مصير الثّقافة والفنّ في ظلّ الرّأسماليّة

لكلّ شعب من شعوب العالم تراث فكري خاصّ به، والثّقافة من الخصائص الحضاريّة والفكريّة التي تتميّز بها كلّ أمّة، ونموّ معرفيّ تراكمي على المدى الطّويل ،كما أنها صقل للنّفس والفطنة والمنطق وروح الأمّة والعنوان الرّئيس لهويتها ،وهي شكل من أشكال التّعبير تسير جنباً الى جنب الفنّ، إذ من الصّعب تمييز واحد من الآخر.هذه الجدليّة القائمة ذاهبة نحو الإندحار والزّوال كيف ذلك والرّأسمالية تسعى جاهدة للقضاء على الفنّ وبالتالي الثّقافة أي يعني المجتمع؟

الثقافة أضحت مثلها مثل السّلع المصنّعة تخضع لآليات وبنى اقتصاديّة واجتماعيّة استهلاكيّة والتي كان لها بالغ الأثر على الجماليّات والفنّ، إذ أخضعت "الحداثة" الفن لقواعد ومعايير المجتمع الرّأسمالي.

صحيحٌ أنّ التّقنيات والتّكنولوجيا الحديثة ،أدّت الى تثوير التّوجّهات الفنيّة وظهرت مدارس وحقول جديدة تعتمد بالكامل على تلك التّقنيات الحديثة، إلّا أنّ هذا التنوير لم يخدم الفن من ناحية إلا وقد ألحق به الضّرر من النّاحية الأخرى .

فالفنّ فقد قوّته كأداة نقديّة هدفها كشف الحقائق، وأصبح نقيضاً لهذا التّعريف ،فصار أداة لسلب الحقيقة وتغييب الوعي . فالمجلات والتّلفاز وصفحات الموضة وغيرها من الفنون التّرفيهية قضت على المعاني الكلية حول صدق وأصالة وثوريّة العمل الفنّي الذي لا بد من أن يترك بصماته البيضاء في عقول نيّرة تسعى إلى الرّقيّ الثقافي المزمع تحقيقه.

لذلك شكّلت الثقافة المصنّعة خطراً على الفنون السّامية الرفيعة . فالعمل الفنّي بطبيعته نقدي والفن دائماً في نقاش مع الواقع ومع كلّ عمل يقدّم على أنه فنّ، نقاش ثوري نقدي هدفه الوصول إلى عالم جمالي حقيقي يتمتع بقوّة رفض الواقع المفروض، بل ويتمتع بإمكانيّة تثوير هذا الواقع أيضاً.

بالتالي فإنّ للفن مطلق الحق في تقييم كل مادة مفاهيمية تسمّي نفسها فنّاً، وهذه الجديّة في تناول الأعمال لا تعتبر تضييقاً عليه بل تلك هي المعاملة التي يستحق بها أن يعامل بها أيّ فن، لأنّ الغاية من أي عمل ليست المشاهد الجماليّة في حدّ ذاتها، بل الحقيقة في المجتمع الرأسمالي الإستهلاكي الحديث الذي يعمل على تقويض أيّ تيارات معارضة وتدجينها وتحويلها إلى قوى استهلاكيّة لا تخرج عن المجتمع.كيف ذلك ؟وهو وعاء للحقيقة يعكس تاريخ الإنسان وأكثر صدقاً من الحقائق نفسها.ويمثل علاقة العمل مع الحاضر أو التاريخ والرّابط بين هذا العمل وغيره من الأعمال الفنيّة .لذلك هو وعاء للحقيقة ونتاج حتميات وظروف تاريخيّة وقوالب إجتماعيّة معيّنة وفي حين يخرج العمل من صلب تلك الحتميات والقوالب فإنّه لا يهدف هنا لخلق عالم آخر تختبىء فيه أرواح هشّة ومكسورة بل أداة لتغييب الوعي ،بل يصبح وعاء لحقيقة هذا العالم الذي تكوّنت منه كل أجزاء العمل.وكأننا نستطيع تعقب الحقيقة تعقّباً تاريخيّاً بتحليل العمل وفقاً لمعايير منهجيّة .

هذا التّحليل المنطقي للدّور السّلبي الذي تلعبه الرّأسمالية، والمنطق نفسه يقول أن بفضلها لن يبقى فنّ ولا ثقافة ،ولكنّ هل من منطق يقول سنبقى بلا تاريخ ولا هويّة في ظل هذه الرّأسمالية؟

Capitalism 2

أ.د. هويدا شريف

Visited 5 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *