أين نحن في ظلّ حضارة اليوم؟

تمتاز الحضارة بطابعها الفكريّ والتّراثي والإبداعي الأصيل، وهي بفضل هذا الطّابع تشكّل الغنى والإبداع اللذين تتناقلهما الشّعوب من جيل إلى جيل حتّى تكتمل المسيرة الإنسانيّة.

إلا أننا نحن الشّرقيين بدأنا نفقد شيئاً فشيئاً هذا الطّابع الذي يميّز حضارتنا العربيّة الأصيلة. فأين يمكن أن نضع أنفسنا في الوقت الحالي : بين المتأثر أم المؤثر، وكيف يجب أن ننظر إلى أنفسنا نظرة فخر أم خجل ؟؟

من الخطأ أن ننظر إلى العرب وكأنّهم يمثّلون فئة من البشر الذين لم يقدّموا شيئاَ إلى الإنسانيّة سوى أنّهم شعب يتأثر بغيره من الشّعوب فيسير على خطاها ويستمدّ منها المدنيّة .

لقد كان للعرب عبر التّاريخ إسهام فعّال في قيادة المسيرة الإنسانيّة، تسلموا مشعل الحضارة طوال عصور مضت، وشاركوا في عطاءات فكرية عدّت أساساَ في الحقول العلميّة والأدبيّة والأنسانيّة المختلفة، فها هي حضارة العرب في الأندلس ما تزال شاهداً على دور العرب الحضاري ومن معالم الحضارة العربية في الأندلس القصور والقلاع والكنائس …، والمنطقة ما تزال أرض حضارة راسخة فهذه المدينّة العريقة قد أنجبت العلماء والفنّانين والمبدعين . فأوّل من أوجد فكرة الطّيران هو عباس بن فرناس القرطبي الذي صمّم أداة الطّيران على هيئة الطّير وبالتّالي فقد فتح عيون العالم الغربي – الأوروبي على هذه الفكرة، وإسحاق ابراهيم الزّرقاني – عالم الفلك الأندلسي القرطبي – الذي اخترع الإسطرلاب وأدهش علماء أوروبا … والعرب أسهموا في رسم الخرائط رسماً علميًا واكتشفوا أكثر من نصف النّجوم ووضعوا علم الجّبر وحساب الثلثات واخترعوا الصّفر .. ولقد استفاد الأوروبيون من هذه الإنجازات وطوّروها وحملوا مشعل التّقدم والتّطور ونقلوا كلّ ذلك الى بلادهم التي نعمت بحضارة بذورها عربيّة المنشأ…

والاسئلة التي تطرح : هل حضارتنا اليوم هي حضارة تناسبنا وتلائم تقاليدنا وعاداتنا ومبادءنا، وهل تتلائم مع ماضينا ؟وهل الحضارة التي نستمدّها اليوم من الغرب ونتعلق بها تعلقاً  أعمى هي مناسبة لنا وملائمة للعز والفخر اللذين عاشهما العرب فيما مضى ؟ وكيف لنا أن ننعم بمدنيّة ليست من إبداعنا ولا من ابتكارنا أصلاً- المدنيّة المستوردة ؟؟

أصبحت السّمات الشّرقية فاسدة في وجوهها المتعدّدة من الرّوح والمعتقد والذّوق، ومع فقدان الحضارة العربيّة الأصيلة لم يعد للشّرق سوى ما يسمّى بالمدنيّة الشّرقية المختلفة في باطنها عن جوهر الحضارة الحقيقي. الشّرق بحاجة فعليّة إلى تحديد موقفه من الغرب، فالسّيطرة الغربيّة تترسّخ في أعماق الشّرقيين بمقدار ما تفسد من الأخلاق.

ذلك التأثر وتلك الهيمنة والسّيطرة المدمّرة تساهم في هدم التّراث العربي وبالتّالي فقدان الشّرق أهم ركائز استمراريّته وقوّته وساعتئذ : لات ساعة مندم .

لذلك نحن مطالبون اليوم أكثر من أيّ زمن مضى بفتح العيون على الواقع الرّاهن وفهم ما يدور في كواليس الآخرين لئلا نصبح فرائس سهلة ولقمة مستساغة يسهل هضمها، ولذلك يترتّب علينا التّمسك والحفاظ على حضارتنا التي يساء إليها بذريعة التّطور والإنفتاح، فلنكن على قدر المسؤوليّة الملقاة على عاتقنا ولا نلهث وراء المادّيات أو نلوذ بالقشور، وإلا على الشّرق السّلام .

أ.د. هويدا شريف

Visited 2 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *