الإغتراب والبحث عن الهوية بين سهيل إدريس وجبرا إبراهيم جبرا: مقاربة نقدية مقارنة

مقدمة

تُعدّ ظاهرتا الإغتراب والبحث عن الهوية من أبرز الظواهر التي شغلت الأدب العربي الحديث، بوصفهما تعبيرًا عن أزمة الإنسان العربي في مواجهة تحولات التاريخ والواقع. فقد أدت التقلبات السياسية والإجتماعية والثقافية إلى تعميق الإحساس بالفقد والتيه، مما انعكس بوضوح في النتاج الأدبي لجيل كامل من الكتّاب الذين سعوا إلى استكشاف ذواتهم الفردية والجمعية عبر مسارات متعددة من التعبير الفني والفكري.

وفي هذا الإطار، يبرز اسما “سهيل إدريس” و”جبرا إبراهيم جبرا” كعلمين بارزين قدّما تجربتين متمايزتين في استبطان هذه الأزمة. فبينما عبر سهيل إدريس عن الاغتراب بلغة واقعية مشبعة بالنبرة الوجودية، محمّلة بتجربته الخاصة في الغرب وتوقه إلى تحقيق ذات عربية حرة، عمد “جبرا إبراهيم جبرا” إلى تشييد عالم جمالي رمزي يتوسل الرمز والأسطورة والحلم هربًا من التشظي الواقعي، باحثًا عن هوية مفقودة في فضاءات الفن والميثولوجيا.

تطرح هذه الدراسة سؤالاً جوهريًا:

كيف تجلى مفهوم الاغتراب والبحث عن الهوية في أدب “سهيل إدريس” و”جبرا إبراهيم جبرا”، وما أوجه الإلتقاء والإفتراق بين رؤيتيهما؟

وللإجابة عن هذا السؤال، يعتمد البحث على المنهج النقدي المقارن، مستعينًا بمداخل تحليلية مستمدة من الدراسات البنيوية والوجودية الحديثة، مع مراعاة خصوصية السياقين الشخصي والثقافي لكل من الكاتبين.

إن أهمية هذه الدراسة، تنبع من حاجتنا المستمرة إلى قراءة تجارب الأدب العربي الحديث، بوصفها مرآة لصراعات الهوية والإنتماء في زمن التحولات الكبرى، كما تكمن قيمتها في الكشف عن الفروقات الدقيقة في رؤية الكتّاب العرب للذات والعالم، وكيفيات معالجتهم لفكرة الاغتراب في صيغها المتعددة.

وسيتم تقسيم البحث إلى أربعة فصول رئيسية:

يعالج الفصل الأول الإطار النظري والمنهجي.

ويخصص الفصل الثاني لدراسة تجليات الاغتراب في روايات “سهيل إدريس”.

أما الفصل الثالث فيرصد مظاهر الاغتراب الجمالي والرمزي في نصوص “جبرا إبراهيم جبرا”.

بينما يتولى الفصل الرابع عقد مقارنة تفصيلية بين الكاتبين، تحليلًا ونقدًا.

ختامًا، تهدف هذه الدراسة إلى إثراء حقل النقد الأدبي العربي بمقاربة جديدة تسعى إلى المزاوجة بين التحليل الموضوعي والرؤية الجمالية العميقة.


الفصل الأول: الإطار النظري والمنهجي

أولاً: مفهوم الإغتراب

يُعدّ الاغتراب أحد أكثر المفاهيم حضورًا في الفكر الأدبي والفلسفي، وقد تعددت تعريفاته تبعًا للمنظورات الثقافية والفكرية التي تناولته.

لغويًا، الاغتراب من الغُربة، وهي الإبتعاد عن الوطن أو الجماعة. أما اصطلاحًا، فهو تعبير عن شعور الإنسان بالإنفصال عن ذاته أو مجتمعه أو عالمه.

يرى كارل ماركس أن الاغتراب هو نتيجة لانفصال العامل عن نتاج عمله في ظل النظام الرأسمالي، مما يؤدي إلى تحوله إلى كائن مغترب عن ذاته الإنسانية[1].

أما في الفكر الوجودي، كما عند سارتر وكامو، فالإغتراب يمثل تجليًا لانعدام المعنى في العالم، وشعور الفرد بالعبثية واللاجدوى[2].

وفي الأدب العربي، ارتبط الإغتراب بتجربة الإحتلال والإستعمار والتبعية الثقافية، مما جعل الكتّاب العرب يصوغون نصوصًا مليئة بإحساس الفقد والتّشظّي.

ثانياً: مفهوم الهوية

الهوية، لغةً، مشتقة من الضمير “هو”، أي إثبات الذات[3].

أما اصطلاحًا، فهي مجموع الخصائص التي تميز فردًا أو جماعة عن غيره أو غيرها، سواء أكانت هذه الخصائص ثقافية، لغوية، دينية، أم اجتماعية.

الهوية تتكون من عنصرين أساسيين:

الثبات: ويتمثل في الخصائص الجوهرية التي لا تتغير بسهولة.

التحول: ويتمثل في قدرة الهوية على التفاعل مع المتغيرات الحضارية من دون أن تفقد جوهرها.

وقد شهد الأدب العربي الحديث جدلية معقدة بين الهوية الأصلية والتأثيرات الغربية، مما أفرز أدبًا يعكس صراع الذات العربية بين المحافظة والتجديد[4].

ثالثاً: مفهوم المنهج المقارن ومبررات اختياره:

المنهج المقارن هو منهج نقدي يُعنى بمقارنة النصوص الأدبية عبر لغات أو ثقافات أو بيئات مختلفة أو متقاربة، بغرض الكشف عن التماثلات والاختلافات في الموضوعات، الأشكال، الرؤى، والتقنيات السردية[5].

يرى كلود بيشوا، (Claude Pichois) أن الأدب المقارن “بحث عن العلاقات بين الآداب المختلفة”، وهو لا يقتصر على مقارنة الأعمال بل يتعدى إلى تحليل التأثيرات، الإنتقالات، والإستقبال الأدبي[6].

وقد تأثر الأدب العربي بهذا المنهج منذ منتصف القرن العشرين، خاصة مع ظهور دراسات عربية مقارنة تربط الأدب العربي بالآداب الغربية والشرقية.

تُعزى أسباب اعتماد المنهج المقارن بين” سهيل إدريس “و”جبرا إبراهيم جبرا” إلى اعتبارات عديدة:

أولًا، اختلاف التجربتين رغم انطلاقهما من واقع عربي مشترك، مما يتيح إبراز التباين في كيفية مقاربة أزمة الاغتراب والهوية.

ثانيًا، تميز كل كاتب بأسلوب فني خاص، يثري التحليل المقارن بفضل تنوع أدوات التعبير بين الواقعية الوجودية والرمزية الجمالية.

ثالثًا، يسمح هذا المنهج بتوسيع دائرة الفهم النقدي عبر دراسة الأدب كظاهرة تتجاوز الحدود الفردية إلى آفاق ثقافية شاملة.

رابعاً: الدراسات السابقة

تعددت الدراسات التي تناولت أدب” سهيل إدريس” و”جبرا إبراهيم جبرا”، إلا أن الدراسات المقارنة بينهما نادرة نسبيًا.

تناولت دراسة محمد برادة (1986) أدب سهيل إدريس بالتحليل البنيوي، مركزًا على أزمة الذات العربية في باريس[7].

أما عبد الرحمن منيف، فقد أشاد في مقدمته لأعمال جبرا بمقدرته على تحويل معاناة الإغتراب إلى تجربة جمالية رمزية فريدة[8].في حين أن دراسات أخرى اهتمت بمقارنة أدب جبرا مع كتاب عالميين من دون ربطه بسياق عربي مماثل.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة لدراسة مقارنة تضع أدب إدريس وجبرا جنبًا إلى جنب، من منظور أزمة الهوية والإغتراب.


الفصل الثاني: تجليات الاغتراب في أدب سهيل إدريس

تمهيد: مفهوم الاغتراب في الأدب العربي

إنّ ظاهرة الإغتراب مركزية في الأدب الحديث، إذ يتجسد شعور الإنسان بالانفصال عن ذاته ومجتمعه والعالم المحيط به. ويعدّ سهيل إدريس من أبرز الكتاب العرب في القرن العشرين الذين تناولوا مواضيع الاغتراب الوطني والاجتماعي والنفسي في أعمالهم الأدبية. وقد عالج سهيل إدريس هذه الظاهرة بشكل متعمق في رواياته، مستلهمًا من تجاربه الشخصية في الحياة والتعليم والتنقل بين الشرق والغرب.إذ شكلت هذه الظاهرة محوريّة في نصوصه التي كانت تجسيدًا للأزمات التي يواجهها الفرد العربي في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية المعقدة; وكذلك اهتم إدريس في أعماله الأدبية بتصوير الصراع الداخلي لدى الشخصيات والأزمة الهوية التي يعاني منها المواطن العربي بعد مرحلة الاستقلال السياسي، لكن ما لبثت هذه الاستقلالات أن أظهرت عيوبًا كبيرة في الأنظمة الحاكمة التي لا تتيح للمواطنين مساحة للتمتع بحقوقهم الأساسية.

يظهر الاغتراب في أدبه بأبعاد متعددة: دينيّة، وطنية، لغوية، طبقية، وعاطفية، وسنسعى في هذا الفصل إلى دراسة هذه الأبعاد عبر نماذج نصيّة متعددة مع تحليلها نقديًا.

أولًا: الاغتراب الديني

يبرز الاغتراب الديني عند “سهيل إدريس” بوصفه أزمة هوية وانفصالًا عن الجذور الروحية، خاصة حين يتلاقى الشرق بالغرب.

  1. الشعور بالخواء الطقوسي

يصف “سهيل ادريس “البطل في الحي اللاتيني شعوره أثناء ممارسة العبادات التقليدية،يقول:”كنت أصلي كما يصلي الآخرون، أصوم كما يصومون، ولكن قلبي كان يبحث عن شيء آخر لا تجده في هذه الطقوس”[9].

يعكس النص اغترابًا داخليًا عن الشكل الديني التقليدي الذي يفقد معناه الجوهري لدى البطل، فيتحول الدين إلى عادة مفرغة من الإيمان الحقيقي.

  •  الغربة في الطقس الديني الغربي

قد بانت غربته الدينيّة “سهيل ادريس”أثناء حضوره قداسًا في كنيسة باريسية، يقول:”كأنما صلواتهم بلغات لا أعرفها، إلى آلهة لا تمت إليّ بصلة”[10]

يتضاعف الاغتراب الديني هنا; إذ يشعر البطل بالانفصال لا عن ديانته الأصلية فقط، بل حتى عن الممارسات الدينية الغربية التي تبدو له غريبة بالكامل.

  • أزمة المقدّس المفقود

ينبع الاغتراب الديني هنا من فقدان الصلة الحميمية بالمقدس، الذي يبدو في المهجر مفرغًا من الأحاسيس الشرقية العميقة،وقد ظهلر ذلك حين تأمل الكنائس الباريسية، يعترف:”لم أجد في صلواتهم دفء كنائس بيروت، ولا وجع التوسل الشرقي”[11].

  • الانقسام بين العقل والإيمان

ما يضاعف مأساة الاغتراب الديني عند إدريس في حديثه عن تعليمه الفرنسي يقول:”العقل الذي تبنيته هناك راح يهاجم الطمأنينة التي ربّاني عليها إيماني القديم”[12].

هذا المشهد يمثّل صراعًا داخليًا بين المعرفة العقلانية الحديثة والإيمان التقليدي،

ثانيًا: الإغتراب الوطني

يتجسد الاغتراب الوطني في أدب إدريس من خلال تصويره لحالة الانفصال التي يعيشها المواطن العربي عن وطنه. في العديد من رواياته، نرى شخصيات تتأرجح بين التطلع نحو وطن أفضل وبين الإحساس بالعجز عن تغييره. إننا نرى،أنّ الاغتراب الوطني في هذا السياق لا يقتصر على الفقدان الجغرافي للوطن، بل يمتد ليشمل أيضًا فقدان الأمل في إمكانية التغيير أو التطور داخل حدود الوطن نفسه ،وكذلك يرتبط الاغتراب الوطني عند سهيل إدريس بشعور الفقد والانفصال عن الأرض والأمة والهوية الجمعية.

وقد ظهر عند إدريس الإغتراب الوطني من خلال:

  1.  فقدان الانتماء أثناء الغربة

يقول البطل في الحي اللاتيني:”كنتُ في باريس جسدًا متحررًا، ولكن قلبي معلق بأسوار بيروت القديمة”[13].

هنا يتبين لنا التصوير الحسي لانقسام الشخصية بين واقع مادي متحرر وحنين روحي متجذر في الوطن.

  • الغربة عن القضية القومية

ينتقل مفهوم الوطن من كيان جغرافي إلى جرح ذاتي، مما يعمّق شعور الفقد القومي من خلال حواراته مع الطلبة العرب في باريس:”نتجادل عن قضايا أوطاننا، ولكن كلٌّ منا يحمل وطنه جرحًا شخصيًا لا خريطة له”.[14]

  • فقدان الوطن كملاذ

في وصفه لوطنه يقول:”كنت أحلم ببيروت أمًّا حنونًا، فإذا بها تطرد أبناءها إلى أزقة العالم”.[15]تحول الوطن إلى قوة طاردة، ينزع عنه دوره كحاضنة، مما يؤدي إلى تمزق الشعور بالإنتماء.

  • الإحساس بالهوية المتآكلة

يُبرز النص فقدان الهوية الوطنية حتى عند العودة، كأنما الاغتراب أصبح جزءًا من الذات نفسها.أثناء تأمله حال العائدين للوطن:”رأيتُ أبناء بيروت يعودون إليها غرباء، لا يجدون في شوارعها إلا ذكرى منسية”.[16]

ثالثًا: الإغتراب الطبقي

نجد أن الإغتراب الطبقي يظهر بشكل واضح في أعمال إدريس. كان للمجتمع العربي في الخمسينيات والستينيات تقلبات حادة في طبقات المجتمع، إذ كانت الطبقات الوسطى والفقيرة تعاني من فجوات اجتماعية عميقة. هذا الاغتراب الطبقي في أدب إدريس يظهر في معاناة شخصياته التي تعيش في هوامش المجتمع وتكافح ضد الإستغلال الطبقي الذي يضع حاجزًا بين الإنسان وآماله ومن خلال صراع الشخصيات بين طبقات المجتمع المختلفة، ومآسي الأحلام المحطمة.

  1.  الطموح المجهض

يقول الراوي في الخندق الغميق:كنت أحلم بامتلاك جناحٍ في السماء، لكنني بالكاد امتلكتُ غرفةً في قعر بيروت”.[17]يكشف هذا التناقض الساخر عن فجوة طبقية تحول الأحلام إلى سراب.

  • الحقد الاجتماعي

تحول الشعور بالغبن الطبقي إلى عنف مكبوت يكشف شدة الإغتراب الإجتماعي ،يصف إحساسه تجاه الطبقة الغنية:”أراهم يبتسمون ببراءة، ولا يدرون أنني كنت أريد تمزيق بذلاتهم بأظافري”.[18]

  • الإنسلاخ عن الطبقة الأصلية

يقول سهيل إدريس:”كلما حاولت أن أكون واحدًا منهم، لاح لي الفقر كندبةٍ لا تختفي”[19].

يوضح هذا النص استحالة تجاوز الأصل الطبقي رغم محاولات الاندماج، مما يكرس قلق الانتماء.

رابعًا: الإغتراب اللغوي

يمثل الإغتراب في أدب إدريس انعكاسًا حقيقيًا لحالة الوجود العربي في تلك المرحلة التاريخية،وذلك من خلال شخصياته المتأثرة بالاغتراب، يقوم إدريس بدور “المؤرخ الأدبي” الذي يلتقط الصورة الحية للمجتمع العربي بعد الإستقلالات السياسية ،وكان دائمًا يطرح أسئلة الوجود للأفراد الذين يعانون من عزلة عميقة بسبب الأنظمة السياسية أو الطبقات الاجتماعية. لذلك، نجد أن أعماله تعد من أهم الأعمال الأدبية التي تساعد في فهم تاريخ الإغتراب كظاهرة إنسانية تداخلت في الكتابة العربية المعاصرة.

لذا، فإن الإغتراب في أدب إدريس لا يعكس فقط حالة المواطن العربي في مرحلة معينة، بل هو مرآة لمشاعر الضياع والإنعزال في عالم أصبح يبدو مغلقًا أمامهم، على مستوى الوطن، والطبقة الإجتماعية، والذات العاطفي،ويتجلى الإغتراب اللغوي في تعارض بين اللغة الأم واللغة الأجنبية المكتسبة،من خلال:

  1. خيانة اللغة الأم

يقول البطل:كلما تحدثت بالفرنسية شعرت أنني أطعن العربية في خاصرتها”.[20]يُبرز النص مأساة التوتر بين لغتين تمثل كل منهما هوية متناقضة.

  •  التباس التعبير

إنّ فقدان الطلاقة باللغة الأم رمز لفقدان الانتماء الكامل إلى الجذور،عند محاولته كتابة رسالة بالعربية يقول:بحثتُ عن الكلمات، فإذا هي تتعثر في ذهني، كما تتعثر الذاكرة عند النسيان”.[21]

  •  الإنفصال عن الجمهور

عندما ينشر مقالًا بالفرنسية يقول:”كتبته بلسان لا يقرؤه أبي”.[22] تكثيف درامي للاغتراب الثقافي، إذ تصبح اللغة جدارًا يفصل الكاتب عن مجتمعه الأصلي.

خامسًا: الاغتراب العاطفي

أما الاغتراب النفسي والعاطفي في أعمال إدريس، فيبدو وكأنه جزء لا يتجزأ من الشخصيات التي تئن تحت وطأة الظروف الخارجية. هذه الشخصيات تكون في حالة من التشتت الداخلي نتيجة معاناتها من فقدان الهوية، الضياع العاطفي، والصراع الداخلي.

ففي رواية “الحي اللاتيني”، نجد شخصية فاطمة، التي تعيش اغترابًا عاطفيًا شديدًا،رغم أنها تحاول أن تُظهر عواطفها للآخرين، فإنها تجد نفسها دائمًا في صراع داخلي بسبب الوضع الإجتماعي والطبقي الذي لا يسمح لها بتحقيق توازن عاطفي. في هذه الرواية، تمثل فاطمة نموذجًا للإنسان الذي يواجه تحديات حياته اليومية من دون أن يتمكن من إيجاد سلام داخلي.

يمثل الاغتراب النفسي في هذه الرواية إحدى أعمق الأبعاد الإنسانية التي صورها إدريس، إذ تمثل هذه الشخصيات في الحقيقة حالة من الصراع الداخلي، ومحنة تحاول التأقلم مع أوضاع اجتماعية قاسية تؤثر في مشاعرهم الشخصية وتؤدي بهم إلى حالة من اللامبالاة أو الفقدان المتكرر للأم ويرتبط الإغتراب العاطفي بالعلاقات الإنسانية المتوترة والمفككة ،وذلك من خلال:

  1. الحب كمأساة

جاء تصوير الحب بوصفه وعدًا غير محقق، يعمق الشعور بالوحدة،عن حبه الباريسي يقول:كانت جميلة كالحلم، ولكنها بعيدة كالمستحيل”.[23]

  • فقدان التواصل

يظهر النص، أن الاغتراب العاطفي لا يكمن فقط في فقدان اللغة، بل في عجز المشاعر عن الالتقاء،يقول عن حبيبته الفرنسية:”كنا نتحدث كثيرًا، لكن كلماتنا كانت تمر بيننا دون أن تمس قلوبنا”.[24]

  • . نهاية الحب بالغربة

تحدث الكاتب عن وداعه لحبيبت ويوحي هذا الوداع بفقدان الإتصال الإنساني، كأنما الغربة شملت حتى الأجساد والظلال ،يقول:”.صافحتني بيدٍ باردة، كأنما كانت تصافح ظلي لا أنا”[25].

من خلال ذلك وبالعودة إلى ما سبق،أظهر سهيل إدريس الإغتراب بوصفه مرض العصر الحديث، متجليًا في الدين، والوطن،والطبقة،واللغة،والحب;وبذلك قدم تصورًا وجوديًا للهوية العربية الممزقة بين تراثها وأحلامها، بين الشرق والغرب، بين الذات والعالم.


الفصل الثالث: تجليات الإغتراب في أدب “جبرا إبراهيم جبرا”

تمهيد: مفهوم الإغتراب عند “جبرا إبراهيم جبرا”

شكّل الإغتراب محورًا أساسيًا في إبداع “جبرا إبراهيم جبرا”، سواء في رواياته أو في مذكراته، إذ ارتبطت تجربته الأدبية بتجربة وجودية عميقة مع المنفى والإقتلاع والتشظي.

فقد اختبر جبرا أنواعًا متعددة من الإغتراب: دينيًا منذ طفولته، وطنيًا بعد نكبة فلسطين، ولغويًا بين العربية والإنجليزية، وعاطفيًا في علاقاته الإنسانية، وطبقيًا نتيجة صراعه مع الفقر والنخب المثقفة.

يقدم جبرا شخصياته دائمًا بوصفها “باحثة عن هوية ضائعة”، ويستخدم الإغتراب كمرآة لكشف تناقضات العالم العربي، في تعارضه مع العصرنة من جهة، والإنقسامات الداخلية من جهة أخرى.

سنحاول هنا استكشاف ظواهر الاغتراب في أعماله من خلال أمثلة نصيّة دقيقة وتحليل معمق.

أولًا: الإغتراب الديني

الاغتراب الديني هو شعور الإنسان بالإنفصال أو التباعد عن الإله أو عن المجتمع الديني الذي ينتمي إليه، وغالبًا ما يرتبط هذا الشعور بأزمات الهوية أو التجارب الروحية المؤلمة أوالإصطدام بالواقع العقائدي الرسمي. هذا المفهوم يجد جذوره في الفلسفة الوجودية والدراسات الدينية، وقد اتخذ في الأدب العربي الحديث أشكالًا متعددة نتيجة التحديات السياسية والإجتماعية والثقافية التي واجهها الكتّاب العرب، وعلى رأسهم “جبرا إبراهيم جبرا”.

وتُعد رواية البحث عن وليد مسعود (1978) أنموذجًا صارخًا لحالة الاغتراب الديني،إذ يتجلى في شخصية وليد التي تمثل أزمة الإنسان العربي المثقف. وليد مسعود، الذي نشأ في بيئة دينية تقليدية، يعاني من صراع داخلي مرير بين إرثه الديني وبين وعيه الحديث الناقد، مما يدفعه إلى التمرد على الأنماط الجاهزة في المعتقد والتدين.و”كانت تساوره تلك الأسئلة: كيف يمكن أن يعيش المرء إيمانه دون أن ينسحق تحت جهل المتدينين؟ وكيف يمكن له أن يشك دون أن يفقد صوته الداخلي؟” [26].

في هذا النص، تظهر أزمة وليد كمثقف عربي وجد نفسه بين مطرقة التقاليد وسندان الحداثة، ما جعله يعيش حالة من الإنفصام الروحي، الذي يمثل جوهر الإغتراب الديني. فهو لا يرفض الإيمان بذاته، بل يرفض شكله السائد المحنّط، ويتوق إلى إيمان متجدد ينبع من الذات الحرة.

ويظهرالإغتراب الديني في رواية “صيادون في شارع ضيق”، (1960)، ويتخذ شكلاً جماعياً أكثر منه فردياً. الرواية التي تصور بغداد الخمسينات تسلّط الضوء على شخصيات تنتمي إلى أقليات دينية (مسيحيين، يهود، مسلمون) تعاني من الإضطهاد والتهميش، ما يجعلهم يعيشون غربتهم الروحية والإجتماعية معاً.يقول:”كانوا يصلّون، لكنهم لا ينتظرون شيئًا. الإله، في قلوبهم، صار مثل تمثال قديم تحبه لأنك اعتدت صورته، لا لأنك تؤمن به.” [27]

هذا التعبير يكشف كيف تتحول العلاقة مع الدين إلى عادة خالية من الروح، وتغدو الطقوس مجرد قناع اجتماعي، مما يفضي إلى اغتراب شعوري عميق عن المقدس، لا لغيابه بل لتشوه صورته في السياق القهري.

كما يميل جبرا إلى استخدام الرمزية واللغة الشعرية في تعبيره عن حالات الإغتراب الديني، إذ تشكل اللغة عنده بنية مقاومة للفراغ الروحي;من منظور بنيوي-لغوي، يمكن رصد تواتر المعجم الصوفي والعبارات الدينية في رواياته، لا كتعبير عن التصوف الإيجابي، بل بوصفه دلالة على فقدان الإيمان الحي،يقول في روايته”البحث عن وليد مسعود:”السماء كانت قريبة، ولكن الله كان بعيدًا.” [28]

إن مفارقة القرب الحسي والبعد الروحي هنا تبلور المأزق الإيماني الذي يعيشه أبطال جبرا، وهو مأزق يُعبّر عنه عبر توتر لغوي بين المعنى الظاهري والدلالة الشعورية.

كما يمكننا أن نرصد كيف يتعامل جبرا مع الدين بوصفه أفقًا مشوشًا للإنتماء، إذ يربط بين الدين والهوية الضائعة في بيئات تعيش صراعات طائفية أو تغترب عن تراثها الروحي.وذلك من خلال:

  1. طفولة مفعمة بالتمزق الطائفي

في البئر الأولى يقول:”في بيتنا كانت المسيحية أقل من أن تكون إيمانًا، وأكثر من أن تكون طقسًا. كانت شيئًا يمرّ عبر الأحاديث والخوف”[29]

يركز جبرا على الإحساس المبكر بالإغتراب عن المعتقد، إذ لم يكن الدين عنده تجربة روحية حية بل مجرد شبح ثقافي يحضر بالرهبة لا بالإيمان.

  • الغربة أمام الرموز الدينية

يصف دخول كنيسة لأول مرة:”رأيتُ الصليب الكبير معلقًا فوق المذبح، شعرت أني في بيت غريب عني”[30].

مشهد واضح للانفصال الوجداني عن رموز العقيدة، مما يكشف عن أزمة هوية روحية منذ الطفولة.

  •  الرفض الباطني للطقوس

يبرز جبرا أن الطقوس، حين تفقد حقيقتها الروحية، تصبح سببًا للاغتراب لا للانتماء،ففي رواية السفينة، يُظهر الراوي نفوره من الاحتفالات الدينية الشكلية:يقول جبرا:”كانت صلواتهم كلمات محفوظة، بلا حرارة، بلا أنين الروح”[31]

ثانيًا: الإغتراب الوطني

الاغتراب الوطني في أدب “جبرا إبراهيم جبرا” يتقاطع بعمق مع اغترابه الديني والوجودي، لكنه يكتسب طابعًا خاصًا بحكم التجربة الفلسطينية التي شكّلت وجدان الكاتب. هذا الإغتراب لا يُفهم فقط كفقدان للأرض أو الوطن الجغرافي، بل كتمزق الهوية واغتراب الإنسان عن ذاته في ظل التهجير، الإستعمار، والإنقسامات السياسية. جبرا لا يقدم “الاغتراب الوطني” كمجرد موقف سياسي، بل كأزمة وجودية وشعورية تعكسها الشخصيات والأمكنة واللغة.

أولاً،جبرا وُلد في بيت لحم، وعاش في القدس، لكنه اضطر إلى الرحيل إلى العراق بعد نكبة 1948. هذا الانفصال القسري عن الوطن كوَّن أساس اغترابه الوطني، إذ لم تعد “فلسطين” في كتاباته مكانًا جغرافيًا فقط، بل تحولت إلى وطن ضائع في الذاكرة واللغة. يظهر ذلك في كتاباته التي تمزج بين الحنين والشك، وبين الغضب والرغبة في الانبعاث.ر ففي رواية البحث عن وليد مسعود تزخر بتمثيلات الاغتراب الوطني، خصوصًا في شخصية وليد، الفلسطيني الذي عاش في الشتات متنقلاً بين بغداد وباريس ودمشق. الوطن عند وليد ليس فقط مفقودًا، بل أصبح قضية وجودية مرتبطة بالهوية والحب واللغة والجسد.:يقول جبرا:”الوطن؟… ما عدت أراه في خارطة. صار يسكنني كغصة، لا تُبلع ولا تُفهم.” [32].

هنا لا يتحدث وليد عن “فلسطين” كمكان، بل كجُرح داخلي،فالإغتراب الوطني يتخذ شكل صدع داخلي بين ما يجب أن يكون وما هو كائن، بين الحلم القومي والفشل السياسي، بين المخيم والمدينة، وبين الثورة والكلمات.

وفي رواية السفينة (1970) تجسد هذا الإغتراب بشكل رمزي، الباخرة التي تجمع نخبة عربية في عرض البحر تصبح استعارة للعالم العربي الذي يطفو بلا اتجاه، ولا يجد مرفأً;من بين الركاب، الفلسطيني “مارون”، والمثقف المهزوم، والمومس التي تحمل ماضياً من الحرب والنكبة. الوطن هنا ليس له وجود حقيقي، بل يتجسد في فقدانه:،يقول جبرا :”نحن أناس بلا شاطئ… كل ما فينا من بقايا وطن، هو وجوهنا وهي تُحدق في العدم.” [33]

هذه العبارة تختصر معنى الإغتراب الوطني: الوجود في اللّامكان، والإنتماء إلى ذاكرة لا تُستعاد.

جبرا يستخدم بنية لغوية تعتمد على التكرار الرمزي (مثل “المنفى”، “الضياع”، “الخراب”)، مع جمل ناقصة أو متوترة، تعكس تصدع الوعي الوطني. كما يكثر من استخدام ضمير الغائب في الحديث عن “الوطن”، مما يدل على انفصاله عن الذات. مثل: “لم يعد هناك من وطن أقول له: أنت.[34]“ويمكن أن نرصد أيضاً هذا الإنفصال خصوصًا بعد نكبة 1948 وتهجيره من فلسطين ،من خلال:

  1. فقدان الوطن الحلم

في البحث عن وليد مسعود يقول:”كانت فلسطين فردوسًا ضاع، وضياعه علّق أرواحنا بين سماء لا تُطال وأرض لا نُقبل إليها”.[35]

يشبّه جبرا هنا،الوطن بالفردوس الضائع، مما يرسخ شعور الفقد الأبدي والانفصال الكياني.

  •  الغربة في المنافي العربية

يصف حياة الفلسطينيين في الشتات، يقول :”تنتقل بين العواصم، فتبني بيتًا بالكلمات، ثم ينهار كل شيء عند أول عاصفة”[36].

الوطن هنا ،يتحول إلى بناء لغوي هش، لا أرض تحميه، مما يعمق اغتراب الإنسان الفلسطيني.

  •  العجز عن الانتماء للمكان البديل

عن بغداد التي أقام فيها يقول:”أحببت بغداد، ولكنني ظللت فلسطينيًا تائهًا في شوارعها”[37].

حتى المدن العربية الكبرى لم تستطع منح جبرا شعور الإنتماء الحقيقي، مما يكرس اغترابه الوطني.

  •  الصراع مع النكبة كذاكرة مفتوحة

الإغتراب الوطني لا يقتصر على الفعل السياسي، بل يمتد إلى الشعور اليومي الدائم بفقدان الأمان والإنتماء.

يروي في السفينة:”النكبة ليست ذكرى، بل جرح يُعاد فتحه كل صباح”.[38]

ثالثًا: الإغتراب الطبقي

الإغتراب الطبقي في أعمال “جبرا إبراهيم جبرا” يُعد بعدًا مكمّلًا لبنية الإغتراب العام في مشروعه الروائي، ويظهر كتمثيل درامي لانقسام الذات والمجتمع بين طموحات الفرد وحدود الطبقة، وبين وعي المثقف وجمود البنى الإجتماعية. جبرا لا يعالج الطبقية كموضوع سياسي فقط، بل كأزمة داخلية تعصف بالذات الباحثة عن التحقّق وسط بيئة تُقيدها القيم الطبقية الصلبة، والعلاقات غير المتكافئة.

فهو يرتبط بإحساس الفرد بعدم الإنتماء إلى الطبقة التي يعيش فيها، أو إدراكه للفجوة بين موقعه الاجتماعي الحالي وطموحاته أو وعيه الطبقي. هذا المفهوم يستند إلى تحليل ماركسي للواقع الاجتماعي، لكنه عند جبرا يتخذ طابعًا وجوديًا وفكريًا، يلتقي فيه الطبقي مع الروحي والوطني.

وقد ظهرت جلية تمثيلات الإغتراب الطبقي في البحث عن وليد مسعود،شخصية وليد مسعود، ابن التاجر الفلسطيني، تعاني من توتر حاد بين خلفيته البورجوازية ونزعته الثورية والفكرية. نشأ في بيت ميسور، لكنه اختار التمرّد على طبقته ومجتمعها، مما خلق داخله هوة بين ما ينتمي إليه بالوراثة وما يؤمن به فكريًا. يقول وليد:”كرهت تلك الأرائك الذهبية، تلك الثريات، كرهت الفخامة التي تعلمتُ فيها كيف أحتقر نفسي.[39]

الوعي الطبقي هنا لا يُترجم إلى فعل مباشر، بل إلى شعور حاد بـالنفور من الذات الطبقية، ما يولد نوعًا من الإغتراب الداخلي العميق.

وفي موضع آخر،في” صيادون في شارع ضيق” والطبقية كواقع اجتماعي خانق،الرواية التي تقع أحداثها في بغداد، تصوّر صراع الطبقات من خلال نماذج بشرية متنافرة: الفنان الفقير، التاجر المسيحي، المثقف الطامح، والعامل البسيط. الشخصيات لا تلتقي على مستوى الوعي أو الفرصة، بل كل منها محاصر في طبقته، يحلم بالخروج منها من دون أمل حقيقي،يقول:”أحيانًا يشعر المرء أن الشارع أضيق من روحه، لكنه لا يستطيع أن يغادره. إنه الشارع الذي يعرفك باسمك، ولكنه لا يحترمك.[40]

هنا الطبقة ليست مجرد انتماء مادي، بل هي قدر اجتماعي خانق. الشارع يرمز إلى الطبقة الإجتماعية التي تُشعرك بالإنكشاف الدائم،من دون أن تتيح لك الإنفلات.

لذا،فإنّ الإغتراب الطبقي عند جبرا ليس وصفًا للواقع فقط، بل هو مأساة فكرية يعيشها المثقف العربي، الذي يجد نفسه ممزقًا بين امتيازاته الطبقية ومشروعه التحرري. وهذه المأساة تُعبّر عنها روايات جبرا، لا عبر الشعارات، بل عبر شخصيات مشروخة، قلقة، باحثة عن خلاص خارج القيد الطبقي.وتُبرز روايات جبرا صراعه مع الإنقسامات الطبقية التي تحطم أحلام الشباب في مدن العالم العربي،من خلال:

  1.  حلم الطبقة المسحوقة

تصوير قوي للهوة بين الطموح والفقر، حيث تستحيل الأحلام إلى عبء يومي.ففي “صيادون في شارع ضيق”يقول إحدى الشخصيات:”كنا نحلم بالثروة كما يحلم السجين بالحرية، ولكن الشوارع الضيقة كانت أوسع من أحلامنا”[41].

  •   الصراع بين الطبقات

في الرواية نفسها:يقول جبرا:”كان الأثرياء يمرون بسياراتهم، ونحن نحلم أن نصير ظلًّا على زجاجهم المعتم”[42].قد ظهرت الصورة المجازية هنا، تكشف شدة التهميش الطبقي الذي يحوّل البشر إلى أشباح في مدنهم.

  • فقدان الأمل بالصعود الطبقي

إن القصّة نفسها “صيادون في شارع ضيّق”،يقول السارد:”كل باب بدا مفتوحًا أغلق بوجهنا بمسمار صدئ”[43].

نجد أنّ اليأس من تحسين الوضع الطبقي يكمل دائرة الاغتراب الاجتماعي والاقتصادي.

رابعًا: الإغتراب اللغوي

الإغتراب اللغوي عند “جبرا إبراهيم جبرا “هو من أكثر أشكال الإغتراب تعقيدًا في مشروعه الأدبي، إذ لا يُختزل في فقدان اللغة أو اغترابها عن الذات، بل يظهر بوصفه أزمة وجودية وفكرية تعبّر عن فقدان المعنى في عالم متشظٍّ. يتعامل جبرا مع اللغة لا كأداة تواصل فحسب، بل كـ”قناع” للحقيقة، كما لو أن اللغة تخون التجربة، وتضلل الوعي.

  1.  الخلفية الفلسفية

يرتبط الإغتراب اللغوي عند جبرا برؤى فلسفية ما بعد حداثية، تشبه أفكار جاك دريدا حول تفكك الدالّ والمدلول، وأطروحات نيتشه حول اللغة ككذبة اصطلاحية. في أعمال جبرا، تبدو اللغة مهدّدة بالعجز، بالتكرار، باللاجدوى، ما يجعل الكاتب في صراع دائم معها،يقول:”اللغة تخوننا… كم من مرة أردتُ أن أقول شيئًا، فإذا بي أقول غيره!”[44]

  •  تمثلات الاغتراب اللغوي في البحث عن وليد مسعود

شخصية وليد مسعود تجسّد الإغتراب اللغوي في أقصى صوره. فهو مفكر، مثقف، متعدد اللغات، لكنه يشعر دوماً ،أن اللغة تعجز عن حمل تجربته،يقول:”أكتب بالعربية وأحلم بالفرنسية، وأصرخ بالألم بالكردية… لكن لا شيء من هذا يعبر عني تمامًا[45].”

اللغة هنا ليست موطنًا، بل منفى داخلي. إنها عاجزة عن تمثيل التجربة، مشوشة، مفككة، غريبة حتى على المتكلم ذاته.

  •  اللغة كفقدان في السفينة

“في السفينة”، لا تتحدث الشخصيات بلغة مستقرة أو متماسكة، بل بلغة مشروخة، تائهة، تحاكي تيهها الداخلي. الحوار مكسور، مليء بالتردّد والإنقطاعات، مما يعكس فقدان المرجعية،يقول الكاتب:”قلتُ شيئًا، لم يسمعه أحد، ولم أسمعه أنا أيضًا[46].”

هذه العبارة تفضح هشاشة اللغة، واختلال وظيفتها الأساسية في إيصال المعنى، فتصبح كلامًا بلا صدى، في عالم يفتقد الحضور.

من خلال ما سبق، نجد أن الإغتراب اللغوي في أعمال “جبرا إبراهيم جبرا” لا يُعدّ انقطاعًا عن اللغة بقدر ما هو انكشافٌ لجراحها، وتعرية لقدرتها الملتبسة على تمثيل الذات والواقع. فاللغة، في نصوصه، لم تعد مأوى للمعنى، بل غدت قناعًا شفافًا، تتكلم ولكنها لا تقول، تحاور ولكنها لا تُصيب جوهر التجربة. لقد جعل جبرا من اللغة ساحةً لصراع وجودي وفكري، بين الرغبة في البوح والخوف من الخيانة، بين التوق إلى المعنى والشعور الدائم بانفلاته. وهكذا، يصبح الاغتراب اللغوي عند جبرا مرآة لاغترابات أخرى: وطنية، روحية، وطبقية، تتقاطع كلها في قلب المثقف العربي الذي لا يجد في اللغة خلاصًا، بل يجد فيها منفىً آخر.

وبين صمت الحروف وضجيج الأسئلة، تبقى الكتابة عند جبرا محاولة مستمرة للقبض على لغةٍ “داخل اللغة”، لغةٍ لا تخون، ولا تُجمّل، بل تواجه العالم بتشظّيه، وتمنح الذات – ولو لحظة – شعورًا مؤقتًا بالانتماء إلى ما لا يُقال.

خامسًا: الاغتراب العاطفي

الإغتراب العاطفي هو فقدان الانسجام بين الذات وعاطفتها، حين لا تجد الحواس صداها في الآخر، أو عندما تتحول العلاقات إلى تمثيلات شكلية، خالية من العمق. إنه إحساس بالتبلّد، أو بالتيه في عاطفة لا تكتمل، أو لا يُعترف بها، أو تُقابل بالخذلان.

لذا نجد الإغتراب العاطفي عند “جبرا إبراهيم جبرا”، يُشكّل إحدى أعمدة تجربته الإنسانية في الكتابة، وهو اغتراب متجذر في النفس، لا يولد من فراغ، بل من تصادم الذات مع واقع لا يتسع للحب، ولا يعترف بالرغبات العميقة. في هذا الإطار، تصبح العاطفة — بدلًا من أن تكون ملاذًا — مصدرًا للألم، وساحةً لانكسارات متكررة تعمّق الشعور بالوحدة.

وقد ظهر تمثله في البحث عن “وليد مسعود”،شخصية “وليد مسعود” تعيش هذا الإغتراب العاطفي بشكل صارخ،رغم تعدد علاقاته العاطفية، وتورطه في حب أكثر من امرأة، إلا أن كل هذه التجارب تصبّ في نهرٍ واحد: الوحدة. يقول الراوي:”لم تكن النساء في حياته إلا انعكاسات لنقص أعمق… كان يبحث عن أمّ، عن وطن، عن مطلق، لا عن امرأة بعينها.[47]

هذه العبارة تختصر مأساة وليد: لا يستطيع أن يحب امرأة حقيقية، لأنه لا يبحث عنها، بل عن صورة داخلية، عن وهمٍ لا يتحقق.

وفي موضع آخر، نرى أنّ المرأة كمرآة اغتراب لا كشريك،ففي أغلب روايات جبرا، لا تكون المرأة كائنًا مستقلًا، بل تتحول إلى رمز أو مرآة تعكس تمزقات البطل العاطفية والفكرية. فحتى حين يُحب، لا يُعطي ذاته بالكامل، ولا يجد في الحب راحة، بل يزيده ذلك غربة،يقول جبرا:”كان جسدها قريبًا، لكن روحي كانت أبعد من الصحراء.[48]“في هذه العبارة من السفينة، يبدو الحضور الجسدي عاجزًا عن رأب الفجوة الروحية والعاطفية، مما يعمّق الاغتراب لا يُخففه.

وقد بدت العاطفة أيضاً،كمأزق وجودي،فإننا نجد العاطفة عند جبرا ليست خلاصًا بل تجربة عبور نحو الفقد. البطل يحب كي يفقد، ويشتهي كي لا ينال، ويكتب النساء كما لو أنهن طيفٌ لا يكتمل. وهذا البُعد يلتقي مع الإغتراب الوجودي العام في مشروع جبرا: لا انتماء، لا اكتمال، لا أمان.

من هنا نتوصّل،أنّ الإغتراب العاطفي في أدب جبرا لا يرتبط فقط بالتجربة الشخصية أو بالسياق السياسي، بل هو نتاج صدام داخلي بين الوعي الحاد، والحاجة إلى الحب، في عالم لا يمنح الإثنين معًا. فالمثقف، كما يصوره جبرا، يدفع ثمن وعيه، بالعزلة، وبافتقاد لغة قلب تشبه لغته العقلية.

فهو ليس مجرّد انعكاس لحالات حب فاشلة أو خيبات شخصية، بل هو تجلٍّ عميق لصراع الذات الباحثة عن المعنى في عالم منقطع الصلة بالعاطفة الحقيقية. تتجلى العاطفة في نصوصه كحالة من التوق الدائم، لكنها لا تكتمل، لا تتجسد، بل تظل مُعلّقة بين الحضور والغياب، بين الرغبة والخذلان. وفي هذا التوتر، ينكشف الإغتراب في صورته الأشد إيلامًا: حين تصبح المشاعر عبئًا لا خلاصًا، وحين يتحوّل الحب من شراكة في الحياة إلى مرآة تعكس هشاشة الذات وتيهها.

وهكذا، فإن الإغتراب العاطفي في عالم جبرا لا ينفصل عن بقية أشكال الإغتراب  الوطني، الطبقي، اللغوي  بل يتضافر معها ليصوغ تجربة الإنسان العربي المثقف، الذي يدفع ثمن وعيه، لا فقط بالعزلة الفكرية، بل أيضًا بوحدة القلب وانكسار الإحساس.

بعد العرض المفصل القائم عن ظاهرة الإغتراب بكل أشكاله عند كل من “جبرا إبراهيم جبرا “و”سهيل إدريس”،نتوصل إلى التالي:

لقد كانت ظاهرة الإغتراب في الأدب العربي المعاصر، واحدة من أبرز القضايا التي تناولها العديد من الكتاب في أعمالهم الأدبية. وقد تطرقنا في هذا البحث إلى تجليات هذه الظاهرة في أدب كاتبين مبدعين لهما بصمات واضحة في الفكر الأدبي العربي المعاصر، هما: “سهيل إدريس” و”جبرا إبراهيم جبرا”.

وركزنا في تحليلنا على كيفية تأثير الإغتراب على تكوين شخصياتهم الأدبية، وكيف كان هذا الإغتراب بمثابة مرآة لعالمهم الداخلي المتأثر بالواقع الإجتماعي، السياسي، والنفسي.

  1.  الإغتراب عند سهيل إدريس: بين الواقع والتعبير الأدبي

من خلال دراسة أعمال “سهيل إدريس”، تبيّن أن الإغتراب يظهر بوضوح في رواياته، خصوصًا في رجال في الشمس والحي اللاتيني. كان إدريس يضع شخصياته في مواجهة مع الواقع القاسي، وكان هذا الواقع ينعكس على صراعهم النفسي والوجداني. كان الإغتراب عنده بمثابة السمة الرئيسية التي تحكم العلاقة بين الشخصيات وأوطانهم، خصوصًا في ظل الواقع العربي الذي يعيشه أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتحت وطأة الأنظمة السياسية التي كانت تسيطر على مفاصل الحياة اليومية.

نجد أن الإغتراب الوطني، كان الأكثر حضورًا في أعماله”في رجال في الشمس” مثلاً، نجد الشخصيات العربية التي تحاول الهجرة طلبًا للرزق، ولكنها تصطدم بالحواجز الثقافية والإجتماعية التي تجعل من الوطن الأم مكانًا غير آمن أو قابلًا للبقاء. في هذا السياق، كان الوطن بالنسبة إلى إدريس مكانًا يعج بالخذلان، إلا أنه في الوقت نفسه لا يستطيع الشخص الهروب منه، بل يظل يلاحقه في تجواله الداخلي.

أما على الصعيد الإغتراب الطبقي، فقد نجح إدريس في تصوير التفاوت الطبقي الكبير في المجتمعات العربية، وكيف أن هذه الطبقات تُسهم في تعزيز مشاعر العزلة والتفرقة بين الأفراد،ويظهر هذا في رواياته التي تتعامل مع طبقات محددة من المجتمع، وتحاول تسليط الضوء على معاناتها وأحلامها.

  •  الإغتراب عند “جبرا إبراهيم جبرا”: بين الهويات المتصارعة والشتات

إنّ كانت ظاهرة الإغتراب عند “جبرا إبراهيم جبرا” تتجلى بطرق متعددة ومعقدة في أعماله، بدءًا من الإغتراب الديني، مرورًا بـ الإغتراب الوطني وصولًا إلى الإغتراب اللغوي. وقد أبرز جبرا، الذي عايش التشرد الفلسطيني بعد نكبة 1948، هذا الإغتراب في معظم أعماله الروائية مثل البحث عن وليد مسعود والسفينة.

عكست روايات جبرا بوضوح الإغتراب الوطني الناتج عن الإحتلال الفلسطيني والشتات في المنافي. فالوطن الذي كان يعكس صورة الأمان والتحقق الشخصي، أصبح بالنسبة إليه مصدرًا للفقدان والشعور بالعجز. لقد كان جبرا يحاول في كل مرة كتابة الوطن المفقود، إذ كان يعكس في رواياته حقيقة اغترابه عن وطنه الأم. في البحث عن وليد مسعود، كان هذا الإغتراب يتجسد في رحلة الشخصية الرئيسية للبحث عن الذات وسط هذا الخراب والشتات.

أما في ما يخص الإغتراب اللغوي، فقد كان جبرا يحيا في ازدواجية لغوية واضحة بين الإنجليزية والعربية. إذ كانت اللغة العربية هي لغة القلب والهوية الثقافية، بينما كانت الإنجليزية تمثل عقله الأكاديمي والمغترب. في هذا السياق، نجد أن جبرا كان يُشعر بحالة من العجز اللغوي، إذ تتراكم مشاعر الإغتراب الناجمة عن صراع هويته بين لغتين وثقافتين;وقد شكل هذا الصراع تحديًا كبيرًا في أعماله الأدبية، إذ كان يحاول دائمًا التعبير عن روحه بكلتا اللغتين، لكنه كان دائمًا في صراع داخلي مع الذات.

على صعيد الإغتراب العاطفي، كانت مشاعر الفقد والحب الخائب حاضرة بقوة في أعمال جبرا، العاطفة كانت دومًا محاطة بالفشل والشقاء، وهو ما كان يعكس أزمة روحية وشعورية لدى الشخصيات، وتكامل الإغتراب النفسي مع الإغتراب الاجتماعي والسياسي.

  • مقارنة تحليلية: أوجه التشابه والإختلاف

عند مقارنة تجليات الإغتراب في أدب “سهيل إدريس “و”جبرا إبراهيم جبرا”، يمكننا الوقوف على أوجه  عديدة تشابه واختلاف.

  • الاغتراب الوطني:

في أدب إدريس، نجد أن الإغتراب الوطني يُعبّر عنه عبر شخصية لا تستطيع مغادرة وطنها بفعل محدودية الخيارات (كما في رجال في الشمس)، بينما عند جبرا كان الإغتراب الوطني أكثر عُمقًا، لا سيما في ما يتعلق بفقدان الوطن إلى الأبد والعيش في الشتات (كما في البحث عن وليد مسعود).

  • الاغتراب الطبقي:

يظهر في أعمال إدريس بوضوح الصراع الطبقي الذي يواجهه الفقراء في المجتمعات العربية، بينما في أعمال جبرا نلاحظ هذا الاغتراب الطبقي أقل وضوحًا، لكن يمكننا ملاحظته في تعبيرات الشخصيات التي تصارع من أجل الحفاظ على كرامتها الإنسانية في بيئاتٍ مليئة بالانقسامات الطبقية.

ج- الاغتراب اللغوي:

كان الإغتراب اللغوي أحد المحاور الأكثر بروزًا في أدب جبرا نظرًا لثقافته المتعددة اللغات، بينما لم يكن هذا النوع من الاغتراب ذا تأثير بارز في أدب إدريس، الذي ظل مرتبطًا باللغة العربية بشكل أساسي.

تكشف هذه الدراسة عن عمق التوتر الوجودي الذي يعتري الكتابة عند كل من “جبرا إبراهيم جبرا “و”سهيل إدريس”، إذ يتجلى الإغتراب في وجوهه المتعددة: وطنيًا، دينيًا، طبقيًا، لغويًا، وعاطفيًا. وإذا كانت تجربة جبرا تميل إلى التمثيل الرمزي والاشتغال الفلسفي العميق، فإن تجربة إدريس تنزع نحو الواقعية الحادة والإشتباك المباشر مع المجتمع والتاريخ. كلاهما، وإن اختلفت أدواتهما، يعبر عن مأساة الإنسان العربي في مواجهة قوى القهر، والإنفصال، والتشظي.

لقد أبرزت الدراسة أن جبرا يرى في الإغتراب حالة وجودية ممتدة، تتخلل الوعي واللغة والروح، فيما يتعامل إدريس مع الاغتراب بوصفه ثمرة حتمية للظلم الإجتماعي والسياسي، خاصة في حياة المهمّشين. وفي هذا التوازي والتقاطع، تتجلى أصالة المشروعين، إذ تلتقي الذات بالموضوع، ويتحول الأدب إلى مرآة للوعي الجمعي والفردي على السواء.

في الختام، نجد أنّ دراسة ظاهرة الإغتراب في أدب “جبرا إبراهيم جبرا” و”سهيل إدريس”; تسلط الضوء على حقيقة معقدة في الأدب العربي الحديث، ألا وهي أن الإغتراب لا يُعبر فقط عن حالة نفسية أو شعورية فردية، بل يمتد ليصبح مرآة إجتماعية، سياسية، وثقافية لشعوب بأكملها.

لقد كان الإغتراب في الأدب العربي الحديث يشير إلى أكثر من مجرد عزلة فردية؛ إنه كان يعكس الأزمة الإجتماعية والسياسية التي تعيشها المجتمعات العربية، بدءًا من الصراعات الداخلية إلى التحديات التي يفرضها الواقع السياسي، مرورًا بمشاعر الفقد والهوية الممزقة.

قد أسهم كلاً من” سهيل إدريس” و”جبرا إبراهيم جبرا “في رسم صورة لاغتراب الإنسان العربي المعاصر، ولكن كل واحد منهما كان يعكس هذه الظاهرة بطرقٍ مختلفة تبعًا لتجاربه الحياتية والفكرية.

بينما كان إدريس يركز على الإغتراب الوطني والطبقي، كان جبرا يعبّر عن معاناة الإغتراب الروحي واللغوي إلى جانب الوطني. وكلاهما قدما شهادات أدبية كاشفة للإنكسارات التي يعانيها الإنسان العربي في بحثه عن الهوية والإنتماء في عالم معقد وممزق.

ويمكن القول، إن الدراسة لم تقف عند حدود المقارنة الشكلية بين كاتبين كبيرين، بل سعت إلى الكشف عن البنية العميقة للإغتراب كظاهرة ثقافية وإنسانية، تشكّل نصوص الكاتبين مجالًا خصبًا لتحليلها وتأملها. وهكذا، يتضح أن الأدب في الحالتين لا يسرد فقط، بل يفكك الواقع، ويعيد بناء المعنى، ويحمل في داخله يقظة السؤال، وقلق المصير.


[1] – كارل ماركس، المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844، ترجمة: جورج طرابيشي، (بيروت: دار الطليعة، 1984)، ص 121.

[2] – جان بول سارتر، الوجود والعدم، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1966)، ص 32-33.

[3] – . المعجم الفلسفي، إعداد مجمع اللغة العربية بالقاهرة، (بيروت: مكتبة لبنان، 1983)، ص 1042.

[4] – عز الدين المناصرة، المثاقفة والنقد المقارن، (عمان: دار الكرمل، 2003)، ص 88.

[5] –  رينيه ويليك، مفاهيم نقدية، ترجمة: إحسان عباس، (بيروت: دار العلم للملايين، 1985)، ص 229.

[6] – كلود بيشوا، الأدب المقارن، ترجمة: سعيد علوش، (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1987)، ص 17.

[7] – محمد برادة، الذات في الرواية العربية، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1986)، ص 94.

[8] – عبد الرحمن منيف، مقدمة الأعمال الكاملة لجبرا إبراهيم جبرا، (بيروت: دار الآداب، 1992)، ص 11.

[9] –  سهيل إدريس، الحي اللاتيني، ص 63.

[10] –  المصدر نفسه، ص 70.

[11] – المصدر نفسه، ص 85.

[12] – المصدر نفسه، ص 112.

[13] – سهيل إدريس، الحي اللاتيني ، ص 58.

[14] –  المصدر نفسه، ص 91.

[15] – المصدر نفسه، ص 103.

[16] – المصدر نفسه، ص 120.

[17] – سهيل إدريس، الخندق الغميق، ص 37.

[18] –  المصدر نفسه، ص 75.

[19] – المصدر نفسه، ص 92.

[20] – سهيل إدريس، الحي اللاتيني، ص 115.

[21] –  المصدر نفسه، ص 118.

[22] – المصدر نفسه، ص 127.

[23] – المصدر نفسه، ص 133.

[24] – سهيل إدريس، الحي اللاتيني ، ص 138.

[25] –  المصدر نفسه، ص 140.

[26] – جبرا إبراهيم جبرا، البحث عن وليد مسعود، 1978، ص. 135.

[27] -جبرا إبراهيم جبرا، صيادون في شارع ضيق، بيروت: دار الشرق الجديد.1960، ص. 102.

[28] -جبرا ابرهيم جبرا،البحث عن وليد مسعود، بيروت: دار الآداب.ص. 156.

[29] –  البئر الأولى، ص 45.

[30] – البئر الأولى، ص 52.

[31] –  جبرا إبراهيم جبرا، السفينة، ص 60.

[32] – جبرا إبراهيم جبرا، البحث عن وليد مسعود، 1978، ص. 221.

[33] -جبرا ،السفينة، 1970،ص. 88.

[34] -جبرا، 1978، ص142.

[35] – البحث عن وليد مسعود، ص 88.

[36] – جبرا إبراهيم جبرا، البحث عن وليد مسعود،ص95.

[37] – المصدر نفسه، ص 10.

[38] – جبرا إبراهيم جبرا، السفينة، ص 112.

[39] – جبرا، البحث عن وليد مسعود،بيروت، دار الآداب،1978، ص. 93.

[40] – جبرا،صيادون في شارع ضيق. بيروت، دار الشرق الجديد.، 1960،ص. 58.

[41] – جبرا إبراهيم جبرا، صيادون في شارع ضيق، ص 73.

[42] – جبرا إبراهيم جبرا، صيادون في شارع ضيق ،ص 78.

[43] –  المصدر نفسه، ص 81.

[44] – جبرا، 1978، ص. 127.

[45] – جبرا، 1978، ص. 202.

[46] – جبرا، 1970، ص. 41.

[47]  جبرا، البحث عن وليد مسعود.،بيروت،دار الآداب،1978، ص. 212.

[48] – جبرا، السفينة، بيروت، دار الآداب،1970، ص. 88.

Visited 5 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *