ماذا تعرفون عن المواطنة... هل هي مرتبطة بحبّ الوطن والذود عنه ،إذا كان كذلك، فإن ذلك لا يتمّ إلا إذا شعر المواطن بأنه يتمتع بحقوقه المتلازمة مع واجباته.
لقد برز منذ قرون هذا المفهوم في المجتمعات الغربية فألغيت ألقاب الإقطاع وأصبح الناس يخاطبون كمواطنين لا كرعية أو سلطان.
أين نحن من ذلك،.. بالإنتقال إلى عالمنا العربي فمن المفيد التأكيد على أن رواد الحركات الإصلاحية عندنا قد ميزوا تميزاً واضحاً بين الغرب الإستعماري الذي قاوموه داخل أوطانهم، وغرب التقدم الذي حاولوا الاقتباس منه، فتحدثوا عن الحريات العامة في أوروبا، وعن دولة المؤسسات وعن المواطنة، وما ذلك إلا لاطلاعنا على أسباب التقدم الذي يتمتع به الغرب في عصر الحداثة.
أما نحن... نحن العرب ما زلنا رعايا السلطة ورعايا الحاكم بأمره، رعايا الأحزاب على الرغم من المظاهر الشكلية كالدساتير والمجالس النيابية... فإن كل ذلك صورة لواقع مختلف، لأننا بعيدون كل البعد عن ما يسمى بالمواطنة، إن المواطنة أيها المواطنون العرب مرتبطة بشكل أساسي بالحرية، فلا مواطنة من دون حرية، ولا يجوز أن تطالب السلطة المواطن باحترام قيم المواطنة والدفاع عن المصلحة العامة وهي غارقة في الفساد على حساب أرزاق الناس، أرزاقكم وحقوقكم وتطلعاتكم.
وإنني على يقين أن ضعف الشعور بالمواطنة هو الذي أفرز الحاجة إلى الإلتجاء إلى الجماعة، أو الطائفة أو العشيرة.. لأنه وعلى العكس، فمع تجذر الشعور المواطنة تتوارى النعرات العشائرية والطائفية الضيقة. لذا علينا اعتماد سياسة تربوية قادرة على تنشئة أجيالنا متنورين جديرين لاحقاً بقيادة الأمة والوصول إلى صفاف الدول الراقية.
لأننا، وللأسف، لم يلحق الضرر بمفهوم المواطنة على مستوى الوطن الصغير فحسب، بل تجاوز ذلك إلى الوطن الكبير، فتلاشى وهج التيار القومي، وضعت معه الشعور بهويتنا القومية، وهذا ما أفسح في المجال التفشي النزاعات القبلية التي نسمع بها هنا وهناك، وكذلك النزاعات الطائفية والمذهبية وهذا كله يمهد السّبل لتحقيق أهداف الطامعين بالسيطرة على موارد الأمة وقدراتها.
من هنا، يبدو جلياً ضرورة تغيير الأوضاع السياسية انطلاقاً من مؤسسات قائمة على العدل السياسي والإيمان بالحرية شعاراً وتطبيقاً، لأن أوضاعنا لا يمكن أن تتغير ولا يمكن أن يخطو العالم العربي خطوات ثابتة في درب الحداثة الحقيقية إلا من خلال هذا التغيير. فمتى تطل علينا شمس الحرية ساطعة نقية لا تحجبها غيوم الجهل والإستبداد والتخلف. متى أيها المواطنون أصحاب المواطنة الحقيقية..
هلمّوا للتنديد بالمطالبة بحريّتكم... فشمس الحرية بانتظاركم.
أ.د. هويدا شريف