معنى الذات الظاهر للعيان، وهو بذلك يؤكد الظهور الحسّي المقترن بمسمى الشّخص .وبالرّجوع للقاموس المحيط فقد وردت فيه مادة شخص بمعنى « ارتفع بصره وفتح عينيه، وجُعل لا يطرف، ومن بلد إلى بلد سار في ارتفاع، وورم السّهم ارتفع عن الهدف والنجم طلع، والكلمة من الفم ارتفعت نحو الحنك الأعلى، وربما كان ذلك خلقه أن يشخص بصوته فلا يقدر على خفضه، وشخص به كمعنى أتاه أمر أقلقه وأزعجه وأشخصه: أزعجه، والمتشاخص: المختلف والمتفاوت.([2]).

وواضح هنا أن الفيروز أبادي قد أضاف معاني أخرى أكثر وأوسع مما جاء في لسان العرب، إذ بيّن لنا المواطن التي تستخدم فيها الكلمة، لأنها تحمل أكثر من معنى بحسب استخدامها.

وفي المعجم الوسيط: ” شخص الشيء عيّنه وميّزه مما سواه”.

الشخصية: الصفات التي يتميز بها الشخص من غيره ويقال، فلان لا شخصية له، أي ليس له ما يميزه من صفات خاصة([3]).

وأوضح أن هذا التعريف اقرب إلى الفهم النفسي للشخصية، إذ يهتم علم النفس بوصفه ومظهر الشخصية وقدراتها ودوافعها وردود أفعالها العاطفية وخبراتها واتجاهاتها.

وفي مقابل هذه اللفظة في اللغة الأجنبية والمنحدرة من أصول لاتينية، نجد أن كلمة شخصية هي ترجمة لكلمة  (persona)اللاتينية إذ تعني ” القناع الذي يرتديه الممثلون اليونانيون في احتفالاتهم وتمثيلاتهم لإخفاء معالم شخصيّاتهم الحقيقية([4]).

“وعن هذه الكلمة جاء المصطلح الإنجليزي (personality) دالاً على الشّخصية وصارت كلمة (person) تعني مصطلحا أدبيا ًبمعنى (القناع الأدبي)، أي صار في النّقد يدلّ على الذّات الفاعلة ضمن العمل الأدبي، فتتّخذ هذه الذّات أوجهاً متعدّدة، ربما كان الرّوائي نفسهأحد تلك الأوجه([5]).

“واللفظة بكاملها يعود استعمالها إلى الزّمن الذي شهد فيه الممثل على الزّمن الإغريقي، يضع القناع على وجهه لغرض إظهار الصّفات الصارخة في شخصيّة الفرد الذي يقوم بتمثيل دوره على المسرح ٕوإيضاحها([6]).

” والحقأن اشتقاق اللغة العربية من وراء اصطناع تركي: ش خ ص، وذلك كما نفهم نحن العربية على الأقل، من ضمن ما يعنيه التعبير عن قيمة حية عاقلة ناطقة، فكأن المعنى إظهار شيء وإخراج تمثيلية وعكس قيمته… ولا يعني أصل المعنى في اللغات الغربية إلا شيئا من ذلك([7]).

اصطلاحا:

 الشخصية في اللغة والأدب هي ” أحد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القصة أو المسرحية([8]).

وتعد الشخصية من العوامل المهمة المساهمة في تشكيل القصّة، إذ تعدّ ” ركيزة الرّوائي الأساسيّة في الكشف عن القوى التي تحرّك الواقع من حولنا وعن دينامكية الحياة وتفاعلاتها؛ فالشّخصية من المقومات الرّئيسية لرواية الرّواية بقولهم الرّواية شخصية([9]).

والشّخصية ” أحد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القصّة أو المسرحية([10]).

ويراها آخرون تتحرّك في مجال الدّلالة على الهيئة الخارجية للإنسان أو الحيوان، أو المتاع لأي شيء خلاف ذلك. ولا تتحقق هذه الدّلالة إلا بوقوع الهيئة، أو الشخص المتجسّد هيئة وشكلاً، في مجال رؤية الشّاخص بحيث لا تتحرّك الكلمة لتعطي دلالات إلا في إطار علاقة ذات طرفين: ” راء ومرئي، أو ذي صلة بالتشخيص الذي ينتقل ما هو غير مرئي إلى مجال الرّؤية منجهة ثانية أن الكلمة تذهب إلى تجسيد بعض المفاهيم المجردة كالإنزياح والقلق والغربة([11]).

ويعرفها جيرالد برنس في المصطلح السّردي إذ جمع تعريفه تعريفات الكثير من النّقاد والأدباء؛ فهي عنده: ” كائن موهوب بصفات بشرية وملتزم بأحداث بشريّة، والشّخصيات يمكن أن تكون مهمة أو أقل أهميّة ( وفقا لأهمية النصّ) فعالة (حيث تخضع للتغيير)، مستقرّة ( حينما لا يكون هناك تناقض في صفاتها وأفعالها، أو مضطربة وسطحيّة ( بسيطة لها بعد واحد فحسب، وسمات قليلة، ويمكن التنبؤ بسلوكها)، أو عميقة ( معقدة لها أبعاد عديدة قادرة على القيام بسلوك مفاجئ([12]).

والشّخصية ” هذا العالم المعقد الشديد التّركيب ، تتعدد الشّخصية الرّوائية بتعدد الأهواء والمذاهب والأيديولوجيات والثقافات والحضارات والهواجس والطّبائع البشريّة”([13]).

والشّخص عند السّيميائيين ” كائن حي واقعي له حالة ودلالة في الواقع ، أما الشّخصية فهي ما يحمله الشّخص من تخيل وتصوّر عن طبيعة الشّخصية التي يناط بها دور من الأدوار في القصّة([14]).

ومن الملاحظ في التعريف السيميائي السابق للشخص أنهم يفرقون بين الشخص الواقعي الفيزيائي المسجّل في سجل الأحوال المدنية، وبين الشّخصية الورقيّة التي يسند لها دور في القصّة الأدبيّة .

ومن هنا نجد أن الشّخصية قد نالت اهتمام كثير من العلوم كعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الهندسة النّفسية… وكثير من العلوم التّطبيقية، ولسنا بصدد الحديث عن الشّخصية في تلك العلوم لأن ما يهمنا في هذه الدراسة هو الشخصية في الفنون الأدبية وتحديدا في الرّواية، الشخصية تعدّ أهم العناصر التي تقوم عليها الرواية والقصة والأقصوصة والمسرح .

فهي ولا شك ” مصدر إمتاع وتشويق في القصة لعوامل كثيرة…([15]).

 أنواع الشخصية ووظائفها:

الشخـــصيات إمـــا حقيقيـــة (منتجـــة)، أو متخيلـــة (منتجـــة) وســـيتناول الباحـــث الحـــديث عنهـــا بشيء من التفصيل.

 أولاً: الشخصيات الحقيقية (الخالقة أو المبدعة)

تتمثـــل الشّخـــصيّات الحقيقـــة فـــي الأشـــخاص الحقيقيـــين الـــذي يـــساهمون فـــي إبـــداع العمـــل الأدبـي، إذ لا بـدّ لكـل عمـل أدبـي مـن مبـدع يبدعـه ويقدمـه لجمهـور القـراء، والمبـدع الحقيقـي، وهـو المؤلـف الـذي يكتـب العمـل ويوجـه اهتمامـه إلـى قـارئ متخيّـل والـى قـارئ حقيقـي فـي الوقـت نفـسه، والقارئ الحقيقـي لـه دور جـوهري فـي تأويـل الـنّصّ الأدبـّي، ولـذا فـإنّ الكاتـب لا يهمـل القـارئ، ولكنـه يطالبـه أن يـساهم مـساهمة واعيـة وخلّاقـة، فالقـارئ مطالـب بـأن سـاهم فـي عمليـّة الخلـق الأدبـي عـنطريق اختراع هذا العمل الذي يقرؤه([16]).

أ- المؤلف/ الروائي:

هــو صــــانع الخطــــاب الرّوائــــي، أو الــــشّخص الحقيقــــي الــــذي أنتجــــه وأبــــدع نــــسجه بـشكل موضــوعيّ لا لــبس فيــه، ولا تــصحّ مقولــة (مــوت المؤلــف) وتلاشــيه فــي الأعمــال الــسرديّة المكتوبــة حـــسب عبـــد الملـــك مرتـــاض ” فحـــين يكتـــب أي روائـــي روايـــة فهـــو الـــذي يكتـــب؛ وهـــو الـــذي يُنـــشئ الشخــصيات، وهــو الــذي يتخــذ لروايتــه ســارداً، فــي بعــض الأطــوار الــسّردية لكن المؤلف يظلّ حاضراً في العمل الرّوائي، فهو الذي يهندسه، وهو الذي ينسجه ويدبجه([17]).

ويرسـم خيـال المؤلــف شخـصيته وأدوارهــا التــي تؤديها مـستمدًا رؤاه من واقـعه الذي يعيشه، وخيالـه، ومـن خـلال تـصوره للواقـع المعـاش، قـد يتبنـى شخـصية، أو فكـرة مـا، يمـارس خلالهـا “عملـه ووظيفته الكتابية أو الإبداعية. قد يكون هذا القصور للأشياء، أو هذه الرّؤية للعالم محـدّدي الـسمات والمعالم، وقد يكونان غير واضحين بالقدر الكافي عند الكاتب أو المبدع([18]).

وتعــد شخـــصية الـــسّارد / الـــروائي أبـــرز تلـــك الشّخـــصيات التـــي يبـــدعها خيـــال الرّوائـــي بـــل ويحرص الروائي على إقامة مسافة فنيّة بينه وبـين الـسّارد/ الـرّاوي؛ فلـيس سـارد الرّوايـة هـو المؤلـّف، ٕوإنّما السارد شخصية خياليّة يتجوّل المؤلف من خلالها “([19]).

وهـو مـا يطلـق عليـه باللعبـة الفنّيـة تجعـل مـن “هيمنـة الـرّاوي كعنـصر ليـست سـوى وظيفتـه ضـد هيمنـة موقعـه ككاتـب. أليـست علاقـة الـرّاوي بمـا يـروي ومناهـضته هيمنـة الكاتـب الأيديولوجي عليه، هي ما جعلت العمل الفنّي يخون أحيانا كاتبه([20]).

فالسارد موجود ولكـن لـيس بالحـدة التـي يزعمهـا النقـاد الجُـدُد، ولـيس إلـى حـد إلغـاء المؤلـف، بعدوانية عابثة، والإستيلاء على منزلته في العمل السّردي([21]).

ب/ المتلقّي:

“لا يمكن للإبداع أن يكتمـل إلا بالقـارئ، فـإذا كـان الكاتـب هـو المؤلـف الأول للعمـل الأدبـي، فـإنّ القـارئ الحقيقـي هـو المؤلـف الثـاني لهـذا العمـل، ولكـي يكتمـل العمـل الأدبـي يجـب أن يتحـوّل القارئ إلى مؤلف للنص”([22]).

يعيـد إبداعـه مـن جديـد ومـن هنـا جـاءت فكـرة تعـدد القـراءات للـنصّ الأوّل. والقـارئ الحقيقـي يختلف عن القارئ المتوهّم الذي يتخيله المؤلف في أثناء كتابته للعمل الأدبي، فالكاتـب يعـرف كيـف يخلــق التّــسلية بكــل وســائل الخــداع، فهــو يعــي رغبــات الآخــرين، والقــارئ الحقيقــي يبــرز كمعــارض للقارئ المتوّهم عنـد القـاص، ومكـتملا كقـارئ حقيقـي يـضفي علـى العمـل الأدبـي معنـى جديـداً ويتـرك عليه بصماته. بحيث يتحوّل إلى مبدع ٍ ثـان للعمـل الأدبـي ويحـاول الإسـهام فـي الأتوبيوغرافيـة، كجـزء مــن بحثــه عــن صــورة البطولــة والحــدث والــزمن، لا كمــا يرســلها القــاص، ولكــن كمــا يتلقاهــا وعــي القارئ([23]).

إن زمن قراءة النّصّ يظل مفتوحاً على الأزمنة والأمكنة من خلال عمليّة (الترهين الزّمني) الدّال على الحال (الآن) ومع مجيء المدرسـة النقديـّة أكّـدت علـى دور المتلقـي فـي صـناعة المعـاني “إضـفاء أي معنـى تلزمـه حاجـاتهم النّفـسيّة علـى نـصّ معـيّن، ولـيس النّظـام، بـل الفوضـى هـي التـي تحتلّ موقع الإمتياز من هذه النّظرة([24]).

بالإضــافة إلــى أن المتلقــي يقــوم بــدور الناقــد “فقــد يختــار منهجــاً ملائمــاً لقــراءة الــنص، وقد يختــار منهجــه هــو لقــراءة أي نــصّ، وقــد تجتمــع لديــه منــاهج مختلفــة يـرى أنهــا تتظــافر إلــى جانــب معارف أخرى لتقديم أفضل قراءة ممكنة للنّصّ([25]).

إن القــارئ هــو مبــدع فــي الوقــت نفــسه، فهــو يقــوم بإبــداع روايــة داخــل الروايــة التــي كتبهــا المؤلف([26])، وقد أجمع النّقاد على إعادة خلق العمل الأدبي([27]).

فالقارئ النّاقد يقرأ بتمعّن ودقّة، وهو كاتب روائي يعيد صياغة العمل الأدبي، ويتحمّـل جـزءاً من المسؤولية، لأنّ العمل الروائي بعد إنجازه لا يخصّ المؤلف وحده([28]).

ثانيا: شخصيات منتجه:

تتعــدّد أنــواع الشّخــصيات المنتجــة فــي الأعمــال الرّوائيــة، ومــن المعلــوم أن هنــاك تــصنيفان شـــــائعان الأول شـــــكلي “يركـــــز علـــــى مهمـــــّة الشّخـــــصيّة فـــــي الـــــنّصّ وعلاقتهـــــا الـــــشّكلية الخالـــــصة بالشّخصيّات الأخرى([29]).

وقـد انقـسم هـذا الـصنف إلـى قـسمين: الأول يتـضمّن الشّخـصيّة الـسّكونيّة الباقيـة علـى نمـط واحد طوال السّرد، ولا تنمو ولا تتطّور، والثاني يتضمّن الشّخـصيّة الدّيناميّـة، وهـي الباقيـة علـى نمـط واحـد طـول الـسّرد، وتخـضع للتغييـر أو التبـديل وهـي دائمـة الحركـة وتمتـاز بـالتّحولات المفاجئـة التـيتقرأ عليها داخل البنية الحكائيّة الواحدة([30]).

أمـا التّـصنيف الثـاني فهـو الـذي يبنـي علـى أسـاس ارتبـاط الشّخـصيّة بالحـدث الرّوائـي حيـث ينظر إلى “أهميّة الدّور الذي تقوم بـه الشّخـصيّة فـي الـسّرد فقـسمت الشّخـصيّات فيـه إلـى شخـصيّاترئيسية أو محوريّة وشخصيّات ثانوية مكتفية بوظيفة مرحلية([31]).

وكـان النقـد يـصنّف الشّخـصيّات بحـسب أطوارهـا عبـر العمـل الرّوائـي، فـإذا هنـاك ضـروب مـــن الشّخـــصيّات بحيـــث تـــصادف الشّخـــصية المركزيــّـة التـــي تـــصاديها الشخـــصية الثانويـــة، التـــي تـصاديها الشخـصية الخاليـة مـن الاعتبـار، كمـا يـصادف الشخـصية المـدورة والمـسطحة، والإيجابيـة والسلبية والثابتة والنّامية([32]).

وسأبدأ بالحــديث عــن التّــصنيف الــذي يــرتبط بالحــدث الرّوائــيّ، حيــث قــسمت فيــه الشّخــصيّة إلــى ثانويــة ورئيــسية، وهــذا التـّـصنيف هــو الأكثــر شــهرة فــي درس تــصنيف الشّخــصيّات ويجعل شخصيات أحمد عوض في دائرة أكثر شمولية.

 الشّخصيّة الرّئيسة:

هي التي تنهض بمهمّة رئيسة وبالدّور الأكبر في تطوّر الحدث، كما وتساعد المتلقي على فهم طبيعة الخطاب وهي التـي “تقودنـا إلـى طبيعـة البنـاء الـدّرامي، فعليهـا نعتمـد، حـين نبنـي توقعاتنـا ورغباتنا، التي من شأنها أن تحول، أو تدعم تقديراتنا وتقييمنا.

مــن ثــم تــنهض قيمــة معظــم الرّوايــات، ومــا تحدثــه مــن التــأثير الفعــال علــى مــدى مقــدرة الشخـصيات الرئيـسة فـي تقـديم الموقـف، والقـضايا الإنـسانيّة التـي يطرحهـا العمـل تقـديما حيويـا .وأننا نميل إلى تقييم العمل في ضوء مقدرة الشّخصيّات على تجسيد تلك المواقف بصورة مقنعة([33]).

وهي التي تقود الفعل وتدفعه إلى الأمام، وليس من الـضروري أن تكـون الشخـصية الرئيـسية بطل العمل دائما، ولكنّها الشّخصية المحورية، وقد يكون هناك منافس لهذه الشّخصية”([34]). كما حصل في رواية (أنا – هُ) إننا لنجد شخصيّة مهتاب منافسة لشخصية (علي) الحفيد، وهــي بــذلك عكــس الشّخــصية الثانويــة التــي لا تتغيــر رغــم الظــروف المحيطــة بالشخــصية الرئيسية يقول أنريكي أندرسـون: “توصـف الشخـصيات بأنهـا رئيـسية عنـدما تـؤدي وظـائف مهمـة فـي تطوير الحدث، وبالتالي يطرأ على مزاجيتها تغيير وكذلك على شخـصيتها، أمـا الشخـصيات الثانويـة فهي التي لا يطرأ عليها تغيير أو تتغير في إطـار الظـروف المحيطـة.

إن الشخـصيات الرئيـسية هـي شخصيات مـسيطرة، وتظهـر بـصورة الأفـراد المهـيمن رغـم أن سـلوكها قـد لا يتـّسم بالـسّلوك البطـولي.كانت الأحداث والتّصرفات الـصّادرة عنهـا فـإنّ الباعـث ينيـر معـالم الشّخـصية. أمـا الثانويـة فهـي تابعة تسهم في إضفاء اللون المحلي للقصّة([35]).

فالشّخصية الأولى صانعة للحدث والثانية مضيئة له. لقــد ظهــرت الشّخــصيّات الرّئيــسية والأساسيّة فــي رواية رضا أمير خاني، وكــان لظهورهــا طــابع منفـــرد، وســـلوك خـــاص، ودلالات فنيـــة نحـــاول الإشـــارة إليهـــا فـــي أثنـــاء التعـــرض لـــبعض نمـــاذج الشخصيات الرئيسة والأساسية عنده.

الشخصية الثانوية:

لا تخلـو روايـة منهـا وتـأتي مـساعدة للشخـصية الرئيـسية، وغالبـاً وفـق مـستوى واحـد فهـي “إمـا عوامـل كـشف عـن الشخـصية المركزيـة وتعـديل سـلوكها وامـا تتبـع لهـا، تدور في فلكها، وتنطق باسمها فوق أنّها تلقي الضوء عليها وتكشف عن أبعادها([36]).

كما وأنّها تقوم بخلق الـصّراع وإثارة الحيويـّة فـدورها مـساند ولـيس ثـانوي لأن المـساندة تعبيـر أقوى فهـو يعطـي دلالـة المبـادر والحيـوي والمعاضـد فكريًـا أو شـعوريًا يقول باسم عبد الحميد:”إن الشّخصيّة الثّانويـة هـي الشّخـصيّة المـساندة الّتـي تعطـي للعمـل الروائـي لا يتمّ إلّا من خلال تحريك الشّخصيّات الثّانويّة التي تعطي للصّراع ذروته ومعناه ومن هنا، فالشّخصيّة الثّانوية ليست حالة أو مادة عابرة أو مفروضة على مسرح الحدث وأستطيع الادعاء تبعا لذلك وبغيـر كثيـر مـن التـشكيك أن الشّخصية الثّانوية بطلة أيضا إنّما بمستواها([37]).

وبعـــد بقـــي أن نقـــول إن الشّخـــصية الثانويـــة أو المـــساعدة لهـــا أهميــّـة كبيـــرة فـــي الخطـــاب السّردي، فلا ينبغي التّقليل من شأنها لما لها من دور بارز في تجلية الشّخـصيّات الرّئيـسية وإبرازها، فمن خلالها يصنع الكاتب الحدث والحبكة.

وفــي روايــة رضا أمير خاني كــان للشخــصية الثانويــة دور فعــال فــي تــصعيد الحــدث أقـوى مـن وضع الحبكـة وتجليـة الشّخـصيات الرّئيـسية بـل كـان لـبعض الشّخـصيات الثانويـة ظهـوراً أقوى من الشّخـصيات الرّئيـسية كمصطفى الدرويش وهـذا مـا سـنجليه مـن خـلال الحـديث عـن الشخـصيات الرئيـسية والأساسية والثانويـة فـي رواية (أنا – ه ) للكاتب رضا أمير خاني.

وهناك شخصيات إيجابية وأخرى سلبية وأخرى نامية حيث أنها لا تمتاز بالثبـات علـى طـول النص بل متغيرة باستمرار وهـي بعكـس الشخـصية المـسطحة التـي تـسير ضـمن نمـط ثابـت لا تتغيـر سماتها على طول الرواية، وهناك الشّخصيّة الأنموذجيّة أو المثاليّة (كشخصيّة مجتبى).

فالقصّة، هذه العجائبيّة، هــذا الــعــالــم الــســّحــري الجـمــيــل([38]). المتّحد بكافة عناصره؛ ليقدم أنموذجاً حيّاً للإنسان([39])، يقتضي بالضّرورة وجود عناصر على علاقة وثيقة بأهدافها البعيدة منها الحوادث والشّخصيّات والزّمان والمكان.

وإذا سلمنا أن الأحداث منجزة من غير زمان ومكان، فإنّ المنطق يحتّم علينا أيضاً أن نقرّ بأنّ لا حوادث من دون شخصيّات والحديث عن الشّخصيات  كان مثاراً للجدل بين النّقاد، ففي حين رأى بعضهم أنَّ الشخصية تحتلُّ في العمل مكاناً مميزاً، إذ أنها “هي التي تصطنع اللغة وهي التي تبثُّ أن تستقبل الحوارَ…

وهي التي تصف معظم المناظر… وهي التي تعمرُ المكان… وهي التي تتفاعل مع الزّمن فتمـنـحـه معنى جديدًا.وأن لا أحـد مـن المـكـوّنـات الـسّـرديـة الأخـرى يـقـتـدر عـلـى مـا تـقـتـدر عـلـيـه الشّخصية([40]).

رفض بعضهم الآخر إعطاء الشّخصية هذه المكانة الرّفيعة في القصّة، ذاهبين إلى أنّها ليست إلا مجرد عنصر من عناصر المشكلات السّردية الأخرى، ولا ينبغي لها أن تتبوأ تلك المنزلة الرّفيعة الـتـي كـانـت تـتـبـوؤهـا خـطـأ، فـي الـروايـة التقليدية البناء([41]). وأنها يجب أن تكون نسياً منسياً وأنها مجرد عنصر لسانياتي لا يساوي أكثر مما يساوي العناصر السّرديّة الأخرى مثل اللغة، والحيّز، والزمان والحدث… إنها لا تعدو أن تكون كائناً لغوياً مصنوعاً من الخيال المحض([42]).

حتى أنَّ بعضهم قد رأى أن الشخصية القصصية “نوع من طريقة إلى الاختفاء([43]) وأنه مجرّد ما يؤدي في الحكي بغضّ النّظر عمّن يؤديه([44]).، إلا أنّنا إذا سلمنا أنَّ القصة تمثلُ حقيقة واقعيّة، تحاول أن تماثل الحياة التي تتحرّك فيها الشّخصيّات، رأينا أننا لا يمكننا أن نستغني عنها في أيِّ عملٍ قصصيٍّ، وخاصة بسبب دورها الفاعل في تطوير الحدث.

والمهمّ عند دراسة الشّخصية هو التّركيز على ما تفعله، وعلى كونها دليلاً يتميّز من الدّليل اللغوي بكونها غير جاهزة، لأنها تبنى في النّصِّ، وتكون بمثابة دال عند اتخاذها أسماء عديدة أو صفات تلخّص هويّتها وبمثابة مدلول عبر مجموع ما يقال عنها.

فهناك جانبان يحدّدان الشّخصية إذاً:” جانب وظيفي هو جانب الأفعال، وجانب وصفي هو جانب الصّفات والألقاب والأسماء”([45])،على أي حال إنَّ الشخصية الحكائية لا تكتمل إلاّ عندما يكون النصّ قد بلغ نهايته([46])، تاركاً للقاريء حريّة التحليل والوصول إلى استنتاجات، لأنّ القصّة الرّائعة تتجاوز الكشف عن سمات الهويّة الشّخصية إلى انتاجها([47])، فتصبح بمثابة تركيب جديد يقوم به القارىء أكثر ممّا هي تركيب يقوم به النّصّ([48]).وقد اقترح غريماس تصنيف الشخصية بحسب ما تفعل فسمّاها العامل([49])، إذ عدَّ أنَّ العامل يكون إمّا شخصيّة أو مجرّد فكرة([50]).

وقدّم فهماً جديداً خاصاً بها ،معتبراً أن العوامل ستّة في كلّ سرد تنظيم في ثلاث علامات:

‌أ- علاقة الرغبة:

تعد علاقة الرّغبة من العناصر الضرورية التي ينبغي دراستها في بناء الشّخصيّات فهي تقوم بوظيفة الجمع بين قطبي الذّات/ الموضوع. فالذّات هي التي ترغب، وما هو مرغوب فيه هو الموضوع. “وهذه الذّات إما أن تكون في حال إيصال الموضوع أو انفصال عنه”([51]). وعندما تكون في حال إتصال فإنّها ترغب بالانفصال، والعكس صحيح، أي أنها عندما تكون في حال إنفصال فإنّها ترغب بالإتصال، وإذا رغب البطل في القصّة، في هدف ما، فإنه يبرم عقداً مع النّفس، أو المجتمع، يقتضي بتحقيق هذا الهدف.

‌ب- علاقة التواصل:

إن الدّافع أو المحرّك الذي يحرّك الرّغبة لدى البطل/ الذّات هو المرسل، وهذا يقابله عامل آخر يحقّق الرّغبة من أجله، وهذا هو المرسل إليه (Distinatoire) ([52]). إن الفرد نفسه يمكن أن يكون المرسل والمرسل إليه، وقد يكون الوطن، أو المجتمع، أو الحزب أو غير ذلك، وعلاقة التواصل لا بدّ من أن تمرّ بالضّرورة، عبر علاقة الرّغبة أي عبر علاقة الذّات بالموضوع. إذ كان المرسِل هو ما يجعل الذّات ترغب في شيء ما، فالمرسل إليه يقدّم البرهان للذات على أنها قامت بالمهمّة خير قيام، أو أخفقت في هذه المهمّة، أو غير ذلك.

‌ج- علاقة الصّراع:

من المؤكد أن الذّات تواجه عقبات كثيرة، في أثناء سعيها إلى تحقيق موضوعها، وبالتّالي فهي تبذل ما بوسعها لتخطّي هذه العقبات ومن هنا ينشأ الصراع. ومن خلال هذا الأخير ينشأ عاملان اثنان متعارضان: نسمّي الأوّل العامل المساعد، وهذا العامل يقف إلى جانب الذّات في صراعها، ويسمّى الثاني العامل المعارض أو المعاكس، ويؤدي هذا العامل دور عرقلة الذّات وإجهاض سعيها إلى تحقيق هدفها. ونستطيع القول إن هذه البنية يمكن أن تتواجد في كلّ حكي، بل في كلّ خطاب على الإطلاق.

‌د-  العوامل والممثلون:

يمكن للعامل أن يتمثّل بطائفة هي الممثلين الذين يشيرون إليه. وعندما بحث غريماس في هذه العوامل أسقط صفة الشّخص/الإنسان الموضوعي عن الشّخصيّة القصصيّة، ليجعلها قريبة من الشّخصيّة المجرّدة. ويمكن أن يتمثل العامل في مجموعة من الشّخصيّات بل قد لا يكون العامل شخصية، كأن يكون الدّهر، أو القدر مثلاً، وربما يكون مدينة أو جيلاً من الأجيال. هنا تغدو الشّخصيّة مجرّد دور يؤدي في عمليّة القصّ، بصرف النظر عمّن يؤدي هذا الدور وبناء على هذا، فإن التعقيدات التي تنشأ عن تعدّد الممثلين في العمل الواحد أو تعدّد العوامل في ممثل واحد، تؤدّي هذه التعقيدات كلّها إلى جعل النمط الحكائي في أنواعه المعاصرة على وجه الخصوص شائك العلاقات، فيتطلّب تحليله كثيراً من الدّقة والحذر([53]).

Lorem Ipsum has been the industry’s standard dummy text ever since the 1500s.

1- إحصاء الشخصيات وتصنيفها:

قامت هذه الرواية على شخصيات متعددة، شاركت في انجاح هذا العمل الروائي وفي إيصال المغزى العام، فـ(علي فتاح) هو الشخصية الرئيسية التي يدور حولها مجرى الأحداث في الرّواية، وقد شاركت ورافقت الشخصية الرئيسيّة بكل معاناتها شخصيات أساسية (مهتاب، ومريم). مهتاب فهي حبيبة الشخصية الرئيسية وأما مريم فهي شقيقتها.

وأما الشخصيات الثانوية التي ساعدت وأسهمت في انجاح هذه الرواية وإيصالها إلى برّ الأمان (كريم، الحاج فتاح، أم علي، مصطقى الدرويش) والتي لها الدور الفعال الذي لا يقل عن دور الشخصيات الأساسية ولن ننسى الشخصيات الخلفيّة التي أدت دوراً مهماً في إيصال وتسيير أحداث الرواية التي ضجت بتواجدهم في حناياها (الدرياني الذي يمثل العقدة النفسية للشخصية الرئيسية وسبب المصائب التي نزلت على رأس عائلة حاج فتاح والحسود الذي لا يحبُّ الخير لعائلة فتاح، وأما موسى القصّاب المحب والمساعد لعائلة فتاح، فقد حمل والد علي على ظهره ووقف بجانب علي في الملمات، وفخر التجار والد هاني صديق الحاج فتاح وابنته هيلين التي سافرت مع حفيدة الحاج فتاح إلى باريس، وهليا ابنة مريم وزوجة هاني فخر التجارة وأما قاجار زميل الشخصية الرئيسية في المدرسة والذي تسبّب بقتل صديق العمر للشخصية الرئيسية (كريم)، أبو راصف زوج مريم المناضل المكافح من أجل قضية وطنية وقد استشهد من أجل هذه القضية، عزتي الشرطي اللئيم الذي لا يعرف معنى كرامات الناس وهو من قام بخلع الحجاب على رأس مريم، ومجتبى الصّديق الصّدوق المؤمن المهذّب، وناهيك عن العميان السّبعة الذين رافقوا الشّخصية الرئيسية في كافّة الرّواية، وزينب الدّريراني ابنة الدّرياني،عبدالله الفضولي الرّجل المسن والسّيد رحمان وكذلك مسعود ومحمود ونعمت وغيرهم هم عمال السّيد فتاح الذين يعملون معه في المعمل ويساعدونه في انجاز أعماله والبولنديات اللواتي ساعدن الحاج فتاح وصديقه عندما استدعاهما المعاون لحضور اجتماع في البلدية واشترط عليهما اصطحاب زوجاتهم من دون حجاب، وقد قامت إحدى البولنديات بتعليم مريم وشهين اللغة الفرنسية عشيقة كريم، وأيضاً بي بي الخادمة التي ساعدت مريم في المدرسة عندما أحست بالمرض، والقس الفرنسي الذي التقاه (علي) في باريس وعدّه استكمالاً لشخصية الدرويش إن لم يكن هو نفسه وأخيراً والد علي الذي لم يعرف عنه إلا إنّه رجلٌ قوي البنية صاحب مبدأ وقد استشهد على يد السلطة الجائرة.

2- نظام العلاقات بين الشخصيات: (الشخصية الرئيسية)

أ- البرنامج السّردي الأوّل: حبّ علي لمهتاب.

1-العامل الذات: علي فتاح

2-العامل الموضوع:

الزواج من مهتاب بعد رحلة مع الزّمن بدأت منذ الطفولة وطالت خمسين عاماً على أهداب حبٍّ لم يرَ النور. فالشّخصية الرّئيسيّة (علي) كلّما أرادت البوح في حبّها لم تتجرأ على ذلك، على الرّغم من أن تصرفاتها كانت تفضح ما يختبيء في ثنايا قلبها، وعندما تقَرّر الزواج استشهدت مهتاب.

3-العامل المرسل:

يتمثل هذا العامل بجملة من العناصر التي تنطلق من الذات، لإشباع رغبة أو رغبات موجودة في حنايا النفس البشرية – إن معاناة الشخصية تمثلت بحبِّ فتاة طوال خمسين عاماً، وذلك من أجل تحقيق رغبة ذاتية طالما عاشت حرقتها، فهي سعت جاهدة للزواج منها. فالشخصية تعيش على أمل تحقيق ذلك ذات يوم، لأن حبها رافق مهتاب منذ الطفولة، فكانت تعمل على ارضاء صديقها (كريم) الذي يعتبر شقيق مهتاب في كافة أعماله، على الرّغم من الشخصية الرئيسية وصديقها، كليهما يحمل الوجه الأول ونقيضه في مجتمع متمسك بكلٍّ تلابيب الدّين وبين سلطة تراوح في الإندماج بركب الحضارة الغريبة آنذاك، إلا أنّ الشخصية تخطت كل ذلك من أجل مهتاب وصديقها، لتتسنى لها فرصة رؤيتها، عدا محبّتها لكريم.

تقول الشخصية الرئيسيّة: “نظرت إليه. كان شعر صدره قد ظهر من تحت قميصه. قلت له: أراك منشغلاً بالزراعة، فتحت ياقة قميصك، بارك الله في محاصيلك.

  • أيها الأحمق، القلاح ينظر دائماً إلى السّماء ويتوقع الخير والبركة دائماً من السماء، إلى الشمس وهي حبيبتي شمسي.
  • ضحكت وقلت: صرت كالقطة، كلما رموها إلى الأعلى نزلت إلى الأرض على رجلها بينما وصلنا إلى تجريش قلت له:
  • ما رأيك أن نذهب إلى مرقد السيد صالح بن موسى بن جعفر(ع) لكنه قال: دعنا نذهب إلى منتجع دربند، لا أستطيع الذهاب إلى مرقد السيد صالح”([55]).

هذا جانب من شخصية كريم، صديق الشخصية الرئيسية وعلى الرغم من ذلك، فإنها كانت تحبّه وتنصحه وتقف إلى جانبه وكل ذلك من أجل الصداقة ومهتاب.

من هنا نجد أنّ حبّ الشّخصيّة لمهتاب كان عاملاً أساسياً في علاقتها مع كريم وتحمّلت سماع كلام أمها الذي كانت تكرّره دوماً تقول الشخصية الرئيسيّة، “قرّبت الأم فمها من أذن علي بنحو لا يسمح لاسكندر (والد كريم) أن يسمع صوتها: “قلت لك مراراً عليك أن تكفّ عن معاشرة أبناء الحفرة، سوف تكون السّبب في قطع رزق اسكندر وزوجته، فإذا عاد أبوك سوف يطردهما كليهما”([56]).

هذا الحديث سمعته الشخصية مراراً وتكراراً، كلما رأتها ترافق كريم، لأن الوالدة تعتبر كريم وعائلته من مستوى اقل شأناً وخصوصاً أن عائلة كريم تعمل عند الحاج فتاح جد الشخصية الرئيسية (علي).

4-العامل المرسل إليه: الذات/ الصداقة

فالذات هي المستفيدة من تحقيق رغبة الشخصية الرئيسية من أجل المحافظة على مهتاب والزّواج منها وكذلك على الصّداقة التي كانت تجمع بين الشّخصية الرّئيسية وكريم وقد قدّمت البرهان للذات.

إن العامل المرسل إليه يتجه إلى الذات، وقد عملت الشخصية الرئيسية على المحافظة على هذه الصداقة من أجل تحقيق ذاتها، فقد صمد هذا الحب الذي يجمع بين الشخصية ومهتاب خمسين سنة وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يرَ النور.

فقد شاركت الشخصية صديقها في كل أعماله حتى التي لم توافق عليها وتتسامى مع تربيتها وأخلاقها، من مبدأ أن ذلك ربما يكون اختباراً لها في الصّداقة والمصاهرة.

تقول الشّخصية الرئيسية: قفز علي إلى الأسفل، سأله الجد: “إلى أين أنتَ ذاهب؟ فأجاب: “يا جدي العزيز، إن صديقي ينتظرني عند الباب منذ وقت طويل، لقد نسيت، للأسف الشديد. أنا المقصر، أنا المقصّر”

  • من هو صديقك؟ هل هو ابن اسكندر؟
  • هزّ على رأسه إيجاباً ومضى متجهاً نحو الباب”([57]).

وفي مكان آخر تقول الشخصية الرئيسية: “يتهيأ علي فتاح الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من العمر للذهاب إلى الصف السادس الابتدائي كان يجرّ هو وصديقه كريم خروفين وراءهما، وقد وضع علي فصاً كبيراً من الملح في يده يقربه بين الحين والآخر من فم الخروف الأسود ليلحسه فيواصل الخروف جريه وراءه، أما كريم فقد اهتم بالخروف البني”([58]).

من هنا نجد أن الصداقة قد جمعت الشخصية بكريم منذ الطفولة وهذا ما وطد العلاقة بمهتاب، على الرغم من أن أخلاقيات (علي) تتنافى ولا تتلاقى مع أخلاقيات كريم، تقول الشخصية الرئيسية: “قطع كريم كلام علي .

  • عشر خطوات عريضة تشبه خطوات من فعلها في سرواله.
  • نسي علي ما قاله كريم([59]). لقد طار صديقي، صرت طارداً للأصدقاء مستحيل يا علي أن تطرد الصدقاء وأن تصدر منك أفعال كهذه حاشا للنبيل أن تصدر منه افعال تتنافى مع قيم المعاشرة([60]).

وحتى تصرفات كريم بعيدة كل البعد عن تصرفات علي، فعلى الرغم من ذلك فإن صداقتهما كانت اقوى من ذلك وما عمل على توطيد صداقتهما حبّه لمهتاب الذي يفوق الوصف فهو لا يصفها إلا برائحة الياسمين تقول الشخصية الرئيسية: “صرخ كريم بفم فاغر “هذا أمر لا يعنيك أيتها الفضولية، ثم استدار نحو علي وقال له: كُل بدل الكلام وإلا برد رغيفك” نظر علي إلى كريم ثم حوّل اتجاه نظراته، كان كريم يأكل بشراهة، فمه ممتليء كمن يأكل للمرّة الأخيرة في حياته…فأدار علي راسه كي لا يرى ذلك كله. أما مهتاب فقد وقفت إلى جوار الغرفة بشعرها البني الشبيه بمياه شلال صاف.. شفتاها شبيهتان بزهرتين تتفتحان.. كانت رائحة الورد الجوري تفوح في أرجاء البيت… في الغرفة كانت مهتاب تضع اصبعها في فمها محاولة أن تتقيأ هي الأخرى كانت في مطلع السنة السابعة من العمر([61]).

يبدو أن الشخصية الرئيسية قد عشقت مهتاب وهي في سن مبكر وهذا الحب تواصل وامتد مدة خمسين عاماً. إلى درجة أنه بعد التغيرات التي طرأت على المدينة وخصوصاً بعد فتح منطقة العاهرات.. فقد كان الناس يسمون كلّ شهر بل كلّ يوم بإسم امرأة. ومهما اطلقوا من أسماء على الأعوام والأشهر فكانت بالنسبة للشّخصية الرئيسية لا تسمى إلا بإسم مهتاب.

تقول الشخصية الرئيسية: “بعد التغيرات التي طرأت على المدينة… وقدوم عدد كبير من الغجريات إليها، فقد كان الناس يسمون كل شهر بل كل يوم بإسم امرأة، ومهما أطلقوا من أسماء على الأعوام والأشهر والأسابيع والأيام واللحظات، فإنها لم تكن بالنسبة لي تسمى إلا باسم من كان لها ذاك الشعر المسرح، تلك التي كان يفوح عطر الياسمين في الفضاء كلما تورّد خداها، لم تكن ايامي شمسيّة قط، بل كانت قمرية تشبه الليالي، فحتى الشمس كانت بلون مهتاب([62]).

وحتى القصص التي كان يسردها جدّ الشّخصيّة على مسامعه، وإن تحدّث في القصّة عن لقاء بين رجل وامرأة، تتخيل الشخصية نفسها برفقة مهتاب.

ومن هنا قد بدا جلياً أن العامل المرسل إليه هو الذات التي تخبىء حبّ مهتاب وصداقة كريم صديق العمر والطفولة.

تقول الشخصية الرئيسية: “عليك أوّلاً أن لا تعير أهمية لدرويش مصطفى، فهو يرفع الإنسان مرّة إلى العرش الأعلى… إن اصل الموضوع هو أن تتبعني وأن تنفّذ برحابة صدرٍ كلَّ ما اطلبه منك. وافق علي بتعجب واستغراب ورافق كريماً في مهمة مجهولة([63]).

وبعدما وضع كريم نفسه مع علي وسط عراك مع أشقاء شمسي، أحسّ كريم بالذنب وقرّر وضع حدّ لهذه الصداقة، ولكن عليّاً لم يوافق على ذلك قائلاً: “الصداقة هي الشيء الوحيد الذي لا حوّله، فضحك وسط البكاء”([64]).

5-العامل المساعد:

لقد أدّت الصداقة التي جمعت بين كريم والشخصية الرئيسية، دوراً وعاملاً مساعداً من أجل تحقيق رغبة الشخصية ، وكذلك لن ننسى دعم الجد وإيمانه ومحبته الناس كافّة مهما اختلف مستواهم الاجتماعي.

فالجدّ كان يشجع الشخصية الرئيسية على صداقة كريم وبحثه على مواصلة العلاقة الوديّة مع عائلة اسكندر، لأنه كما قلنا أن الجد يتمتع بشخصية متواضحة ومحبّة للناس.

تقول الشخصية الرئيسية: “نعم، يا جدي هذه هي قيم الرجولة التي حدثتني عنها، ها أنا ذاهب لأمارس التزامات الصداقة”([65]).

وتقول الشخصية الرئيسية في موضع آخر، عن وصف أخلاقيات الجد وتشجيعه للصداقة وحثه على المحافظة عليها، رغم رفض والدة علي تلك الصداقة من مبدأ المستوى الطبقي. “قرّبت الأم فمها من أذن علي بنحو لا يسمح لاسكندر أن يسمع صوتها” قلت لك مراراً أن تكف عن معاشرة ابناء الحقرة… خاطب جدي أمي بصوت مبحوح:

  • يا كنتي العزيزة! إن للعشب مذاقاً طيباً في فم الماعز، ومن اين الماعز يستطيب مذاق معاشرة ابن الحاج علي نقي الكاشاتي أم ابن الحفرة؟ الصداقة لا تعرفُ الحواجزَ بين أبناء الحفرة وغيرهم من الناس…
  • نعم فما من رأس مقطوع يتطلع إلى جسده، إنما ينظر نحو صديقه وهذه الخطوة الأولى في مراعاة اصول المعاشرة والصداقة”.

وهذا ما كان يتلفظ به الجد تجاه صداقته مع كريم وهذا الأمر دفع بالشخصية لتوطيد الصداقة والتقرب من مهتاب، ولن ننسى جمال مهتاب وأنوثتها فكانت عاملاً مساعداً أيضاً للزواج منها، فتصفها بأجمل حلّة وأبهى مظهر ،تقول الشخصية الرئيسية :”كانت أنفاس مهتاب الحارة تلمس وجهي، كانت رائحة الياسمين تفوح من أنفاسها”([66]).

ووصفها في موضع آخر، للدلالة على مدى تعلقه بها وحبّه العميق لها تقول الشخصية الرئيسية: “لا ينمو فوق تربة القمر سوى أزهار الياسمين…” ([67]). هذه العوامل وغيرها، ساعدت الشخصية الرئيسية لتحقق هدفها بطلب الزواج من مهتاب حبيبة قلبها.

6-العامل المناويء:

إن الكاتب قد كشف عن جوانب كثيرة من الحب والتعلق الشديدين تجاه مهتاب وعلى الرغم من أن هناك عوامل مساعدة، ساعدت الشخصية للوصول إلى مبتغاها والزواج من مهتاب. إلا أن العامل المناويء الذي حدّ من ذلك، الشجاعة التي لم تتحلَّ بها والخجل الدائم المرافق لها في جلساتها وتواجدها مع مهتاب.تقول الشخصية الرئيسية: “كان جسدي يتصببّ عرقاً، فكرتُ أن أفاتحها بموضوع الزواج فمن المؤكد أنها لا ترفض ذلك. كنت اصرخ في أعماقي: “أين أنت يا دوريش مصطفى، تعال وشجعني، تعال وقل إنها اللحظة المناسبة التي عليَّ أن أنتهزها لأطرح فكرة الزواج على مهتاب.

بعد مساومة مع الذات، حرّكت مقبض الباب، دخلت واتجهت نحو مغسلة صغيرة وغسلت وجهي عسى أن تهبط حرارة جسدي. كنت أنظر إلى المرآة وأوجه سباً عنيفاً لنفسي:” أيها الجبان، الأحمق..” ([68]).

فقد عانت الشخصية الرئيسية الكثير من العذاب الروحي الذي كان يحرّكه حب مهتاب، على الرغم من أنها قد شجعته على ذلك الحب، ولكن إيمانه بالله والخوف من الحرام منعاه من ذلك تقول الشخصية الرئيسية: “أردت أن أجلس على الأرض، حينما ابتسمت مهتاب وقالت: تعال اجلس هنا، هل تخاف مني فتبتعد عني هكذا! أثنت ساقيها.. وقد هيأت لي بذلك مكاناً للجلوس، وصرنا نتأمل عيني بعضنا الآخر، وهي ممارسة كنا نتسلى بها حينما كنا صغاراً، ولم تكررها منذ سنوات، عيناها العسليتان تثقبان قلبي، كأنهما محتويان على مادة كيماوية تذيب قلب المقابل، سحبت نفسها إلى الوراء، وقدمن رأسها.. فسحبت رأسي إلى الوراء، قدمت رأسها فسحبت رأسي… استنشقت نفساً عميقاً وحينما عاودت استنشاق الهواء،… شعرت أن صدري قد امتلأ بهذا العبق الطيب، اردت أن أضمها إلى صدري… لكنني لم اضمها إلى صدري.

صرت أبكي من دون انقطاع… شعرت أنه قد حان الأوان كي أصرخ فصرخت مردداً تلك العبارة التي تعلمتها من الدرويش مصطفى: من عشق فعف ثم مات، مات شهيداً([69]). وهناك عاملاً مناوئاً آخر، وقف حجر عثرة من زواج الشخصية بمهتاب وهو عدم قناعة علي من الزواج من مهتاب، من مبدأ نصيجة قدّمها الدوريش للشخصية، إن لم تكن تحبّ مهتاب لشخصها فلا تتزوجها فيجب أن تكوني مقتنعة بحبها. تقول الشخصية الرئيسية: “سوف لن يكون من الأخلاق أن لا اذكر دور الدرويش مصطفى وجهوده من أجل ترتيب زواجي مع مهتاب. فقد أخبرني ذات يوم أن الأوان قد آن للزواج إذ تيقنت إنني أحب مهتاب من أجل مهتاب([70]).

وماذا أيضاً عن العلاقة الإنسانية” يا للكلام الفارغ الذي تشغل بالك به، إن كان حبك حبّاً إنسانياً فعليك أن تفكّر أيضاً بطريقة إنسانية. لكنني أحبها وأحب عطر الياسمين الذي…. لا خلاف في ذلك، ولكن عليك أن تحبّها لأجلها ولاعتبارها هي بالذات وليس من أجل اعتبار آخر. لكن مهتاب ليست بمهتاب من دون هذه الأشياء.

إن لم يكن لمهتاب اعتبار ذو قيمة وتزوجتها حينها ستكون كائناً عديم القديمة والاعتبار… يا علي إن استطاعت مهتاب أن تكون مرآة صافية لجوهرك الفني فأنا سأكون أول من يشجعك على الزواج منها، أي سأجعلك ترتبط بمرآة حقيقتك وجوهرك الثمين اقتنع علي بكلام الدرويش مصطفى… ([71]).

من هنا نرى جرأة علي وشجاعته لأخذ هذه المبادرة، ظناً منه أنه لا يحبُّ مهتاب حبّاً إنسانياً كما أقنعه الدرويش والعامل المناويء الآخر وهو الذي كان حدّاً فاصلاً من أجل الوصول إلى مبتغاه وهو الزواج من مهتاب بعدما اتخذ القرار واقتنع بأن عليه أن يخطو هذه الخطوة، توفيت مهتاب ليلة الزواج بعدما وافقت على طلب يدها من علي بعد طول انتظار دام خمسين عاماً.

تقول الشخصية الرئيسية: “حسب الموعد، اتجهت صباح اليوم التالي إلى شقة مريم ومهتاب كنت مطمئناً أن الدرويش مصطفى سيأتي ايضاً في الموعد المقرر، أتذكره منذ العام 1937 أي منذ حوالي الخمسين عاماً.

… لكن كيف يمكن أن يصف الإنسان رائحة لفم الشواء، لكائن إنساني، مهما كان دقيقاً في الوصف فإن فجاعة الموضوع ومأساويتها سوف تغلب الوصف.. حينما دخلت البناية التي تقع فيها شقة مريم ومهتاب”([72]).

ويعني كل ذلك أن آلية الصراع التي حكمت الرواية هي ذات بعد أخلاقي عاطفي.

ب- البرنامج السّردي الثاني:

إننا لنجد أن شخصية مهتاب هي شخصية أساسية في هذه الرواية بالإضافة إلى شخصية مريم، إذ تداخلت هذه الشخصيات بمساعدة الشخصيات الثانوية والخلفية لنجاح هذا العمل الروائي.

ومن هنا نرى أن (مهتاب) الشخصية الأساسية الأولى قد تمحور برنامجها السردي حول الحصول على علي والزواج منه، بعد أن انتظرته طويلاً.

1-العامل الذات: مهتاب التي تتمحور حولها الرواية.

2-العامل الموضوع:

إن الشخصية الأساسية في رواية (أناهُ) همّها الوحيد الزواج من علي فتاح، ذلك الشاب المتواضع الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية أعلى منها، وعلى الرغم من ذلك فإنها ظلت تحلم وتسعى للحصول عليه. وخصوصاً وأنها فاتنة، ذات طلة بهيّة، الجميع يتحدث عن جمال وجهها وشعرها البني، فـ(علي) مفتون بها يعشقها، يتذكرها أينما ذهب.

بالعودة إلى الشخصية الأساسية (مهتاب)، كما قلنا إنّ هدفها الزواج من (علي) وبعد طول انتظار دام خمسين عاماً طلبها (علي) الشّخصية الرّئيسية للزّواج فكانت ردّة فعلها كردّة فعل أي فتاة في مقتضب العمر. تقول الشّخصية الرّئيسية “ما أن غادر الدرويش بيتنا، حتى اسرعت في ابلاغ مهتاب بالخبر.

كانت امرأة هرمة حينذاك إلا أن ذلك لم يجعل مدى فرحتها بالخبر أقل من فتاة في العشرين من العمر يخبرونها بعقد زواجها مع فارس أحلامها. قالت: إذن لقد استسلمت للأمر الواقع بعد عناء دام خمسين عاماً وقالت إن لم أوافق فما ستفعل؟

ضحكت وقلتُ: لقد صبرتُ نصفُ قرن ومستعد أن أصبر نصف قرن آخر ضحكنا وجعلنا صباح اليوم القادم موعداً لناً([73]).

إن علياً أحب مهتاب حباً جماً، وهذا الحب استمر منذ الطفولة حتى سن الكهولة وفي كلّ مرّة كانت يصفها ويتذكرها، نذكر منها تقول الشخصية الرئيسية: ” كانت عيناها مغمضتين… ليس من عين تستطيع أن تراني الآن، استنشقت نفساً عميقاً.. عاودت استنشاق الهواء، هجمت نفخة من عبق الياسمين عليَّ شعرت أن صدري قد امتلأ بهذا العبق الطيب، اردت أن أضمها إلى صدري، اردت أن أضمها إلى صدري، أردت أن… لكنني لم اضمها إلى قلبي”([74]).

وهكذا فإن معظم أحداث الرواية تمحورت حول الحب الذي جمع بين الشخصيتين (الرئيسية والأساسية/علي ومهتاب).

3-العامل المرسل:

إن الحب الذي يجمع بين الشخصية الرئيسية (علي) والشخصية الأساسية (مهتاب) هو العامل المرسل، فرغم العوائق التي كانت تقف حاجزاً في طريق تحقيق أمنيتهما فوالدة علي ترفض ذلك من مبدأ التفاوت الإجتماعي، وقد بدا ذلك واضحاً  من كلامها حينما كانت تراه مع كريم. تقول الشخصية الرئيسية: “قلت لك مراراً عليك أن تكف عن معاشرة أبناء الحفرة، سوف تكون السبب في قطع رزق اسكندر وزوجته، فغذا عاد ابوك سوف يطردهما كليهما”([75]).

وفي موضع آخر، ترى نظرة الأم إلى عائلة مهتاب تقول الشخصية الرئيسية: “قالت الأم: لقد تعلمت أشياء خاطئة، هل تتوقع أن يرتدي أبناء الحفرة ملابس فرقة الكشافة، هل تتوقع أن تدفع ثمن هذه الملابس الثمينة كي يرتديها أحد أبناء الحفرة؟”([76]).

فكلما فُتح موضوع مهتاب أو أحد أفراد عائلتها، كانت الأم تنزعج قائلة: ” حسناً لنترك هذا الكلام الفارغ”([77]). رغم ذلك، فإن حب مهتاب لعلي وكذلك العكس، صمد خمسين عاماً حتى جاء اليوم ليطلبها للزواج فإنها شعرت وهي كهلة وكأنها فتاة في العشرين من العمر، قد فرحت وتأثرت كثيراً.

4-العامل المرسل إليه:

إننا لنجد أن العامل المرسل إليه هو ذات الشخصية الرئيسية والأساسية الدافع الوحيد لزواجهما بالإضافة إلى الحفاظ على عِشرة الطفولة والعلاقة الحميمة التي جمعت العائلتين وإن كانت عائلة اسكندر تخدم عائلة حاج فتاح، فإن ذلك لم يمنع من أن يحبا بعضهما ويتمنيان الزواج.

فالشخصيتان الرئيستان ناضلتا من أجل الحفاظ على هذا الحبّ، وقد بدا ذلك جلياً من خلال تصرفاتهما وأحاديثهما، تقول الشخصية الرئيسية، عندما علمت بسقوط مهتاب في الحوض: “هناك شعر علي ولأوّل مرّة أن قلبه ازداد خفقاناً اضطرب لبعض الشيء، وقد شعرت أمه بأنه ليس على ما يرام… كان مسروراً لوجود شيء في قلبه يبعث إلى اليتهز لذكراه. والآن هو بدوره له شيء، سرٌّ أو شخص يتعلق به. وكلما فكر لم يدرك سبب سقوط مهتاب في الحوض لأنه هو أيضاً كان قد وقع ذلك اليوم في الحوض. لقد ظل ينتظر صوت مطرقة الباب ويأتي أخو صاحبة سرّه (مهتاب). والآن فكل ما يطلب كريم منه يجب أن يفعله”([78]).

والمعروف أن كريم شخصية غير متزنة، تفتقد للأخلاق فإن تصرفاته غير لائقة، كلامه وحديثه ليسا ضمن حدود اللباقة واللياقة ورغم ذلك فإن علي قد يفعل أي شيء من أجل مهتاب (حبيبة قلبه). وإننا نرى أن (مهتاب) ايضاً الشخصية الأساسية، أنها عشقت (عليا) منذ الطفولة، ففي حصة الرسم طلب منها أن ترسم وجه المعلمة (مريم) (شقيقة علي) إلا أنها رسمت وجه علي.

تقول الشخصية الرئيسية: “سرح خيالها بجدائل مهتاب البنية لم تعرف لماذا كلما خطرت مهتاب على بالها، ارتسمت صورة علي أيضاً في ذهنها، ربما كل ذلك يعود للرسم الذي أنجزته مهتاب في اليوم الماضي أي حينما رسمت وجه مريم وقد بدا شبيهاً بعلي”([79]).

5-العامل المساعد:

لقد اجتمعت عوامل ثلاث ساعدت الشخصية الأساسية (مهتاب) ،وإن كانت هذه العوامل تتفاوت من حيث الأهمية إلا أنها أدت دوراً ولو بسيطاً من أجل تحقيق ما ترغب به الشخصية الأساسية.

أولى هذه العوامل، محبة الجد (الحاج فتاح) لعائلة اسكندر (عائلة مهتاب/ الشخصية الأساسية)، فالإحترام والمحبة والتقدير الذي كان يشعر به الحاج تجاه عائلة اسكندر قد تجلت بتصرفاته وأحاديثه وهذا كان دافعاً قويّاً لـ (علي) الذي شجعه على الاستمرار في محبة مهتاب وكذلك محبتها له.

تقول الشخصية الرئيسية: “حسناً، لدي فكرة. تعرفين أن أملاكي هي تكون كل أملاكي إرثاً لكم، ولكن مع ذلك فكرت أن أهب اسكندر ملكاً تعويضاً للخدمات التي قدمها لنا، ليس من الصحيح أن يحتاج للآخرين إن أنامت ولم أرتب له حياة إنسانية كريمة، لقد خدمنا طوال حياته والناس يسمونه اسكندر فتاح نسبة لنا. من الناحية القانونية ينتسب اسكندر الينا فقدتم تسجيل لقب عائلته في سجل نفوسنا باسم اسكندر فتاح”([80]).

وثاني هذه العوامل المساعدة صداقة كريم (أخو مهتاب) هذا ما عمل على توطيد العلاقة بينهما، فقد أثر ذلك على تقريبهما من بعضهما البعض، على الأقل رؤية مهتاب والتمتع بجمالها الأخاذ، وكذلك فإن الشخصية الرئيسية كانت تتذرع بحجج عديدة من اجل رؤية (مهتاب) تقول الشّخصية الرئيسية: ” كنت أختلق ذريعة كل يوم بعيداً عن أنظار أمي لأساعد أم كريم في نقل الأواني للحوض في الباحة الخلفية. أثناء تلك المساعدات رأيت الشلال البني في الحوض، حوض الباحة الخلفية.. العاشق الذي لم يحتلم بعد فهو عاشق حتماً ونفسه بركة”([81]). وفي موضع آخر، نرى أن العائلتين تضحيان من أجل بعضهما البعض من دون التفكير بالعواقب، فمرة غاب علي ومريم عن المدرسة وهذا ما جعل مهتاب وكريم يمتنعان عن الذهاب ايضاً وكانت النتيجة أن تم توبيخ أبناء اسكندر تقول الشخصية الرئيسية: ” لم نذهب أنا ومريم لمدّة أسبوع أو أسبوعين عن المدرسة. ولم يذهب كريم ومهتاب ايضاً لأجلنا إلى المدرسة. وبعد أن ذهبنا إلى المدرسة وبخوا مهتاب وكريم بشدة”([82]).

من هنا نرى أن الصداقة التي جمعت بين كريم وعلي والمحبة التي جمعت بين العائلتين على الرغم من أن بعض افراد عائلة فتاح كوالدة علي لم تكن تحب هذه الصداقة إلا أنها كانت عاملاً مساعداً من أجل تحقيق ما تربو إليه الشخصية الأساسية وأما العامل الثالث محبة مريم لمهتاب وقضاء مرحلة من عمرهما مع بعضهما البعض وإن لم يظهر ذلك جلياً في حنايا هذه الرواية إلا أنه قد أدى دوراً بسيطاً أيضاً وعاملاً مساعداً آخر.

فإن مريم (شقيقة علي) قد أحبت مهتاب، وحينما أرادت أن تعيش في باريس، أخذتها معها وقد أمضيتا أوقاتاً وسنيناً مع بعضهما، شاركتا بعضهما همومهما وأكملا مشوارهما الفني، فقد كان يجمع بينهما الهواية ذاتها وهي الرّسم تقول الشخصية الرئيسية: “وحينما سافرت مريم سفرتها الثانية لإيران وعادت إلى باريس اصطحبت معها مهتاب”([83]).

6-العامل المناويء:

إن غير عامل وقف حجر عثرة أمام تحقيق رغبة الشخصية الأساسية وهي الزواج من علي. أولى هذه العوامل تردّد علي الدائم والجرأة التي لم يتمتع بها ليخطو هذه الخطوة وقد بدا ذلك جلياً من خلال حديثه مع الدرويش ساعة قرر طلب يد مهتاب بعد صراع مرير من المشاعر الجياشة التي طالت خمسين عاماً. تقول الشخصية الرئيسية: “سوف لن أكون من الأخلاق أن لا اذكر دور الدرويش مصطفى وجهوده من أجل ترتيب زواجي مع مهتاب، فقد اخبرني ذات يوم أن الأوان قد آن للزواج إذ تيقنت أنني أحب مهتاب من أجل مهتاب”([84]). وفي موضع آخر، نشاهد التردد الذي ظهر على تصرفات الشخصية الرئيسية (علي)، تقول الشخصية الرئيسية وهي تخاطب نفسها “كنت أنظر إلى المرآة وأوجه سباً عنيفاً لنفسي: أيها الجبان، الأحمق…” ([85]).

كان جسدي يتصبب عرقاً، فكرتُ أن أفاتحها بموضوع الزواج فمن المؤكد أنها لن ترفض ذلك، كنت اصرخ في أعماقي: “أين أنتَ يا درويش مصطفى، تعال وشجعني، تعال وقل إنها اللحظة المناسبة التي عليَّ أن أنتهزها لأطرح فكرة الزواج على مهتاب”([86]).

ونجد أيضاً أن عاملاً مناوئاً آخر، قد خطّه القدر وكتبه القضاء، وهو سماع خبر وفاة مهتاب وإن تحقق ما كان تطلبه وهو طلب يدها إلى أن الفرحة لم تكتمل، ليلة موعد الزفاف توفيت مريم. وبالتالي لم تستطع أن تتمتع بهذا الخبر وأن تفرح به كل الفرح بعدما انتظرت سنين طوال تتمنى أن تحقق مبتغاها.

3- نظام العلاقات بين الشخصيات:

شخصية مريم التي شاركت الشخصية الرئيسية والأساسية الأولى في خياطة الأحداث وتصويرها على أوراق (أناهُ).

أ- البرنامج السّردي الأوّل: عدم الذهاب إلى المدرسة من أجل المحافظة على الحجاب.

1-العامل الذات: مريم

2-العامل الموضوع:

إن الشخصية الأساسية الثانية التي شاركت الشخصيتين الأولتين ،قد تعرضت في ظل حكم الشاه، إلى خلع حجابها من قبل الشرطي عزّتي وهذا ما أثر فيها وفي شخصيتها، فقد امتنعت عن الذهاب إلى المدرسة وخصوصاً وأن المديرة كانت دائماً ما تتقدّم منها بوابل من الإرشادات والملاحظات حول موضوع حجابها ولولا لطف الله والحاج فتاح المعروف والمشهور في خان آباد لكانت مريم طردت من المدرسة، ولكن تصرف الشرطي عزّتي جعلها تتخذ القرار بعدم متابعة دراستها في المدرسة من مبدأ أن الإنسان يستطيع أن يعلم نفسه ولو لم يكن متواجداً داخل الحرم المدرسي تقول الشخصية الرئيسية :”كانت تسير خائفة، في العام الماضي أخبرتها مديرة مدرسة غير أن عليها أن تأتي إلى المدرسة في العام القادم من دون ربطة وأن ترتب ضفائر شعرها وأن ترتدي فستاناً أبيض. وقالت إن عليها إطاعة المقررات وإن كونها الأولى بين زميلاتها وأكثرهن تفوقاً في المدرسة. لن يشفع لها وقد نبهتها إلى وجود بعض الطالبات اللواتي لا يرتدين الحجاب مع كونهن بنات رجال دين ومن عشيرة الغجر… واضافت المديرة قائلة لها: بالمناسبة، والدك وجدك يسافران كل عام إلى روسيا وقد اطلعا على حضارة أهاليها ورقيهم… كل هذه الأشياء الجميلة تتمسخ تحت هذا الخمار… المهم عندي أن تدركي إما التعليم وإما الحجاب”([87]).

وفي موضع آخر، نرى احترامهم للحاج فتاح، فقد ظهر عزتي أمام حاج فتاح يطلب من حفيدته خلع الحجاب ولكن كالعادة قام الحاج فتاح بالواجب وقدّم له مالاً لينسى أمر مريم تقول الشخصية الرئيسية: “رأت عزتي يستعد استعداداً عسكرياً أمام الحاج فتاح وكأن جدها صاحب مرتبة عسكرية رفيعة. قال عزتي: عذراً سيديّ في الحقيقة أنا مكلف بإبلاغكم أن ارتداء البنات الحجاب ممنوع… لكنني في المدة الماضية لم اجرؤ على إبلاغ حفيدتكم الأوامر… لكنني اغتنمت الآن الفرصة لأحيط حضرتكم علماً بالموضوع… أشار الحاج فتاح لحفيدته أن تواصل مسيرها نحو المدرسة ثم اشار بيده بأني سأدفع مبلغاً هديّة لعزتي”([88]).

وبعدما رفضت والدة علي، طلب أم عزّتي بالزواج من ابنها (عزتي)، غضب عزّتي وقرر الإنتقام، وما من وسيلة في يده لتحقيق مأربه سوى نزع حجاب مريم. تقول الشخصية الرئيسية: “أيتها الفتاة ما هذا الحجاب على رأسك؟ هل تخالفين القانون؟ هل ظننت أنه بالإمكان شراء كل شيء بالمال؟ … سوف أذيقكم المر… فاستغل عزّتي الفرصة وهجم على مريم لينزع الخمار من رأسها([89]).

وهذا التصرف جعل من مريم، تسجن نفسها في المنزل وتمتنع عن الذهاب إلى المدرسة مرة أخرى، وهذا الأمر استدعى أن تسافر إلى باريس لتحافظ على حجابها التي حرمت منه في بلدها بسبب ظلم الشاه وجوره والقوانين التي أصدرها وأمر بتطبيقها.

تقول الشخصية الرئيسية: “سجنت مريم نفسها في الغرفة ولم تعد تخرج منها، كما كفت عن تناول الطعام على المائدة مع افراد عائلتها”([90]).

3-العامل المرسل:

كما ذكرنا آنفاً، إن عدم تقبل المدرسة وأوامر حكومة الشاه الجائرة هما العاملان الأساسيان اللذان جعلا مريم تمتنع عن الذهاب إلى المدرسة من أجل المحافظة على حجابها وتتخذ هكذا قرار، وخصوصاً بعد مضايقات عديدة سمعتها وتحملتها من قبل المعلمة والمديرة وكذلك الأمر بالنسبة إلى تصرّف صديقات مريم تجاهها.

4-العامل المرسل إليه:

إن القرار الفاصل الذي اقدمت عليه (مريم) الشخصية الساسية الثانية بعدم ذهابها إلى المدرسة وفيما بعد سفرها إلى باريس كان كلّه بسبب حجابها ومن أجل الحفاظ عليه، فهي لم تستمر في الدراسة رغم أنها كانت متفوقة والأولى على صديقاتها لأن موضوع الحجاب، هو موضوع أساسي عند مريم وعائلة الحاج فتاح ولا بد من المحافظة عليه، من مبدأ الحفاظ على الإسلام.

وبما أنها لم تلقَ الدّعم المعنوي والدّيني على أرض وطنها (إيران) حسمت موضوع سفرها إلى باريس، بعدما بقيت حبيسة بيتها سنوات عديدة. تقول الشخصية الرئيسية: “ونظر عزّتي إلى المرأة العجوز، كانت مستمرة في الكلام وتمسك العباءة بكلتا يديها بعد أن توقفت عن السير، رمقها عزّتي بنظرة غاضبة: “أيتها العجوز، ألا تعرفينني حقاًّ…

اخرسي أيتها العجوز: أنا واحد من أوغاد الشرطة والآن سوف ألقنك درساً. سحب العباءة من راس المرأة العجوز التي راحت تصرخ وتستغيث وتركض وراء عزّتي دون أن تستطيع اللحاق به… استمرت العجوز في الصراخ والاستغاثة، كانت في حال يرثى لها، وربما شعرت بالخجل من الثوب الذي كانت ترتديه تحت العباءة”([91]).

هذا التصرف مع هذه المرأة العجوز، مثالاً واضحاً عن الوضع المأساوي الذي كان قائماً أيام عصر الشاه وما فعله الشرطي عزّتي مع هذه العجوز، يعدّ نفس التصرف السّيء مع مريم أثناء خلع الحجاب عن رأسها. فإن مريم قد تألمت كثيراً إثر تصرف عزّتي تقول الشخصية الرئيسية: ” حتى عصر ذلك اليوم جلست مريم جنب أمي وهي تبكي بحرقة دون انقطاع، بكت كثيراً حتى تجففت الدّموع على وجنتيها… فجأة نهضت مريم وقالت بملامح غاضبة: لن اذهب أبداً إلى المدرسة، فالإنسان تعلّم في بيته أكثر من أي مكان آخر”([92]).

5-العامل المساعد:

لقد شكل موقف الجد عاملاً مساعداً لمريم (الشّخصية الأساسية) فبعدما اتخذت قرارها بعدم الذهاب إلى المدرسة ومن المؤكد بسبب المحافظة على حجابها، تقبّل الجد قرارها ووقف إلى جانبها وساعدها على تعلّم اللغة الفرنسية عن طريق استدعاء البولندية التي علمتها اللّغة الفرنسية، للسفر خارج إيران.

تقول الشخصية الرئيسية: ” لماذا تشغل بالك بكلام الناس إن لم ترتكب خطأً ما، ما المشكلة إن سافرت مريم للذهاب إلى الخارج لتكميل تحصيلها الدراسي”([93]).

“بديهي أن عائلة محترمة مثل الحاج فتاح لم تكن لترضى أن تسافر ابنتها مريم لولا أن هناك سبباً، فلعنة الله على من كان السبب… سمعت مريم ذلك وتذكرت ما حدث معها حينما كانت عائدة مع جدها الحاج من المدرسة، نلك الحادثة التي تركت جرحاً لا يندمل في روحها”([94]).

6-العامل المناويء:

إننا لا نجد أن عاملاً مناوئاً وقف حجر عثرة أمام القرار الذي اتخذته مريم، لأن موضوع الحجاب موضوعٌ هامٌ ولا يستخف به، ولذلك فإنها امتنعت عن الدراسة لسنوات عديدة، وسافرت فيما بعد إلى باريس وكل ذلك من أجل المحافظة على حجابها الإسلامي الكامل، وهناك قد تابعت دراستها وأصبحت فنانة تشكيلية.

أ- هوية الشخصية الرئيسية:

بث الكاتب جملة من سمات الشخصية الرئيسية، النفسية والجسدية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية، في ثنايا الرواية ومن الضروري التمعن في الوظيفة التي تؤديها هذه الصفات.

1-الهوية النفسية للشخصية الرئيسية:

لقد سيطر على الشخصية الرئيسية مشاعر متناقضة، اتسمت في نفسيتها، فبدت في بداية القصّة فرحة متفائلة وهي في عمر الطفولةـ تقضي أوقاتاًممتعة مع صديق الطفولة:”نسي علي ما قاله كريم، فقد كان مفعماً بالبهجة والنشاط، يضحك بين حين لآخر نهض من جوار العميان السبعة، ونفض التراب العالق على سرواله، قرّب فص الملح من قسم الخروف الأسود وشرح بالركض، وقد تبعته الخروف لم يستطع كريم اللحاق بعليّ.

ظلت الشخصية تعيش أياماً وسنين من الفرح مع صديقها وعائلتها حتى سمعت خبر وفاة والدها الذي أثّر ذلك على أحاسيسها، فقد تفاجأت بخبر وفاة والدها بعدما كانت تنتظره عندما يزهر الخيرزان، تقول الشخصية الرئيسية: “كان علي مبهوتاً وقد تبخر كل الغموض لديه بعد سماع أول جملة من السيد رحمان([95]).

وفي موضع آخر تقول الشخصية الرئيسية حول انتظار والدها بفارغ الصبر وما لبث أن عاد شهيداً، ميتاً: ” كلما كان الدرياني يسأل بلهجته التركية: “متى سيعود والدك من روسيا” أجبته عندما يزهر الخيرزان”. وأتى فصل أزهار الخيزران اخيراً ولم يأتِ أبي”([96]).

وترى الشخصية الرئيسية أيضاً قد سيطر عليها مشاعر الألم والأسى عند وفاة صديق عمرها وطفولتها كريم، فقد بكت بكاءً شديداً “تذكره بالخير، آه أين أنت يا كريم، كنا صغارًا نعود الى المدرسة معا كان الدرويش مصطفى يصادفنا احيانا ،ذات مرّة قال لكريم “أيها الفتى، من لا أدب له… دعني … تعرفين…. لقد قتلو كريماً… كنت أرغب أن أجهش بالبكاء، وضعت رأسي على الطاولة وصرت أبكي كالأطفال([97]).

من هنا نجد أن الشخصية الرئيسية قد سيطرت عليها مشاعر الأسى والفرح، من جرّاء المواقف والقصص التي تعرضت لها وقد عرضنا نماذج عن الحالة النفسية التي اعترتها آنذاك.

2-الهوية الاجتماعية:

إن الشخصية الرئيسية تعيش وضعاً اجتماعياً جيداً، فهي من عائلة ميسورة ومعروفة ومحترمة من قبل الجميع، ونلحظ ذلك من جملة إشارات دلّت على الوضع الاجتماعي الذي تعيشه.

من خلال وصف دارها، ومساعدتها للعميان السبعة، وثيابها المرتبة وكل صنوف الاحترام التي تتقدم لها من قبل الجيران والعمال الذين يعملون في معمل الحاج فتاح جد الشخصية الرئيسية.

تقول الشخصية الرئيسية: “وأثناء مرورها بجوار العميان السبعة وقف علي وأخرج درهماً من كيسه وقدمه للشحّاذ الأوّل… نهض الشّحاذ الأخير من نهاية الطابور وسار نحو البداية… وقبل أن يبدأ بالقول: ” سبعة عميان بصدقة واحدة” أخرج علي درهماً آخر وأعطاه لكريم قائلاً: “من الأفضل أن تمنحه له بنفسك”([98]).

وتصف الشخصية منزلها الكبير تقول: ” بيت كبير، مساحة كل غرفة من غرفه الثلاث المعروفة بغرف الزاوية أوسع من بيوت الحفرة من الأحياء الفقيرة في خاني آباد”([99]).

ومشاهد الإحترام قد بدت واضحة جلية لمقام (علي) الشخصية الرئيسية وذلك لأنها تنتمي إلى عائلة معروفة عائلة الحاج فتاح الذي يملك معمل اللبن، الطابوق وناهيك عن أن الجد (الحاج فتاح) يرأس نقابة الخزافين تقول الشخصية الرئيسية: “كان السيد رحمان قد سئم أخلاق الحاج فتاح وخرج من المكتب، إذ شاهد عليّاً يخرج من المربط فقال:

  • إلى أين يا سيدي الصغير؟
  • ردّ علي بتحية وقال:
  • أريد أن أرى ما هو عملي في معامل طابوق جدي؟
  • أنت؟ أنت السيد الصغير، أنت الآمر الناهي هنا، كل العمال يعملون وفقاً لأوامرك([100]).

من هنا نجد أن ما تم ذكره آنفاً، يدلنا على الوضع الإجتماعي الميسور الذي تعيشه الشخصية.

3-الهوية الأخلاقية:

نلحظ جملة من القيم الأخلاقية التي تتشبث بها الشخصية الرئيسية كونها تنتمي إلى أصول عريقة (عائلة حاج فتاح المحبوبة عند الجميع)، هذه القيم تتبدى من خلال تعاطيها مع الشخصيات الأخرى في القصّة، فالوفاء والإخلاص والمحبة والتواضع والكرم من القيم الأخلاقية التي تتحلى بها.

تقول الشخصية عندما رفضت والدتها صداقتها مع كريم، لأنها تعدّه أدنى طبقة من مستواها الإجتماعي. “قرّبت الأم فمها من أذن علي بنحو لا يسمح لاسكندر (والد كريم) أن يسمع صوتها: ” وقلت لك مراراً عليك أن تكف عن معاشرة أبناء الحفرة”([101]).

وقد بانت علامات الوفاء والمحبة والتواضع عند الشخصية من خلال مواقف عدّة نذكر منها، تقول الشخصية الرئيسية: ” لقد طار صديقي، صرت طارداً لأصدقائي، مستحيل يا علي أن تطرد الأصدقاء، وأن تصدر مثل أفعال كهذه، حاشا للنبيل أن تصدر منه افعال تتنافى مع قيم المعاشرة … ولكن بالله عليك يا جدي لا تقل شيئاً لأمي عما حصل لي مع كريم”([102]).

وفي موضع آخر، نجد الشخصية الرئيسية، تعمل جاهدة للحفاظ على صداقتها مهما كلّف الثمن، فمحبتها لصديقها يفوق الخيال وما من سبب يلغيها. تقول الشخصية الرئيسية: ” داعبت بيدي شعره المبلل الذي كان يفوح برائحة نتنة، كنت أقشعرّ من رائحته العفنة. لكنني كنت أستمتع بالصداقة التي تجمعني وإياه، وحتى وإن كانت تفوح منه هذه الرائحة الكريهة، إنه صديق نادر، ليس في الصداقة الحقيقية رائحة طيبة ورائحة كريهة، داهمني البكاء… ثم عانقني وبكى وقال:

عزيزي علي، للصداقة حدود، ربما من الأفضل أن نضع حداً لصداقتنا. فقد تعرضّت إلى كثير من الأذى بسبب وفائك وصداقتك لي. حركتُ رأسي نافياً وقلتُ بهدوء:

  • الصداقة هي الشيء الوحيد الذي لا حد له… ([103]).

نجد أن علامات الإخلاص والوفاء قد بدت جليّة وواضحة كل الوضوح وتجلّت بالتصرفات والحديث والمواقف، وهكذا قد كشف الكاتب عن المزايا الأخلاقية التي تمتعت بها الشخصية الرئيسية.

4-آلية الصراع وتحقق الذات:

تحدّد آلية الصراع في رواية (أناهُ) عند الشخصية الرئيسية (علي فتاح) من خلال الإخلاص والتفاني في محبتها لمهتاب التي طالت أكثر من خمسين عاماً، فمنذ عمر الطفولة والحب متعلّق في قلب الشخصية، إلى أن اصبحت مهتاب كبيرة في السن، تجرأت الشخصية وطلبت الزواج منها، ولكن هذا الزواج لم يبصر النور، فقد توفيت مهتاب ليلة الزفاف، وبالتالي خسرت الشخصية محبوبتها وفرحتها وكذلك رائحة ياسمينها، ولم تحقق ذاتها وحلمها الوحيد منذ الطفولة.

تقول الشخصية الرئيسية: ” سوف لن يكون من الأخلاق أن لا اذكر دور الدرويش مصطفى وجهوده من أجل ترتيب زواجي مع مهتاب، فقد أخبرني ذات يوم أن الآوان قد آن للزواج إذا تيقنت أنني أحب مهتاب من أجل مهتاب كان ذلك حوالي عام 1987، أي عام حرب المدن…جاء الدرويش إلى بيتنا ليلاً وسألني:

هل تعلم كم تحب مهتاب الآن؟

قلت لقد أدركت حجم حبي لها،قال الدرويش مصطفى وقد صرت رجلاً هرماً مقوّس الظهر: إذن غداً سوف تقرأ عقد الزواج.

ما إن غادر الدرويش بيتنا، حتى أسرعت في إبلاغ مهتاب بالخبر”([104]).

كانت امرأة هرمة حينذاك ،إلا أن ذلك لم يجعل مدى فرحتها بالخبر أقل من فتاة في العشرين من العمر يخبرونها بعقد زواجها مع فارس أحلامها. قالت: إذن، لقد استسلمت للأمر الواقع بعد عناء دام خمسين عاماً وقالت إن لم أوافق، فماذا تفعل؟

ضحكتُ وقلتُ : “لقد صبرت نصف قرن ومستعد أن أصبر نصف قرن آخر ضحكنا وجعلنا صباح اليوم القادم موعداً لنا”([105]).

على ما يبدو أن الفرحة قد غمرت قلبَي الشخصية ومهتاب، لأن هذا ما كانا ينتظرانه منذ الطفولة وعملا على تحقيقه، إلا أن عدم تحلّي الشخصية بالشجاعة جعلته يتأخر إلى هذا الوقت.

وبعد هذه السّنين والصبر الطويل جاء ما كان يتمنيانه، إلا هذا الحلم لم يَر النور ولم يجعل الشخصية تشعر بالفرح، فقد فقدت الشخصية حبيبة عمرها، ورأتها مردية شهيدة. تقول الشخصية الرئيسية: ” حسب الموعد اتجهت صباح اليوم التالي إلى شقة مريم ومهتاب، كنت مطمئناً أن الدرويش مصطفى سيأتي أيضاً في الموعد المقرر، أتذكره منذ العام 1937 أي منذ حوالي خمسين عاماً، تذكرت ايضاً ذلك اليوم… لكن كيف يمكن أن يصف الإنسان رائحة لحم الشواء، لكائن إنساني، مهما كان دقيقاً في الوصف فإن فجاعة الموضوع ومأساويتها سوف تغلب الوصف، لا أعرف لماذا كنت أشم رائحة لحم مشوي حينما دخلت البناية التي تقع فيها شقة مريم ومهتاب.

وقد فهمت تفسير شاهدة غير الموضوعة على صدري، وفي قلب من والاها متبرها…” طوال حياتي كانت مهتاب عاشقة حقيقية وامرأة عفيفة شريفة و… من عشق فعفَّ ثم مات، مات شهيداً”([106]).

ب – هوية الشخصية الأساسية (مهتاب)

إن الشخصية الأساسية (مهتاب) قدّمها الكاتب بصورة واقعية في روايته (أناهُ) وكذلك الشخصيات الرئيسية والثانوية والخلفية، فقد جعلها ذات هوية متكاملة، ساعدته على تأدية رؤيته إلى العالم من حوله إلى العصر الذي كان يتعايش فيه (عصر ظلم الشاه وبطشه على وجه الخصوص). ويجب أن نتمعّن بجملة السمات التي تميزت بها الشخصية الأساسية (مهتاب).

1-الهوية النفسية للشخصية الرئيسية:

لقد أجاد الكاتب في إسباغ السمات النفسية على الشخصية الرئيسية (مهتاب)، فهي فتاة جميلة تتمتع بإحساس مرهف ورقة في تعاملها، فنانة موهوبةٌ لطيفة ومهذبة.

عاشت مع عائلتها الفقيرة التي تخدم عائلة الحاج فتاح، تعلمت وبرعت في الرسم وسافرت مع مريم حفيدة الحاج فتاح إلى باريس وهناك رسمت أجمل لوحاتها.

فعندما كانت تتذكر أخاها كريم الذي توفي، كانت تبكي بكاءً شديداً تقول الشخصية الرئيسية: “تذكره بالخبر، آه أين أنت يا كريم”.. كنت ارغب أن أجهش بالبكاء… نفس الشيء فعلته مهتاب أيضاً… ثم نظرت إلى وجهي ووجه مهتاب المبللين بالدموع وقالت لم أرَ بكاءً قبل بكائكما.. بالملاحم التي تنتظركما في سن الشيخوخة إذن([107]).

وفي موضع آخر، نرى كيف أن الكاتب قد وصف مهتاب وتصرفاتها الخجولة في عيون علي والآخرين، تقول الشخصية الرئيسية: “أما مهتاب فقد وقفت إلى جوار الغرفة بشعرها البني الشبيه بمياه شلال صاف، بزهرتين تتفتحان كلما ارتسمت البسمة على محياها، وحينما كانت تضحك، كانت رائحة الورد الجوري تفوح في ارجاء البيت وتطغى على رائحة ماء الحوض الآسن… كانت مهتاب تنظر هي الأخرى إلى طريقة أخيها، قدم لها علي مقداراً من حصته لكنها رفضت ودخلت الغرفة، لحس كريم يده ومسحها بسرواله..” ([108]).

من هنا، نرى أن (مهتاب) خجولة، لا تحبّ تصرف أخيها أثناء تناول طعامه. وهي الفتاة التي لم يصفها الكاتب إلاَّ حينما تبتسم وكأنها خلقت في هذه الرواية إلا للحديث عنها وعن جمالها وابتسامتها. تقول الشخصية الرئيسية: ” نهضت الطفلة الجميلة من مقعدها، فتحت شفتيها الشبيهتين ببرعمين وبابتسامة أضاءت غرفة الصف وبصوت لطيف قالت: أنا مهتاب، بنت اسكندر، أمي تعمل… قطعت مريم كلام مهتاب… ومعلوم أن ذلك لم يكن مهماً لمهتاب… قفزت من مكانها وضمت مهتاب إلى صدرها… ابتسمت مهتاب، فيما كانت مريم مبهورة بجمالها”([109]).

نجد أن مهتاب، تتمتع بنفسية متواضعة لا تخجل من عمل والديها وقد كانت تصرفاتها تنطبق على ما ترى فيه نفسها من مميزات وقد ظهرت جرأتها في اماكن معينة وخصوصاً في الأمر الذي يتعلق بعلاقتها مع علي، تقول الشخصية الرئيسية أثناء قراءتها الفال في فنجان  القهوة الذي ارتشف منه: “عانيت صحن الفنجان بدقة لتتأكد من نظافته، ثم قلبت الصحن ووضعته على فوهة الفنجان… قالت: من هذا الفنجان، ارتشف شخص ما القهوة وهو شخص محبوب جداً، كلا، إنما شرب شخصان القهوة من الفنجان… إنهما شخصان، كلا، شخص واحد، لكن لم هما الآن بعيدان … وهل سيلزم قراءة سطرين باللغة العربية كل هذا العناء، هل صعب أن يقال قبلت، لا أعرف يا سيد علي الحاج فتاح لم أنت على هذا النحو… قرّبت مهتاب الفنجان مني كي آخذه منها.. سحبت يدي كي لا لا تلامس يدها فسقط الفنجان.. ضحكتُ ونظرتُ إليها، لكنها لم تضحك.. قالت: إن كان الحياء هو ما يعيقك، نلاحظ هنا يعرفك فلماذا؟

  • لا أعلم
  • ما زلت تختلق الأعذار.
  • لا أعلم
  • هل ما زالت الوالدة تخالف؟
  • رحمها الله.
  • مم تشعر بالخجل؟ هنا لوحدنا، لا أحد يرانا”([110]).

2-الهوية الاجتماعية:

تظهر (مهتاب) في رواية (أناهُ) فقيرة، تعيش وعائلتها مع ابناء أهل الحفرة ورغم ذلك لا تشعر بالخجل من أمر عمل والديها اللذين يعملان في خدمة الحاج فتاح وعائلته، على الرغم من أن الجميع وخصوصاً والدة علي، كانت تمنع علي من مرافقة كريم (شقيق مهتاب) وكانت ترفض الزواج من مهتاب، لأنها تنتمي إلى طبقة اجتماعية فقيرة، وقد ذكرت مهتاب علي بهذا الحديث عندما كانا يجتمعان في قهوة برنرني باريس، تقول الشخصية الرئيسية: “هل ما زالت الوالدة تخالف([111]).

وأما عدم خجلها من أنها من هذه العائلة (عائلة اسكندر) فقد ظهر عندما طلبت مريم أن تعرف عن اسمها في حصة الرسم تقول الشخصية الرئيسية: ” قامت الطالبات بتقديم أنفسهن واحدة تلو الأخرى، ثم وصل الدور إلى الطالبة اللبقة الجذابة ذات الشعر البني الجميل، نهضت من مكانها… وبصوت لطيف قالت: أنا مهتاب، بنت اسكندر، أمي تعمل…

قطعت مريم كلام مهتاب، لم ترغب أن تعرف الطالبات شيئاً أكثر. ومعلوم أن ذلك لم يكن مهماً لمهتاب([112]).

3-الهوية الأخلاقية:

نلحظ من القيم الأخلاقية التي قد حملتها الشخصية الرئيسية (مهتاب) منها الوفاء، فقد ظلت وفية لحبها الوحيد (علي)، ومنتظرة إياه ليطلب الزواج منها، فقد هرمت وكبرت ورغم جمالها الآخاذ والمشهود له في حنايا هذه الرواية، إلا أنها بقيت تحب عليّاً ليطلب يدها، لدرجة أنها عندما سمعت منه ذلك وهي قد أصبحت كبيرة في السن فقد فرحت وكأنها في سن العشرين من العمر.

تقول الشخصية الرئيسية: ” ما أن غادر الدرويش بيتنا، حتى أسرعت في إبلاغ مهتاب بالخبر، كانت امرأة هرمة حينذاك إلا أن ذلك لم يجعل مدى فرحتها بالخبر اقل من فتاة من العشرين من العمر يخبرونها بعقد زواجها مع فارس أحلامها قالت: لقد استسلمت للأمر الواقع بعد عناد دام خمسين عاماً([113]).

من هنا نجد أن الشخصية قد خففت عن نفسها عناء هذا الإنتظار الطويل، لأنها تعرف كل المعرفة بمحبة (علي) لها ولذلك صبرت على مرّ الانتظار من باب الوفاء، لتصل إلى ما كانت تصبو إليه وتتمنّاه.

4-آلية الصراع وتحقق الذات:

لقد عاشت الشخصية الرئيسية صراعاً حول كيفية حصول الزواج من (علي) وطلب يدها، وبعد رحلة طويلة سبح فيها الزمن متكسّراً على أهداب حبٍّ لم يرَ النور، بقيت الشخصية منتظرة خمسين عاماً حتى تقرّر لحظة البداية، فإذا بها نهاية مأسويه، فقد توفيت الشخصية الرئيسية الثانية (مهتاب) ولم تستطع أن تستمتع بخبر زواجها وبذلك لم تحقق ذاتها وحلمها الوحيد.

تقول الشخصية الرئيسية: ” فليرحم الله مريم ومهتاب، ذهبتا ضحية قصف صاروخي عام 1987″([114]). وهكذا فإن الحرب الإيرانية – العراقية، قد قضت على مهتاب وأحلامها مع علي، بفعل صاروخ استهدف البيت كانت قد عادت لتوها من باريس، وكأن هذا الصاروخ استهدف قلبها وقلب علي، فلم تحقق ذاتها وبالتالي علي بموتها قد فقد قيمة كل شيء من حوله وظلت إيران (المكان) الوحيد الذي عدّه الأعلى وجوداً بالنسبة إليه.

ومن هنا نجد أن آلية الصراع معنوية روحية والحرب والموت وقفا في وجه تحقيق الذات للحؤول من تحقيق ذلك.

ج – هوية الشخصية الأساسية الثانية (مريم)

1-الهوية النفسية:

في هذه الرواية (أناهُ) نجد أن الشخصية الرئيسية تمتلك جملة من السمات النفسية التي أجاد الكاتب إسباغها عليها فالشخصية الرئيسية فتاة محافظة متزنة، تربت تربية اسلامية صالحة، محجبة في ظل حكم الشاه الجائر، تحملت الأذية من أجل الحفاظ على حجابها، وهذا ما جعلها يائسة بائسة من تصرّف عزّتي، الشرطي الموكل بخلع حجاب كل امرأة تضع الخمار على رأسها.

تقول الشخصية الرئيسية: ” حتى عصر ذلك اليوم جلست مريم جنب أمي وهي تبكي بحرقة ودون انقطاع”([115]). ولكن وسمةٌ أخرى تملكت الشخصية الرئيسية (مريم)، بعدما طلبت من أخيها الموافقة على زواجها من أبي راصف تقول الشخصية الرئيسية: ” وها أنا أقول بكل جدية أنت في حكم ولي أمري فأنت رجل، حتى وإن كنت تصغرني في السن… إن رضاك ضروري يا أخي… أختي هي التي اختارت كل شيء والآن قد تهيأت الأمور كلها وفق إرادتها جاء دور الأخ وموافقته. ضحكت مريم وقالت: كم أحب هذا الأخ الذي يتفهم الأمور بسرعة ودون تعقيد… أردت أن اقول لها ما الذي أعجبها في هذا الرجل بحيث تتصرف وكأنها فتاة في الرابعة عشرة من العمر كلما ذكرته تكاد تطير شوقاً إليه إن جاء ذكره تذوب حبّاً فيه”([116]).

2-الهوية الاجتماعية:

لقد أشار الكاتب إلى غير جانب، الغنى والحياة المرهفة التي كانت تعيشها الشخصية (مريم)، فهي حفيدة الحاج فتاح ذلك الرجل المحترم صاحب الأملاك، فعاشت معززة مكرّمة، فكانت تبذر على صديقاتها وتأخذ المال من صندوق وضعه الجد عند الحاجة. تقول الشخصية الرئيسة: “أنا بنت السيد درياني قال لي والدي أنك اشتريت لجميع زميلاتك في الصف مصاصات حلوى”([117]).

كبرت مريم وسافرت إلى باريس بدعم من جدّها من مبدأ بلاد الغرب اصبحت أكثر أمناً من إيران في ظل حكم الشاه، وهناك تزوجت مريم أبي راصف بعد أن أخذت الموافقة من أخيها (علي).

تقول الشخصية الرئيسية: “اليوم بلادنا أكثر كفراً من بلاد الغرب، فهناك ثمة على الأقل فسحة للحرية الشخصية ويستطيع المرء أن يختار بنفسه نوع الملابس التي يرغب أن يرتديها، وأن يختار طريقة الحياة التي يرتئيها. أما هنا فكل شيء يتم بالقوة والإرغام، على المرء أن يعيش هنا وفق ما يرسمه له الآخرون”([118]).

وفي موضع آخر، تبين لنا كيف أن مريم قد تزوجت واختارت الزوج المثالي لتكمل حياتها معه تقول الشخصية الرئيسية: “استقرت مريم هناك وتطبعت على المكان، صارت جزءاً منه، ليس من أجل زوجها ذلك الرجل الجزائري الطويل القامة…” ([119]).

3-الهوية الأخلاقية:

نلحظ جملة من القيم الأخلاقية التي تتعلق بالشخصية الرئيسية، هذه القيم تظهر وتتبدى من خلالها تعاطيها مع الشخصيات الأخرى في الرواية. ونجد اللطف والعطف والحنان من القيم الأخلاقية التي تتحلى بها.

تقول الشخصية الرئيسية: “يا مريم، ربما وقعت عقداً مع درياني التركي؟ أو عشقته؟ أولاً أرجوكن الحفاظ على الوقار حيثما تكن في الشارع لا بد من رعاية الآداب”([120]).

فكانت تلاطف تلاميذها في حديثها، وتراعي شعورهم تقول الشخصية الرئيسية: “قامت الطالبات بتقديم أنفسهن واحدة تلو الأخرى… وبصوت لطيف قالت: ” أنا مهتاب بنت اسكندر، أمي تعمل… قطعت مريم كلام مهتاب، لم ترغب أن تعرف الطالبات شيئاً عنها، ومعلوم أن ذلك لم يكن مهماً لمهتاب… ابتسمت مهتاب فيما كانت مريم مبهورة بجمالها ضمتها مرّة أخرى على صدرها”([121]).

4-الهوية الثقافية:

امتازت الشخصية الرئيسية (مريم) بتفوقها على تلاميذ صفها، بذكائها وفطنتها تقول الشخصية الرئيسية: ”  لمريم ذكاءٌ خارق وهي قادرة أن تسترد خلال اسبوعين ما فات منها بسبب انقطاعها عن المدرسة في هذه الفترة”([122]).

وعندما سافرت إلى باريس أكملت دراستها في الفن التشكيلي واصبحت فنانة معروفة، تبيع لوحاتها. تقول الشخصية الرئيسية: ” لذا تعاملت مع المكان الجديد وكأنه بيتها ليس الرسم هو فقط ما تعلمته هناك([123]).

5-آلية الصراع وتحقيق الذات:

لقد حققت الشخصية الرئيسية ما سعت إليه إثر ما تعرضت له من الشرطي عزتي. فقد تركت المدرسة وسافرت وحققت ذاتها وأحلامها وتزوجت من أبي راصف.

خاتمة الفصل:

لقد تناولت هذه الدراسة موضوع بناء الشخصية في رواية رضا أمير خاني تحت عنوان (أناهُ) هادفة إلى الكشف عن ماهية الشخصية في روايته، وطرق تقديم الشخصية، وأضاف الشخصيات عنده سواء أكانت رئيسية أم ثانوية أم نامية، من خلال إحصاء الشخصيات وتصنيفها ونظام العلاقات التي تربط بين هذه الشخصيات من ناحية برنامجها السردي (العامل الذات/ العامل الموضوع/ العامل المرسل/ والعامل المرسل إليه/ العامل المساعد والعامل المناويء) وكذلك هوية هذه الشخصيات الرئيسية والأساسية من الناحية (النفسية، الأخلاقية، الثقافية والإجتماعية).

على أن يُختم كل برنامج بآلية الصراع وتحقيق الذات. ومن خلال هذا العرض أمكن الخروج ببعض النتائج أهمها:

  • لقد قدّم الكاتب الشخصية بشكلها المباشر، ولو كان هذا السلوب هو أسلوب (رضا أمير خاني) والرئيسي في أغلب الرواية، وإن هذا النمط جعل القاريء مشاركاً في الرواية، تسنى له تحديد الماهية الحقيقية للشخصية، والأسماء التي وردت في هذه الرواية محملة بالدلالات، فالشخصية عنده تحوّلت إلى صناعة قويّة جديدة، وهذا ما جعل الإسم في روايته قادراً على حمل دلالات فنية كثيرة (مهتاب/ القمر، موسى القصاب/ القوي، الحاج فتاح/ الكريم المحترم…)
  • في دراستي لتصنيف الشخصيات، خلصت إلى أن جلّ أصناف الشخصيات قد عملت على تصوير الواقع المعاش آنذاك في ظل حكم الشاه، وهو واقع مرير مشهود له بالقمع والبطش والانهيار من قبل الشاه الديكتاتوري، وقد اصبحت باريس ملاذاً للإسلاميين، هرباً من حكمه ومن يتصور باريس اصبحت أكثر أمناً وحريّة للذين يضعون الحجاب الإسلامي.
  • ومن خلال دراستي للشخصيتين الرئيسيتين اللتين تصدرتا أحداث هذه الرواية، تبين لي أن آلية الصراع كانت واحدة (الزواج) وكذلك النتيجة كانت واحدة، فلم يستطعا تحقيقها وبالتالي تحقيق ذاتهما، فالشخصية الرئيسية (علي) ظل وحيداً يصارع الحزن ومهتاب الشخصية الرئيسية الأساسية الاولى توفيت من دون تحقيق أملها وأما الشخصية الأساسية الثانية قد عملت على تحقيق ذاتها ونجحت.
  • وفي نهاية دراستي تبين لنا أن (رضا أمير خاني) انزاح عن النمط التقليدي للروايات الكلاسيكية التي كانت تتضمن رواياً واحداً، يقوم بسرد الأحداث، وأخذ يميل لجعل عدّة رواة تتناوب على سرد الأحداث، وأن هذا النهج الذي اتبعه لا يعدّ مثلما يسجل عليه، لأن السرد عالم موحد خاص، تتنوّع وتتعدّد في داخله اللغات والأساليب والأشخاص والأزمنة والأمكنة كما أن إضافة المتلقي والمؤلف إلى الرواية جعل (رضا أمير خاني) يمتاز عن باقي الروائيين بإدخال أسلوب حداثي جديد، وهذا ما يؤكد انغماس (خاني) في الحداثة والتجريب.

لقد توصلت الدراسة إلى توصيات.

فهنا إمكانية دراسة إشكالية الزمان والمكان في رواية (خاني) وإمكانية دراسة الإنزياح في روايته، وكذلك احتمالية درس التناص فيها، وأثر الفكر العربي والغربي في عمله الروائي، والإتجاه النفسي وغيرها.

وهذا ما يؤشر إلى أن عمل (خاني) عالم رحب يجعل الدارس أمام خيارات متعدّدة لدراسة أي جانب يريده.

وإنني لأعدكم بأنني سأقوم بهذه الدراسة في المستقبل القريب، لتكون دراسة كاملة وواقعية، يستفيد منها كل من يحب أن يغوص في تفكير الروائي ويريد الغرف من أعماله. (خاني) قد أفاد من تصور بعض النقاد في بناء منهج حداثي جديد مؤكداً أن (رضا خاني) كان يسير على خطى (جيمس جويس) وبعض نقاد الغرب الذين انزاحوا عن المنهج التقليدي الذي يلزم الروائي براو واحدٍ وضمير واحدٍ في روايته وهو راوٍ يستحقُّ مزيداً من المغامرة والبحث من جوانب عديدة من عمله.

الفهرس

مقدمة: 1

جهاد نظري:. 3

مفهوم الشخصية: 3

اصطلاحا: 5

أنواع الشخصية ووظائفها:. 7

أولاً: الشخصيات الحقيقية (الخالقة أو المبدعة). 7

أ/ المؤلف/ الروائي: 8

ب/ المتلقي: 9

ثانيا: شخصيات منتجه. 11

الشخصية الرئيسة: 12

الشخصية الثانوية: 13

‌أ-علاقة الرغبة: 17

‌ب-علاقة التواصل: 17

‌ج-علاقة الصّراع: 17

‌د-العوامل والممثلون: 18

1-إحصاء الشخصيات وتصنيفها:. 19

2-نظام العلاقات بين الشخصيات: (الشخصية الرئيسية). 20

1-العامل الذات: علي فتاح.. 20

2-العامل الموضوع: 20

3-العامل المرسل: 21

4-العامل المرسل إليه: الذات/ الصداقة. 22

5-العامل المساعد: 26

6-العامل المناويء: 27

1-العامل الذات: مهتاب التي تتمحور حولها الرواية. 31

2-العامل الموضوع: 31

3-العامل المرسل: 32

4-العامل المرسل إليه: 33

5-العامل المساعد: 34

6-العامل المناويء: 36

3-نظام العلاقات بين الشخصيات:. 38

1-العامل الذات: مريم. 38

2-العامل الموضوع: 38

3-العامل المرسل: 40

4-العامل المرسل إليه: 40

5-العامل المساعد: 41

6-العامل المناويء: 42

أ- هوية الشخصية الرئيسية:. 43

1-الهوية النفسية للشخصية الرئيسية: 43

2-الهوية الاجتماعية: 44

3-الهوية الأخلاقية: 46

4-آلية الصراع وتحقق الذات: 47

ب – هوية الشخصية الأساسية (مهتاب). 50

1-الهوية النفسية للشخصية الرئيسية: 50

2-الهوية الاجتماعية: 53

3-الهوية الأخلاقية: 53

4-آلية الصراع وتحقق الذات: 54

ج – هوية الشخصية الأساسية الثانية (مريم). 56

1-الهوية النفسية: 56

2-الهوية الاجتماعية: 57

3-الهوية الأخلاقية: 58

4-الهوية الثقافية: 58

5-آلية الصراع وتحقيق الذات: 59

خاتمة الفصل:. 60

الفهرس… 63


([1]) ابن منظور: لسان العرب، ط6، دار صادر، بيروت، 1997، 7/45 مادة شخص

([2]) الفيروز أبادي ، القاموس المحيط ، ٢/٣١٧ مادة شخص.

([3]) إبراهيم أنيس ورفاقه : المعجم الوسيط ، مطبعة مصر ، القاهرة ، ١٩٧٢، ٤٧٥ ، مادة شخص.

([4])  داوود حنـا : الشخـصية بـين الـسواء والمـرض ، مكتبـة الأنجلـو المـصرية ، القـاهرة ١٩٩١: ٧ ، وانظـر الحبـابي، محمد عزيز من الكائن إلى الشخص ، دار المعارف ، مصر ١٩٦٢: ٢٥

([5])  رنارد دي فوتو : عالم القصة ، ترجمة : محمد مصطفى هدارة ، عالم الكتب ، القاهرة ، ١٩٦٩ : ص٤٠

([6])  علي كمال : النفس ، دار واسط ، بغداد ط٤ ، ١٩٨٨م ، ١/٧٣.

([7])  عبد الملك : في نظرية الرواية ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب ، الكويت ١٩٩٨، ٧٥.

([8])  فـریال سـماح : رسـم الشخـصية فـي روايـات حنـا مينـة ، ط١ ، المؤسـسة العربيـة للدراسـات والنـشر ، بيـروت ١٩٩٩، ١٧/18.

([9])  محمد التوتجي : المعجم المفصل في الأدب ، دار الكتب العلمية ، ط١ ، بيروت ، ١٩٩٣ ، ٢/٤٥٦/٤٥٧.

([10]) مجدي وهبة : معجم مصطلحات الأدب ، مكتبة لبنان –بيروت- ١٩٧٤ ، ٦٥

([11])  عبــد الــرحمن بسيــسو: قــصيدة القنــاع فــي الــشعر العربــي المعاصــر، ط١، المــشروع القــومي للترجمــة بيــروت، 17/18، ١٩٩٩

([12])  جيرالـــد بـــرنس : المـــصطلح الــــسردي ، ترجمــــة عابــــد خزنــــدار ، ط١ ، المــــشروع القــــومي للترجمــــة ، القــــاهرة ، 42، 2003، 43

([13])  عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية ، ٧٣.

([14])  محمد أيوب : الشخص و الشخصية في القصة الغربية ( دراسة سيميائية ) ،ص ٣.

([15])  محمد يوسف نجم : فن القصة ، دار الثقافة ، بيروت ، ١٩٩٦ ، ص٥.

([16])  آلان روب جرييه، نحو رواية جديدة، دار المعارف –القاهرة- ص١٣٨

([17]) عبـد الملـك مرتـاض، فـي نظريـة الروايـة (بحـث فـي تقنيـات الـسرد)، المجلـس الـوطني للثقافـة والفنـون والآداب – الكويت- شعبان ١٩٩٨م، ص٢٠٧.

([18])  سعيد يقطين، الرواية والتراث السردي، ط١ ، رواية، -القاهرة- ٢٠٠٦ ،ص١٦٦.

([19]) عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، ص 225.

([20]) يمني العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج النبوي، ط٢ ،الفارابي، بيروت، ١٩٩٩ ،ص١١٨

([21]) عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، ص227.

([22]) الياس خوري، الرواية الجديدة، كتابات معاصر، مجلد١ ،عدد ١٩٨٩ ،٣ ، ص٧٩.

([23]) سعيد علوس، الرواية والأيديولوجيا، ط٢ ،بيروت، دار الكلمة للنشر، ١٩٨٢ ،ص٩٢.

([24])  روبــرت شـــولز، الــسيمياء والتأويـــل، ترجمــة ســـعيد الغــانمي، ط١ ،المؤســسة العربيــة للدراســـات والنــشر، بيـــروت، 1994/30.

([25]) فصول، خصوصية الرواية العربية، العدد الثالث، شتاء ١٩٩٧، ١٦/٩٣.

([26]) بيرسي لوبوك، صنعة الرواية، العراق، وزارة الثقافة والإعلام، ترجمة عبد الستار جواد، ١٩٨١ ،ص 23

([27]) آلان روب جرييه، نحو رواية جديدة، ص138

([28]) بيرسي لوبوك، صنعة الرواية، ٢٧/٢٨

([29]) سمير روحي الفيصل، الشخصية والراوي في “أنت منذ اليوم” راية مؤتة، م٢ ،ع٢ ،١٩٩٣ ،ص١٧٧

([30])  حــسن بحـــراوي، بنيـــة الـــشكل الروائـــي (الفـــضاء – الــزمن – الشخـــصية)، ط١ ،١٩٩٠ ،الــدار البيـــضاء، المركز الثقافي العربي، ص٢١٥.

([31])  م. ن، ص.ن، وانظر: محمد الحسن المصطفى، الرواية العربية الموريتانية (مقاربة للبنية والدلالة)، ص٩٩

([32]) عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، ص٨٧

([33]) روجرب هينكل، قراءة الرواية، ترجمة صلاح رزق، د.ط١ ،دار غريب، القاهرة، ٢٠٠٥ ،ص١٨٦

([34]) إبراهيم فتحي، معجم المصطلحات الأدبية، المؤسسة العربية للناشرين، طبع التعاضدية العالمية للطباعة والنشر تونس- ١٩٨٦ ،ص٢١٢

([35])  أنريكي أندرسون، القصة القصيرة ( النظرية والتقنية )، ترجمة : علي إبراهيم علي، المجلس الأعلى للثقافة  –  القاهرة ، ٢٠٠٠، ص ٢٣٩–٢٤٠.

([36]) إبراهيم السعافين، تطور الرواية العربية في بلاد الشام، دار المناهل، بيروت ١٩٨٧ ، ص٤٦٣.

([37]) باسم عبد الحميد حمودي، مدخل إلى الشخصية الثانوية في الرواية العراقية، الأقلام، ٦٤ ،١٩٨٨ ، ص٤٢

([38]) عبد الملك مرتاض، في نظرية الرّواية، ص7.

([39]) منصور عيد، البناء النفسي في روايات، ايلي نصر، ص11.

([40]) عبد الملك مرتاض، م. ن، ص140

([41])عبد الملك مرتاض، في نظرية الرّواية ، ص105

([42])  م.ن، ص 102 – 103

([43]) Bourmefer, oullet, luniners Ronan, colfuf, 1972 p 170

([44]) Greimas: Senotiques structurole throusse, 1996, p 171

([45]) نبيل أيوب، الطرائق إلى نص القاريء المختلف، ص116

([46]) pour le lire le reut, p73

([47]) بارت، مدخل إلى التحليل البنيوي، ص12

([48]) J.I. Dumonteret, Plazanet: Pourline reut, Ed, Duelot, 1980, 9120

([49]) نبيل أيوب، م.ن، ص 115

([50]) عبد المجيد زراقط، بناء الرواية اللبنانية ص272

([51]) حميد كمداني، بنية النص السردي، ص 34

([52]) م. ن،، ص35 – 36

([53])حميد كمداني، بنية النص السردي، ص 37

([54]) le sueil p 61, 62

([55]) رضا أمير خاني، أناه، دار المعارف الحكمية، تعريب محمد جواد علي، عثيل خورشا ص 64 – 65

([56]) رضا أمير خاني، أناه، ص13.

([57]) رضا أمير خاني، أناه، ص11.

([58]) م. ن، ص9.

([59])  رضا أمير خاني، أناه ، ص10 .

([60]) م. ن، ص12.

([61]) رضا أمير خاني، أناه ، ص20 – 21

([62]) م.ن، ص24 .

([63])  رضا أمير خاني، أناه، ص108.

([64])  م. ن، ص113.

([65]) رضا أمير خاني، أناه، ص13.

([66]) رضا أمير خاني، أناه ، ص63.

([67]) م . ن ، ص69.

([68]) رضا أمير خاني، أناه، ص342.

([69])رضا أمير خاني، أناه ، ص342 –343 – 344

([70]) م.ن، ص344.

([71]) رضا أمير خاني، أناه، ، ص339.

([72])  م.ن ، ص345.

([73]) رضا أمير خاني، أناه، ص344 – 345.

([74]) م.ن، ص342 – 343.

([75]) رضا أمير خاني، أناه ، ص13.

([76]) م . ن ،  ص32.

([77]) م . ن ،  ص.105 .

([78]) رضا أمير خاني، أناه، ص105.

([79])  رضا أمير خاني، أناه ،  ص94.

([80]) رضا أمير خاني، أناه، ص318.

([81]) م. ن ، ص202.

([82]) رضا أمير خاني، أناه، ص205.

([83]) م.ن، ص325.

([84]) رضا أمير خاني، أناه، ص344.

([85]) م . ن ، ص342 .

([86])  م.ن ، ص324.

([87]) رضا أمير خاني، أناه، ص33.

([88]) م . ن،  ص88.

([89])  رضا أمير خاني، أناه ، ص233

([90])  م.ن ، ص249

([91]) رضا أمير خاني، أناه، ص24.

([92]) رضا أمير خاني، أناه، ص252.

([93])  م.ن ، ص286.

([94]) رضا أمير خاني، أناه، ص288.

([95])   رضا أمير خاني، أناه ، ص 156.

([96]) م.ن، ص159.

([97]) م . ن ، ص63.

([98])  رضا أمير خاني، أناه ، ص9.

([99])  رضا أمير خاني، أناه، ، ص10.

([100]) م . ن، ص.140 .

([101])  رضا أمير خاني، أناه ،  ص13.

([102]) م . ن، ص12.

([103]) رضا أمير خاني، أناه ، ص113.

([104]) رضا أمير خاني، أناه، ص344 – 345.

([105]) رضا أمير خاني، أناه، ص345 .

([106]) رضا امير خاني، أناه، ص345 – 346.

([107]) رضا أمير خاني، أناه، ص63 – 64.

([108])  م.ن ، ص21.

([109]) رضا أمير خاني، أناه، ص44

([110])رضا أمير خاني، أناه ، ص61 – 62

([111]) رضا أمير خاني، أناه، ص62

([112]) م . ن، ص44

([113]) رضا أمير خاني، أناه ، ص344 – 345

([114]) رضا أمير خاني، أناه، ص305

([115]) رضا أمير خاني، أناه، ص252

([116])  رضا أمير خاني، أناه، م . ن، ص292

([117])  م.ن، ص44

([118])  رضا أمير خاني، أناه، ، ص216

([119]) م . ن، ص291

([120])  م.ن ، ص46

([121])  رضا أمير خاني، أناه، ، ص44

([122])  م . ن، ص284

([123])  م.ن ، ص291

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *