“الوطن: أقنومُ الروحِ وذاكرةُ الأزل”

في هيكلِ الوجودِ سرٌّ خفيٌّ لا تدركه الأبصارُ العمياء، بل تستشفّه البصائرُ التي اغتسلت بماءِ التأمل؛ ذاك هو “الوطن”، الكلمةُ التي انبثقت من فمِ الأزل قبل أن تنطق بها الشفاه، والقوةُ المغناطيسية التي تجذبُ ذراتِ الغبار لتصنع منها أجساداً، وتجمعُ تشتُتَ الأرواح لتصنفها أمماً. ليس الوطنُ في عُرفِ الرّوحِ مجرد مساحةٍ من الأتراب سيّجتها المطامعُ، أو حفنةٍ من الصخورِ نَقشت عليها الحروبُ حكاياتها، بل هو “أقنومٌ كوني” يجمع بين كثافة المادة وشفافية المعنى، هو الرَّحمُ الكبير الذي منه خرجنا وإليه نعود، كقطرةِ ندىً ولدت من رئةِ الفجر ثم ارتمت في حضنِ الزهرة لتجدَ ذاتها. إنّه حالةٌ شعوريّة تسكن في “اللاوعي الجمعي” حيث تتحوّل الذّرات الجامدة إلى ذكريات، والمناخات إلى عواطف جيّاشة، فما الأرضُ إلا جسدٌ شاسع لروحنا الجماعيّة، وما نحنُ إلا نبضاتٌ في قلبه الكبير.

وإذا فحصنا هذا الكيان بمجهر العقل المادي وجدناه كائناً حياً يخضع لناموس الطبيعة، فتضاريسه ليست نتوءاتٍ صخرية صماء بل هي تجعيدات الزمان على وجه الوجود، وأنهاره ليست مجرد مسارات للمياه بل هي الشرايين التّاجية التي تضخُّ الحياة في جسد الأمة، لتمتزج كيمياء الإنتماء بغريزة الإستبقاء التي تهذبت بروحانية الفكر، فكما تنزع الجذور في عالم النبات إلى التغلغل في أغوار التربة بحثاً عن الماء الحي، ينزع الكائن البشري إلى الإلتصاق ببيئته بحثاً عن هويته الوجودية، متجاوزاً حدود البيولوجيا الضيقة نحو التزام أخلاقي يربط الزّمان بالمكان. إنّ الفارق بين السكن والوطن هو ذاته الفارق بين الجسد والروح، فالجسد حيزٌ يشغله الفراغ أما الرّوح ففضاءٌ يشغله الخلود، وهنا تبرز جدلية الإغتراب في أبهى صورها الفلسفيّة، إذ يقول العقل إنّ الإنسان حيث يجد رزقه يجد وطنه، لكنّ الرّوح تصرخ بأنّ الإنسان حيث يجد نفسه يجد مستقره، فالوطنية الجبرانية لا تقوم على التّعصب الذي يجعل من الحدود جدران سجن، بل هي شموليّةٌ تجعل من صخرة البلاد محراباً للطفولة ومن سمائها مرآةً لانعكاس الخالق، وهي القدرة العجيبة على تحويل العابر إلى خالد، حيث يسكب المضحّي قطرة من زمانه المحدود في نهر الخلود العظيم، مدركاً أنّ الأمة التي تلبس مما لا تنسج وتأكل مما لا تزرع هي أمة تعيش في استعارة وجودية وقشرة رقيقة قد تذروها رياح التاريخ.

فيا أيّها السّاعي لإدراك كنه الوطن، لا تنظر إلى الخرائط الصّمّاء بل انظر إلى ذلك الصّوت الصّامت الّذي ينادينا حين نضلّ الطّريق، إنه المبدأ الجوهري الذي يمنح لحياتنا معنىً يتجاوز الغرائز المادية، وهو القوة المغناطيسية التي تجذبنا نحو المركز في عالمٍ من الشّتات، فالوطن ليس ثوباً نخلعه حين تشتدُّ الرّيح بل هو جلدنا الذي يحمي كياننا من العدم، وهو تلك النّغمة الخفية التي تعزفها الطّبيعة في دمائنا فتجعل من رمل الصحراء تبراً ومن صخور الجبال مآذن للحرية، حيث يولد الوطن كل يومٍ من جديد في كدح الفلاح وسهر العالم وصبر الأمّ، كفجرٍ أزليٍّ لا يعرف الأفول ولا يحدّه زوال.

أ.د.هويدا شريف

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *