الكلمة الحرّة

صدق زهير بن أبي سلمى حين قال:    

لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه         فلمْ يبقَ إلّا صورةُ اللّحمِ والدّمِ

المرء نصفه أداء لساني ونصفه الآخر ثراء داخليّ، فمن قُيّضَ له أن يجمع بينهما كان مبدعاُ، وساهم إبداعه في إثراء الثّقافة، والثقافة تغتني بالأفراد،ولا تقوم وتزدهر الّا اذا اندرجت في مشروع جماعي يعبّئ طاقات الجّماعة في سبيل هدف مشترك، وكيف إذا كان الهدف هو الكلمة الصّحيحة،الكلمة الحرّة .

فالكلمة هي البريد إلى القلب والعقل ،وسبيل الوصول إلى الإقناع والتّفاهم .ولكن إلى ماذا تنتمي الكلمة الحرّة،وما هو جذرها،ومَنْ يتَّخذ منها منهجاً وطريقاً في الحياة،وما هي النّتائج التي تتمخّض عن التمسّك بالكلمة الحرّة سلوكاً وفكراً؟ في المقابل من الذي لا يرغب بها،ويعلن العداء لها قولاً وفعلاً،ولا يرى فيها شرطاً أساساً لاستمرار الحياة بصورة أفضل،فيناقضها،الى حدّ العداء والصّراع المصيري أيضا؟

عند الإجابة عن السّؤالين ،لابدّ أن نخوض في عمق التّناقض الحاصل بين (الكلمة الحرّة ونقيضها)،حتّى يمكن أن نتوّصل الى فهم للجانبين المتقابلين بضديّة إزاء بعضهما الآخر،على أن يتمّ تفحّصنا للأمر بصورة مستقاة من التّجارب الماضية أولًا،ومما يحدث في الواقع الآن،فعندما نضع الكلمة الحرّة تحت مجهر التأويل والتفحّص أو الإستبطان أو الشّرح،فإنّ البادرة الأولى سوف تذهب بنا نحو مفهوم الحرّية،وهذا يؤكّد لنا أنّ الكلمة الحرّة تنتمي دونما أدنى شك،لمبدأ عظيم ومجيد،قدّمت البشريّة من أجل ترسيخه مئات الآلاف بل الملايين من الضّحايا والأرواح والممتلكات النفيسة،وجرى ذلك في صراع فكريّ ودمويّ بين أصحاب الحرّية ودُعاتها،وبين أصحاب السّلطة وسلاطينها وتوابعها وغوغائيها عبر التّاريخ.

ولعلّ هذا الإنتماء المشرّف يؤكد عظمة الكلمة الحرّة وعلوّ شأنها،ودورها في ترويض النّفوس والعقول الشرّيرة التي تنتمي للسلطة بكل أنواعها وأشكالها،السّياسة أو الإقتصادية أو الإجتماعيّة،فالسّلطة تبدأ من مؤسسة العائلة الصّغيرة،بسلطة الأب،وصولاً وامتداداً الى سلطة القائد الأعلى،وما بين هاتين السّلطتين مئات الأنواع والأشكال من السّلطات،كلّها تنطوي على قطبين،الأول قطب العدالة والمساواة والخير على وجه العموم،والثاني قطب الظلم والشّر،وكلّ ما ينضوي تحت خيمته،مما يسيء إلى الإنسانيّة بشتّى الأدوات والأساليب والسّبل،هذه السّلطات كلّها اذا انحرفت وشطّت عن الجادّة الصّواب،تقف بالضّد منها الكلمة الحرّة،من أجل التّصويب،ومن أجل إحقاق الحقّ،حتّى لو كانت التّكلفة غالية ونفيسة،وهنا تبدأ – كما حدث عبر التاريخ – عمليّة صراع لا يقرّ لها قرار بين نقيضين لا يمكن أن يلتقيا مع بعضهما،لاختلاف الأهداف والقيم والأساليب،فإذا كانت السّلطة المتجبرة تتوشّح برداء الدّم والقتل والقوة الغاشمة،فإنّ الكلمة الحرّة تتوشح برداء الحق والشجاعة.

وهكذا أنتم، يا رسل الكلمة الحرة  الجيل الصّاعد والأمل الواعد أمام قطبين متضادين،أحدهما ينتمي للحرّية بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة،والآخر ينتمي الى السّلطة بكل ما يعنيه هذا الشّر الذي لابدّ منه،ولعلّ أصعب ما يواجه البشريّة من اختبارات،تكمن في عدم قدرتها على التخلّص من السّلطة،بل لعلّ الإنسانيّة تبقى ما بقي الإنسان حيّا يتوالد على الأرض،تحتاج الى السّلطة كي تنظّم حياتها،ولكن المأزق يتمثّل دائمًا بخروج السلطة عن حدودها،فغالبًا ما يكمن في رحم السلطة وحش،يُصعَب ترويضه،وفي الوقت نفسه لا مناص للإنسان من التعامل مع هذا الوحش لضرورات الحياة وديمومتها،هنا يكمن سلاحكم في هذا المجال، هو الكلمة الحرة الشّجاعة الجريئة مع الإحتفاظ دائمًا بسمة وصفة التّوازن،حتى تبقى الكلمة الحرّة في مأمن من الإنزلاق نحو الإنحراف والزّيف.

إذاً يا أصحاب الكلمة الحرة ودعاة الحريّة،يا من  ترفعون علم التّقدم والتطوّر والإبداع،وهذا حق من حقوقكم لكي تصلوا إلى صنع حياة كريمة توازي قيمة الإنسان وحرمته،وغالبًا ما تكون هذه الكلمة في درجات عالية من السّمو والقبول والإحترام،فتهفو لها قلوب النّاس وعقولهم،وتصطفّ معها نصرةً للحق والعلم والحقيقة والجمال،عليكم مواجهة الطرف الآخر (السلطة المنحرفة) وأدواتها،من الأنانيين الذين لا يعرفون قيمة الكلمة الصحيحة،فتراهم يستميتون للوصول الى أهدافه عبر التهريج والتلفيق وأساليب أخرى كثيرة ترتكز على التّسقيط والقمع وسلب الحرّيات كلّها،حتّى حرّية الكلام والرأي تتم مصادرتها،فينشأ الصّراع وهذا الصّراع موجود ويستمر بين طرفين لم يغب وجودهما عبر التاريخ والمسار البشريّ المتواصل.

لذا لا بدّ من أن تكونوا من روّاد  الكلمة الحرة دائمًا،ومن يؤازرها ويصطفّ بقوّة إلى جانبها،من أماكنكم على مقاعد الدّراسة،لكي تستطيعوا في المقابل الوقوف ومواجهة الغوغائيين، فالغلبة للكلمة الحرة ومناصريها،ويكون الخسران والخذلان للسّلطة الجائرة المنحرفة، هذا ما أخبرتنا به تجارب التاريخ البشريّ الطّويل،وأفصحت عنه الأحداث المنظورة والقريبة والآنية،فلا غلبة للظلم على الحريّة،وليت يفهم هذا سلاطين العصر الرّاهن،أولئك السّلاطين المتجبّرين الذين لا يرون من الواقع إلا أنوفهم ومصالحهم وسلطانهم،وما عدا ذلك،فهم منغمسون في صراع مرير مع الحرّية ودعاتها،والكلمة الحرّة،التي لم يستطِع الغوغاء كبت صوتها على مرّ التاريخ. لأنّه تتّقد في قلوبكم الشّابة،رغبة في بناء عالم أفضل.

ولكن يبقى السّؤال: من أين نبدأ؟ سألني أحدهم يوماً ما الذي نحتاج اليه لنغيّر الواقع؟ فكانت إجابتي: أنت وأنا!

لذلك أقول لكم يا رسل الكلمة الصّحيحة، نحن وأنتم معاً للإبداع، معاً نحو صولجان الموضوعيّة والرأي الصّائب معاً لبناء وطن عادل.

أ.د. هويدا شريف

Visited 6 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *