إلى الشّباب…

 يا أصحاب المسؤولية..

لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة بين أوساطكم أنتم الشباب العربي،عن الشّباب في دول أوروبا الذين تم تعيينهم في حكومات ومناصب قيادية رفعية المستوى تعمل على خدمة المجتمع وتطوّره كالشّاب سباستيان كورتس والشّابة عايدة هازديلك وكذلك سوسن شبلي وليس انتهاء. هذه الشخصيات وغيرها فتحت عيون وأفكار الكثيرين حول دور الشّباب وأهميّتهم وتواجدهم في مواقع المسؤوليّة والقيادة،وهذا ما زاد من الأسئلة عن أسباب وصول هؤلاء وأمثالهم إلى سدّة القرار في مؤسسات الدّولة؟ وما الذي يحتاجه الشّاب العربيّ لكي يصل إلى ما وصل إليه أقرانهم؟ وما هو الدّور الرئيس الذي يجب أن يؤديّه لينال الرّضى ويمثل مصدر ثقة؟ وهل من أسباب حدثت ومنعت ووقفت حجر عثرة أمامكم للوصول إلى هذه المناصب؟

إن الحديث عن هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها ليس من سبيل المقارنة مع الشّباب في الدول المختلفة فلن تفيد مجرد المقارنة في شيء،ولن يجلب كثرة الحديث والتهكّم على حال بلادنا إلا مزيدًا من اليأس والإحباط لفئة الشّباب،ولن تجدي نفعًا منشورات وتعليقات مواقع التّواصل الإجتماعي اذا ركّزت فقط على عُمرِ هؤلاء الشّباب حينما تولّوا مناصبهم من دون التّركيز على أهم ما ميّزهم قبل تولي هذه المناصب.

بقليل من البحث في سيرة حياة الشّباب الوزراء ،على الرّغم من أنّ النّتيجة معروفة وعلى ثقة من نتيجتها،ولكن علّنا نجد حجّة مقنعة تقنع العقل لتخمد النّار المتأجّجة والخامدة في أرواحنا من جراء تهميش وغياب دور شبابنا على الرّغم من أن الجميع على قناعة تامة بأنهم الحاضر والمستقبل وعليهم السّند.

نعود للقول،أنّ السّمة المشتركة فيما بينهم هي نشاطهم الثقافي والإجتماعي والترّبوي وربما السّياسي قبل توليهم تلك المناصب،مما يعني أن هؤلاء الشّباب قد حقّقوا في حياتهم ما يجعلهم محطّ اهتمام وتقدير وثقة صانعي القرار (كبار السّن) في تلك الدّول.

فما سبق،نستطيع القول أننا حينما نريد أن نعالج مشكلة واقع الشّباب في الوطن العربي واقعكم،علينا أن نضع نصب أعيننا تفريعات المشكلة وأجزائها،فليس من المنطق أن نضع اللوم في أسباب المشكلة على المسؤولين والمجتمع العربي،وليس من الحكمة أن نعفي الشّباب أنفسهم أي أنتم،عن تحمّل مسؤولية دورهم.

ولن ننسى أن المشكلات العديدة التي تتعرّض لها أيّها الشّاب وهذه العوائق لا بدّ من اعتمادها العربي كنوع من تشخيص الدّاء قبل الحديث عن ما هو المطلوب من المجتمعات العربيّة لتمكين دورهم والأخذ بيدك إلى تحمّل المسؤولية. ومنها البطالة والفقر،فلا يمكن غضّ الطّرف عن الوضع الإقتصادي الذي تعيشه ،فمن لا يستطيع توفير لقمة عيشه لن يستطيع بأيّ حال من الأحوال تقديم دور مهمّ في تحمل مسؤوليات المجتمع،ومن لا يستطيع أن يكون آمنًا على مصدر رزقه لن يستطيع أن يتقدم ليصبح أمينًا على مستقبل أقرانه،وفي حال تأمين الحاجات الأساسية يمكّنك من تجاوز التفكير في هذه الأمور والإنطلاق إلى التّفكير في دورك اتّجاه المجتمع.

والإستقطاب الحزبي أو الأيدولوجي أو العرقي من معاول هدم طاقات الشّباب في الوطن العربي،وهذا الإستقطاب يقف حاجزًا أمام انطلاق تفكير الشّباب إلى الفضاء الرّحب وصياغة الأفكار والرّؤى والمشاريع التي تساهم في نهضة المجتمعات على اختلاف مكوّناتها،فيتحجم تفكير الشّباب ليصبح في قالب الأيدولوجيا والحزب من دون النّظر إلى صالح العام وهذا الكلام لا يعني بالضرورة الإستغناء عن الأحزاب أو الأيدولوجيا،ولكن الحديث هنا عن الإستقطاب الذي يجعل من الشباب أداة فقط لتحقيق أدوار معيّنة من دون النظر إلى حاجة المجتمع ذاته. وإن أكثر ما يدمر قدرات وطاقات الشّباب،طاقاتكم … (هو) وصولكم إلى حالة اليأس والإحباط التي تنتج عنها حالة العجز والتراخي عن عمل أي شيء جديد أو ذو قيمة مجتمعية أو انسانيّة أو حتى تطوعيّة،وهذه الحالة التي وصلتم إليها نتيجة متوقعة لواقع المجتمعات العربية المفكك والمليء بالنزاعات والتّفرقة.

أيها الشباب…

المصيبة الكبرى تكمن في غياب العدالة وضياع الهويّة الهدف،وهذا ما يدفعكم لعدم الإهتمام بواقعكم ولا بالمخاطر التي تحيط بكم وبمجتمعكم وأهدافكم،وينتج عن ذلك ضياع الهدف العام الذي يجب عليكم أن تتبنّوه. فالعدالة في توزيع الأدوار،والعدالة المجتمعية في الوظائف والمناصب،في شأنها أن تجعلكم على معرفة قوية بهويتكم وتجعل في نفوسكم الرغبة في خدمة مجتمعكم الذي تنتمون إليه،في إشارة قوية على وضوح الهدف العام الذي تتخذونه مسارًا في خدمة بلادكم. هذه العراقيل وغيرها،تتطلّب من المجتمع والمسؤولين توفير الأجواء اللازمة،لتثبتوا دوركم الفعّال.

فلا بد من إحتضانكم وإعطاء فرصة لكم لإثبات جدارتكم وتطوركم علميّاً وتدريبكم على إدارة المؤسّسات والمعاهد والشّركات وحتى الوزارات والمجالس المحلية. وأن تكون عملية التّدريب عبارة عن محاكاة صغيرة لواقع كبير وأشمل.

بعد أن وضعنا الإصبع على مكامن الضّعف والقوة والسّبب والنتيجة،لا بد من اعتماد الوعي واليقظة والتطوير المستمر والإنفتاح الدّائم لتتّخذ أيها الشاب العربيّ دورك المفروض لأننا شئنا أم أبينا أنت سرّ الأمة وأمل مستقبله وعليك تعوّل القدرات،وإننا في أشد الحاجة إلى غربلة هذا الغذاء الثقافي الذي يقدّم إلى الجيل الجديد في صورة كتب أو روايات أو صحف أو مجلات،فمصير كلّ أمة متوقّف عليكم أنتم شباب مستقبلنا…

أ.د. هويدا شريف

Visited 2 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *