خاطري

خاطري

خاطري، ليس شيئًا من لحمٍ ودم، ولا فكرةً عابرة تولد وتموت في طرفة عين.
خاطري سماء معلّقة بين الأرض والنجوم، لا تطالها الأيدي ولا تحيط بها الظنون.


خاطري
هو حقلٌ من سنابل الحنين، إذا هبّت عليه ريح الذكرى، انحنى بأناقة العارفين،
وإذا مسّه ظل الخيبة، اهتزّ كورقة بيضاء تتلاعب بها أنامل الخريف.


خاطري
في خاطري مدينة من الأبواب المفتوحة،
أبواب تُرحب بكل نسمة صادقة، وتُغلق بهدوء أمام ريح الخذلان.
وفيه حدائق صامتة، لا يزهر فيها الكلام، بل تُزهِر فيها النظرات، والابتسامات، والآهات التي لا تُقال.


خاطري
خاطري بحرٌ لم تكتشفه سفن المغامرين،
موجه حنون أحيانًا، هادر أحيانًا أخرى،
لكنه في كل تقلباته يحتفظ بسرّه الجميل:
أنه لا يكسر من يلجأ إليه، بل يغمره ويحتويه.


خاطري
خاطري أراه حين يغضب، فينطوي الخاطر كما تنطوي زهرةٌ على عطرها حين يهددها المطر.
وحين يفرح، ينفتح خاطري كبرعم يشرع قلبه للشمس من دون خوف من الاحتراق.

آه ، لو علموا ما يحويه خاطري من عوالم وأمواج وأنين وأغنيات،
لجلسوا عند باب روحي خاشعين، يستمعون، لا لينطقوا، بل ليتعلموا لغة القلب.

خاطري
قصيدة لم تُكتب بعد،
ومقطوعة موسيقية لم تُعزف إلا في سماء الوحدة.
وهو فوق هذا كله، وطنٌ صغير،تسكنه أحلامي، وآمالي، وذكرياتي، وتغادره خيباتي صامتة، خجلى من نقاء أرضه.

خاطري..
ليس مكانًا تطأه الأقدام، بل عالمٌ يُسافر إليه من يعبرون بجناحي القلب لا بجفني العين.

دخلت خاطري ذات مساء، حين أسدل الليل أهدابه على المدينة،
فرأيت أمامي بوابة عظيمة محفورة بالرجاء، تحرسها تماثيل من نور وحزن.

في ساحته، كانت نوافير الذكرى تنثر قطراتٍ من الفرح البعيد،
وكانت أشجار الكبرياء تلوّح بأغصانها للريح، كأنها تروي حكايات لم تُحكَ إلا للغرباء العابرين.

سرتُ عبر ممراته المتعرجة،
في كل زاوية وجدت مرآة…
بعضها يعكس طفولة نائمة على عشب الأمل،
وبعضها يشيح بوجهه عن وجع قديم لا يجرؤ أحد على تسميته.

وفي قلب خاطري، وجدت قاعة سرية، تتدلى من سقفها مصابيح مصنوعة من دموعٍ متحجرة،
كل دمعةٍ كانت تضيء حين أقترب منها، كأنها تقول: “هنا خُذل، هنا حلم، هنا أحب.”

ثم وجدت كتابًا عظيماً موضوعًا على منضدة من خشب الصبر،
فتحته، فإذا صفحاته ليست كلمات، بل أنفاس متقطعة، وضحكات بعيدة، وصرخات مكتومة.

وفي ركن قصيّ، كانت هناك نافذة صغيرة تطل على بستان…
بستان ينبت فيه العشب والشوك معًا، وتتمازج فيه الورود بالعواصف.
بستانه، هو قلبي الآخر، المزروع بالحب، المخضب بالخسارات.

وحين هممت بالخروج،
سمعت صوتًا خافتًا، كأنه نسمة بين الأشجار:
“عد متى شئت… فخاطري لا يُغلق بابه أمام الذين يأتون بقلب صادق.”

فانحنيت أمام هذا الجلال المكسور، ومضيت…
وأنا أعلم أن خاطري، وإن بدا للناس عاديًا،
فهو مدينة من الأسرار،
ومكتبة من الأحلام المخبأة،
وسفينة تبحر بين الغروب والشروق،
تبحث عن مرسى لا يكون فيه وداع.

أ.د. هويدا شريف

Visited 14 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *