إن المتأمّل في العصور القديمة (يلاحظ أمراً عجيباً) هو أنَّ أكثر النّاس لم يكن لديهم دِين ينظِّم حياتهم، لكن كانت عندَهم منظومة مِن مكارم الأخلاق؛ كالصِّدق والأمانة، والوفاء، والكرم والنّجدة وغيرها، وقد توارثوها كابرًا عن كابرٍ، حتى غدت ثقافة تتوارثها الأجيال وتعتزُّ بها، وينتقصون مَن لا يُقيمها، بل يُعيِّرون مَن لا يلتزم بها، بالمقارنة مع عصرِنا، وخاصَّة عند بعض المجتمعات العربيّة نرى أنه قد انعدم عند الكثير أمران، فلا دِين يلتزمون به فيرجعون إليه، ولا قِيم وأخلاق تحكُمهم، حتى يستطيعَ النّاس التّعايُشَ بالإعتماد عليها.
قد داهم الأُمَّةَ العربيّة خطرٌ كبير وشرٌّ مستطير، وهو انهيار منظومة الأخلاق التي دعا لها دِينُنا الحنيف، وقرَّرتها الفِطر السّليمة حتى في الأمم الكافِرة والشّعوب الجاهليَّة، فظهر شرُّ ذلك على كلِّ المستويات، واستفحلتْ وتعمَّقت حتّى صارتْ أزمةً حقيقيّة، تُعاني منها الأمَّة. وهذه الأزمة المتمثّلة بالأزمة الأخلاقيّة التي يُعرِّفها البعض بأنّها النّقصُ الحادّ في عامِل من العوامل، مما يُؤدِّي إلى نتائجَ مدمِّرة، تهدِّد القِيم العُليا والأهداف السّامية للمجتمع وكل ذلك يعود لأسباب عديدة منها جهل الأمّة بدِينها، النّاشئ والقائم عن غيابِ أو تغييب دَور العلماء عن توجيه الأمَّة، فتسلَّط على قرارها ومقدَّراتها الجهلة، فلا هم أداروا شؤونَ الحياة بالمنهج السّليم الذي (ارْتضاه الله تعالى) للبشريّة، ولا ساسوها على الأقلِّ بمنهج الفِطرة السويَّة في مراعاةِ الآداب المرعيَّة والأخلاق العامَّة، فضلُّوا وأضلوا.
ونــرى أيضــا مــن ناحيــة أخــرى، أن (الكثيريــن) قــد أشــادوا وتحدثــوا عــن ريــاح التغييــر فــي زمــن عســير فتوســمت الشّــعوب العربيــة خيــراً بعدمــا أقــرت قوانيــن جديــدة وتعــدّ أســمى القوانيــن مــن مبــدأ أن القانــون هــو مــن يعبــّر عــن ســيادة الأمّة ولــو أن الدّســاتير لــم يتحقــق معهــا مبتغــى الإصلاح المنشــود بســبب الفراغــات القانونيــّة والتّماطــل فــي تنزيــل مقتضياتــه أو خروجــه عــن روحــه الأساسيّة فــي بعــض الأحيان، فاليــوم اتّضــح جليّـاً ضــرورة مراجعــة هــذه الدّســاتير وإصلاح مــا يمكــن إصلاحه طبعــًا بعــد تقييــم المرحلــة السـّـابقة ،وبعــد هــذا كلــّه أجمــع الجميــع بفشــل المنظومــة التّعليميــة معتبــراً أن هــذا الفشــل ســيكون لــه تبعيــات جــدّ ســلبيّة لمــا للنظــام التّعليمــي مــن أثــر علــى بنــاء جيــل كامــل. وبعــد هــذا الإقرار ووضــع الإصبع علــى مواطــن الضّعــف والخطــر،أصبحنــا نعيــش تــردّي فــي قيــم المجتمــع ســواء فــي تعاملهــم اليومــيّ أو علاقتهم مــع باقــي الأفراد والمؤسّســات وهــو مــا يــدقّ ناقــوس الخطــر وينبغــي إنقــاذ ســفينة الوطــن للمحافظــة علــى المواطنيــّة التــي يجــب أن يتمتــع بهــا كلّ مواطــن فــي وطنــه وبالتّالــي عنــد غــرق السّــفينة لا نبحــث عــن الفاعــل بل يتّحد الجميــع لإنقاذ الرّكاب وهــو مــا تحتاجــه اليــوم فعـلاً رغــم الإختلافات السّياســية الأيديولوجية والفكريــّة بيــن مختلــف موازيــن القــوى فــي المجتمعــات العربيــّة وكلّ ذلــك بســبب أزمــة القيــم والأخــلاق التــي يعيشــها ويتعايشــها أبنــاء المجتمــع فيمــا بينهــم، إذ الســّبب يعــود إلى الأسرة قبــل المدرســة والدّولــة قبــل أن تكــون البيئــة أو يكــون المحيط. فعلــى ســبيل المثــال ،الأسر لا تربــي أبناءهــا علــى قيــم الحداثــة وتقبــل الأخر والطمــوح الدّائــم واحتــرام الأخر،بــل تربيهــم علــى تصــوّر واحــد وهــو الدّراســة مقابــل الوظيفــة ،أمــا الشــّخصيّة فهــي ليســت مهمّــة، إنّ المهــمّ والأهمّ هــو المســتقبل فــي قالبــه المــادّي وليــس الثّقافــي والفكري. فالحضــارات بنيــت بالأخــلاق والقيــم وانهــارت بالأغلال والإنحراف كبـلاد الأندلس وغيرهــا فتذكــرت قــول الشّــاعر :
ممّا يزهدنِي فـــــــي أرضِ أندلسَ أســــــــــــــــــــماءُ معتمدِ فيها معتضـد
ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضِعها كالهرّ يحكي انتفاضاً جولةَ الأسدِ
خلاصــة الخلاصــات، إننــا لنجــد أن الكائــن البشــري يخبــئ فــي جعبتــه هــذه القيــم، والخــروج مــن هــذه الأزمة المطبقــة ،ملخــص فــي قولــه تعالــى ﴿إن الله لا يغيّــر مــا بقــوم حتــى يغيــروا مــا بأنفســهم﴾ (الرعد11)، وبالتالــي إنّ الأمر بأيدينــا، بأيــدي الشّــعوب بأيــدي الحــكّام والمحكوميــن بأيــدي ضمائرنــا مــن خلال إشــاعة الأخــلاق الحســنة بيننــا وفــي أسرنا وأعمالنــا ومدارســنا وجامعاتنــا ولا بــدّ مــن ابتــكار كلّ الوســائل وســلوك كلّ ســبيل يــؤدّي إلى تغييــر الأخــلاق السّــقيمة إلى أخلاق ســليمة ،ومهمــا كانــت الخســائر فــإن المكاســب والفوائــد لا تقــدّر بثمــن وإلــى أمثالكــم يرتهــن اللبيــب ويتشــوّف الأديب.
أ.د. هويدا شريف
