البنيّة السردية في رواية حنّا مينا "الزمان والمكان
ينصبّ اهتمامنا في هذا البحث على عنصرين أساسيين من عناصر البنيّة السرديّة في رواية "حكاية بحار"، هما عنصرا المكان والزمان السّرديان ومن يتتبع الإنتاج الرّوائي للكاتب يجد دونما عناء، أن عالم حنا مينة الروائي واسع ومتشعب، بدءًا من روايته الأولى المصابيح الزرق، وهذا العالم أشار إلى الأسلوب الواضح في طريقة الكتابة الروائية، والتّعامل الجديد مع تقنيات النّص ّالرّوائي ومكوّناته التي تنهض بمقولات النّصّ الأدبي، مما أضفى على فضاءات طابعها الخاص.
"حكاية بحار" رواية يدور في تلافيفها عبق البحر وعشق البحر، "حنا مينا" العاشق للبحر وقصصه، لا يلبث عشقه أن ينبت أشياء رائعة... يلبسها خياله تفاصيل لحكاية تشبه البحر في عمقه... في اتساعه.. في كنوزه...
لقد استهلّ مينا كتابته الروائية في حي شعبي من مدينة اللاذقية في ظل الحرب العالمية الثانية، ثم يتّسع الفضاء الرّوائي في روايته الثانية ليشمل، إضافة إلى الحيّ الشّعبي ميناء اللاذقية، وشاطئها، وبحرها، مخترقاً عاملاّ روائيّا يشمل البرّ والبحر([1]). ثم يكثف من إصداراته متميزاً عن غيره من الروائيين العرب بتخصيص مجموعة من الروايات التي تصور عالم البحر. لم يكن ذلك وليد الصّدفة، فالكاتب ولد في اللاذقية تلك المدينة البحرية، ثم تشرّد مع عائلته في قرى ومدن الإسكندرونة ببرّها وبحرها، ولما عاد إلى اللاذقية من جديد سنة 1939، عاشر البحر عن قرب، عاين حياة البحارة، وعمال الميناء، شهد آلامهم وآمالهم، رآهم يغتسلون بعرق الهم وهم يحملون على أكتافهم الأكياس والصناديق، فيما رب الميناء وأصحاب المواعين يغرقون في بحبوحة من العيش([2]).
لقد وجد أن عالم البحر هذا غير مفصول عن عالم اليابسة، إنّها نفس المعاناة اليومية، ونفس الإنتهازية والإستغلال، فقرن بينهما ليجعل منهما صورة واحدة لمعاناة المواطن السّوري في ظلّ زمكانيّة محدّدة، فبحث عن خلاص البشريّة من هذا المحيط الملطّخ فوجده، في أبناء الطّبقة المسحوقة من عمال وفلاحين وبحّارة. بحث عن عالم يتطهّر فيه الإنسان من أردان الرّذيلة والوحشيّة فوجده في الغاب([3])، فامتدّ عالمه الرّوائي ليشمل مدينة، بحراً وغاباً.
عالم البحر، لدى مينة، يرتبط بعالم الرجولة والمغامرة والمدى البعيد. وللرّجولة معان عديدة منها ما يتعلق بمواجهة البحر وأنوائه، ومنها ما يتعلق بالمرأة. أما المغامرة فهي الصّورة الأخرى للرّجولة التي لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالطّموح والوصول إلى المدى البعيد حيث يطوّف البحّار عبر "البحار السبعة"، من مشرق الأرض وحتى مغربها. والبحر يأخذ بعدا أكبر من مجرد موقع جغرافي يعتاش منه البحارة والصيادون بل هو فعل دلالة وانتماء وهوية، إذ لن يكون للبحّار وجود وكيان من دون البحر لأنه ينتمي إلى هذا العالم. وما التّنازل عنه سوى تنازل عن الكيان والهويّة، حزوم بطل حكاية بحار (1981) في البحر تختلف الأشياء هذه البركة المائية، الزّرقاء، الواسعة، تضطرب في العواصف، وتصخب أمواجها، وتندفع محمحمة إلى الشّاطئ، وترتطم بالصّخور فتتحطّم، وتتناثر، وتغدو زبًدا، بخارًا أبيض، وترتدّ إلى الماء ثانية في زئير وحشيّ مخيف، لكن البحر عريض، فسيح، لا يجري في ضفتين، ولا يملك تياراً، وتستطيع فيه المناورة والحركة، وتفادي التيارات الجوفية، بأن تبتعد عن الأعماق بقدر ما استطعت إلى الأعماق([4]).
يقيم البطل سعيد حزوم مقارنة بين البحر والنهر فيخلص إلى نتيجة مآلها أن البحر، رغم هياجه يظل أكثر رأفة من النهر، وهو فضلاً عن ذلك يطل على عوالم واسعة وفسيحة، وتستطيع من خلاله أن تصل إلى المدى البعيد، إنه بوابة للطموح، من يلج ماءه غاص في أعماقه واكتشف عوالم جديدة لا تحدها ضفاف. هذا هو بحر مينا "بركة زرقاء واسعة"، من ناحية، وهائج صارخ يحمحم ويزأر كأسد من ناحية أخرى، فمن ذا القادر على معايشته؟ ما هي مواصفات هذا الإنسان القادر على معاشرته؟ لن يكون إلا عاشقا للبحر وأنوائه، ليصبح قادراً على ريادة مجاهله الواسعة الشّاسعة. يتسع عالم البحر ويخرج من إطاره الجغرافي حيث تجمع الماء في إطار شواطئه الضيقة ويتشخصن، ويتحول إلى فعل استعارة ودلالة.
ثانياً: مهاد نظري
الرّواية كما هو معروف نوع من أنواع السّرد، وحري بنا حين نتحدث عن الرواية في ضوء نظرية السرد أن نتذكر أمرين، الأول أن نظرية السرد كانت قد حلّـت محـل نظريـة الرواية في النقد الأدبي، والفرق بين هذه وتلك حسب ما يوضح صـاحب كتـاب (( نظريـات السرد الحديثة)) ليس قضيةً عموميةً فقط بل قضية تغير في النتائج التي ترتّبت عن تغير فـي تحديد ما يدرس وعن استخدام تعريفات وأدوات جديدة للتعامل مع المسرودات([5])، أما الأمـر الثاني فهو الإلمام بكون انبعاث السرد في الغرب قد تزامن مع موت الرواية الواقعية، إذ لـم تعد العدة النقدية الخاصة بالنقد الواقعي مؤهلةً لدراسة ما سمي بالرواية الجديدة التي انبعثـت، في أوروبا ورواية ((ما وراء التخييل)) التي انبعثت في أمريكا([6])، لكن هذا لا يعني بـالطبع أن نظرية السرد لا يمكنها التعامل مع نصوص واقعية أو غير واقعية بل يعني أن صفة واقعية أو غير واقعية لم تعد مطروحةً في هذا السياق، وفقدت أهميتها مادام المقصود بها نعت مضمون العمل الأدبي وإعطاءه الأفضلية على الشكل فنظرية السرد تتجه إلى تحليل الـشكل الأدبـي بوصفه حاملاً للمعنى، وبوصفه المعطى الذي صيغ من خلاله المعنى.
والسردية هي فرع من فروع الشعرية poetics التي تسعى بـدورها إلـى معرفـة القواعد العامة التي تنظّم ولادة كل عمل أدبي([7])، وبالتالي فالسردية هي (( العلم الـذي يعنَـى بمظاهر الخطاب السردي أسلوباً وبناء ودلالةً ([8])، ويـشير عبـد االله إبـراهيم فـي كتابـه ((موسوعة السرد العربي)) إلى أنه أول من استخدم مصطلح السردية بوصفه مقابلاً للمـصطلح الأجنبي Narratology وذلك في رسالته الدكتورة موضحاً أن المصدر الصناعي في العربية يدل على حقيقة الشيء وما يحيط به من الهيئات والأحوال كما أنه ينطـوي علـى خاصـيتي التسمية والوصف معاً، والسردية برأيه هي المصطلح الأكثر دقة الذي يحيل علـى مجموعـة الصفات المتعلقة بالسرد والأحوال الخاصة به والتّجليات التي تكون عليها مقولاته([9]).
وقد كانت نظرية السّرد حصيلةً لجهود متعددة بدءاً من إنجازات الشّكلانيين الـرّوس وفي مقدمتهم فلاديمير بروب، ومروراً بإسهامات البنيويين الكبيـرة التـي تممهـا وأغناهـا المشتغلون بعلم الدّلالة، وفي مقدّمتهم غريماس. تبدأ الباحثة نبيلة إبراهيم حديثها حول بروب قائلةً: (( إنه بحق فلاديمير بروب ))([10]) مختصرةً بهذه الجملة جليل ما قدمه هذا العالِم في مجـال البحث الأدبي طبقاً للنّظرية الشكلانية التي نادت بأن النّصّ الأدبي ذو طبيعة خاصـة ولهـذا يجب عزله عن سائر المؤثرات الخارجية ثم التعرف إليه من خلال توصيفٍ لطبيعته الأدبيـة الخاصة بصورة موضوعية([11]). تتجلّى أهمية الأبحاث التي قدّمها بروب كما توضح الباحثـة بأنها كانت (( المحاولة الأولى لوضع قواعد عامة للقص الخرافي الجمعي([12]))) وقد حدد بـروب)( في كتابه ((مورفولوجية الحكاية الخرافية))([13]) إحدى وثلاثين وظيفة أساسية تم استخراجها مـن استقراء عدد كبير من الحكايات الخرافية الرّوسية.
أسهم الشكلانيون في وضع الأساس النظري للسرديات، فهم الذين دعوا إلـى إظهـار الخصوصية الأدبية أو أدبية الأدب، في حين كانت الدّراسات الأدبية في النّصف الثـاني مـن القرن التّاسع عشر (( تستند إلى المقاربة التكوينية والكشف عن طرائق نشوء الأعمال الأدبية، مما كان يفضي إلى تقليص أهميتهـا الأدبيـة لحـساب الاعتبـارات النفـسية والإجتماعيـة والتاريخية، بحيث كانت الدراسة الأدبية وقتها ركاماً من الفلسفة وعلم النفس والتاريخ وعلـم الجمال([14]). لقد أصبح الأدب من وجهة نظر الشّكلانين، حصيلة لمجموع الفروق التي تميزه من الواقع، وهذا ما يمنحه أدبيته وليس تعبيره عن الواقع أو محاكاته له، ومن هنا كان قـولهم بمبدأ التغريب الذي قُصِد به الاختلاف عما هو معتاد والابتعاد عن المألوف في العمل الأدبي.
وقد أهمل الشكلانيون أهمية الواقع في نشوء الأدب، وأهملوا أيضاً دور المؤلف معتبرين أنـه أداة لكتابة العمل الأدبي فقط([15]). ولا قيمة لسيرته الذاتية خارج كونها حقيقة أدبية([16]).
ونظراً لما سبق فقد اتُّهِم الشّكلانيون بالشكلية، هذه التسمية التي أتت مـن خـصومهم لتصمهم بالانحياز إلى الشكل دون المضمون([17]). لكن الإسهامات النوعية المهمة التـي قـدمها الشكلانيون الروس لم تصل إلى الغرب بصورة وافية قبل الخمسينيات من القـرن الماضـي، حين تُرجمت مقالاتهم إلى الفرنسية عام ١٩٦٥على يد أحد النقاد البنيـويين وهـو تزفتيـان تودوروف، فكان لهذه المقالات تأثير كبير في النقاد البنيويين الفرنسيين أمثال جيرار جينيـت ورولان بارت وغيرهم... وقد اتجه هؤلاء البنيويون المتأثرون بالمبادئ اللسانية، إلى دراسـة النص الأدبي انطلاقاً من التزامنية أي تحليل النص في سكونيته، بعيداً عن صاحبه أو الوسـط المحيط به([18]). ورأى هؤلاء أنّه (( كما يتعين على الألسنية أن تكون قادرة على تعليل جمل لـم تلفظ بعد، فكذلك على البويطيقا أن تفسر القواعد التي تتحكم في الأعمال الأدبية التي لم تُكتب بعد([19]). وبذلك تكون النصوص الأدبية المختلفة أمثلة تسترشد بالقواعـد العامـة للبويطيقـا أو الشعرية، وتؤكدها خلال صياغات متعددة ومتباينة. ورأى البنيويون مـستفيدين أيـضاً مـن اللسانيات أن مؤلف النّصّذ يجب إقصاؤه أثناء تحليل النّصّ الأدبي، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، ولا سيما رولان بارت الذي قال بموت المؤلف في مقالته التي تحمل هذا العنوان مـشيراً إلى ما كان للمؤلف من هيمنة على كتب التاريخ الأدبي والسير التي تتـرجم حيـاة الكتـاب وحوارات المجلات وإلى أن صورة الأدب في الثقافة المألوفة قد ركِّزت بشكل جـائر علـى المؤلف وشخصيته وتاريخه وأهوائه([20]). وقد وضع الدّارسون البنيويون استناداً إلى الأنمـوذج الّلغوي نماذجهم السردية التي حلّلوا خلالها النصوص السّردية حسب الوجهة التي اختاروهـا. ومن المهم هنا،الإشارة إلى أن القول بوجود بنية مجردة تتحكم قواعدها في إنشاء النـصوص الأدبية المختلفة لا يعني إلغاء فرادة هذه النـصوص أو تجـاوز خـصوصيتها، إنّمـا يعنـي استخلاص الخصوصية عبر الطّريقة التي يعمد إليها الكاتب في صياغة عناصر البنيـة فـي النّصّ الأدبي. وإذا أردنا أن نلم بانجازات البنيويين في هذا المجال، فإن ذلك سـيؤدّي إلـى ركـام تنظيري معمق لسنا بصدده، وإنما بغيتنا أن نضع نصب أعيننا مهاداً نظرياً عاماً يبين جوهر النظرية التي نرغب أن نسترشد بها في معالجة عنصرين بنائيين من عناصر البنية الـسّردية هما الزّمن والمكان.
وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال هو ما الجدوى من الأخذ بمبادئ وتنظيرات علـم الـسرد البنيوي إذا كان النقد الأدبي في الغرب قد تجاوز البنيوية إلى ما بعدها، وإذا كان الكثير مـن دعاة البنيوية قد انقلبوا عليها مثل رولان بارت التي استعاض عن النقد بالتعليق، وبدراسة مـا أسماه لغزية النص أي ما ينطوي عليه من شفرات ورموز([21]) ،ولا بد من الإجابة عن هذا السّؤال من القول:إن البنيوية قد قدّمت إنجازات لا يمكن لأحد إنكارها أو تجاهلها في علـم الـسّرد، والباحث في فنّ القص لم يعد يستطيع التعويل على المصطلحات التـي كانـت سـائدة قبـل البنيوية، أي إنّنا ربما نستطيع أن نضيف إلى علم السرد، ونغير فيه بل وننقد وننقض بعض مفاهيمه ومصطلحاته، لكن من المحال أن نمحوه من الذاكرة النقدية([22]). فضلاً عـن أن كـل نظرية من النظريات النقدية تقدم إسهاماتها من دون أن تكون نهائية أو كاملة، لكن هناك ما يبقـى وينجح في بعض الجوانب، ومن هنا تكون استفادتنا من نظرية السّرد المستندة إلـى المـنهج الشّكلاني والبنيويّ تنظيراً وممارسةً، تبنياً لطريقة تروم الإحاطة بجانب من جوانـب العمـل الأدبي قد تختلف إليها السّبل.
ولا بد من الإشارة إلى بعض المصطلحات السّردية التي تشكل حجر الأسـاس فـي الدراسات السردية، ومن ذلك التمييز بين السرد بمعناه الخاص والعام، أما المعنى العام فهـو يدل على مجموعة التقنيات التي تجعل من العمل الأدبي نصاً أدبياً والمعنى الخاص يدل علـى ما يجعل النص سرداً يتميز عن الوصف أو الحوار([23]).
ومن المصطلحات الأساسية مصطلحا المتن الحكائي والمبنى الحكائي اللذان ربما كانا أعظم الإنجازات في هذا الباب، ويرجع الفضل في وضعهما إلى الشكلانيين الـروس الـذين ميزوا بين المصطلحين فقد عرفَ المتن الحكائي (( بأنه مجموع الأحداث المتصلة فيما بينهـا والتي يقع إخبارنا بها خلال العمل))([24]). والمبنى الحكائيُ يعرف بأنّـه (( يتـألف مـن نفـس الأحداث بيد أنّه يراعي نظام ظهورها في العمل)) ([25]). ويحدد جيرار جينيت في كتابه الـشهير ((خطاب الحكاية)) ثلاثة مفاهيم رئيسة هي (الحكاية، القصة، السرد) ويطلق اسم القصة علـى المدلول أو المضمون السردي، واسم الحكاية على الدال أو النص السردي نفسه واسم الـسرد على اتحاد الدال والمدلول، ويسميه أيضاً الفعل السردي المنتج، ويقر بأن الحكاية التـي تـم شرحها على أنّها النص الدال هي المقصودة بالدراسة لأنّها المستوى الوحيد الذي يعرض نفسه للتحليل المباشر في النص([26]).
لما كان الفعل السّردي فعلاً تواصلياً فإن البنية السّردية لمنجز حكائي ما لا تتشكل إلا بتضافر العناصر المكونة الثلاث التي هي: الراوي، المروي، المروي له، والراوي أو السارد هو الشخص الذي يقوم بالسّرد (( وهناك على الأقل سارد واحد ماثل في مستوى الحكي نفـسه مع المسرود له([27]).
بذلك يكون المروي له أو المسرود له هو الشّخص الذي يسرد لـه أو يتوجـه إليـه السرد والمروي هو شكل العمل الأدبي ومضمونه اللذان يؤسّسان السّرد كما بينا من منظـور جينيت والذي يشكل فيه النّصّ السّردي (( الشّكل )) وجهه القابل للتّحليل.
قد تحرّكت الجهود النقدية متناولة عناصر البنية الـسّردية الـسّابقة مـع اخـتلاف مستويات الدّراسة واتجاهاتها وأولوياتها، فهناك من اهتم بالجانب الوظيفي والدلالي في السرد.
وهناك من اعتنى بمظاهر الخطاب اللساني، وهناك من وجه عنايته إلى تقنيات العمل الأدبـي وطرائق تقديمه([28]).
وإذا كان فلاديمير بروب في كتابه ((مورفولوجيا الحكاية)) قد درس الوظائف الأساسية التي تتحكم ببنية السرد من خلال تقصيه للحكايـات الخرافيـة الروسـية، فـإن ((تزفيتـان تودوروف)) في كتابه ((الشعرية)) قد جعل للعمل الأدبي ثلاثة مظاهر يدرس من خلالهـا هـي المظهر اللفظي والتركيبي والدلالي، متناولاً تحت باب المظهر اللفظي مقولات الصيغة والزمن والرؤى والصوت، بينما تناول جيرار جينيت في ((خطاب الحكاية)) ثلاثة أركان أساسـية فـي السرد هي: الزمن والصيغة والصوت.
ج- جدلية العلاقة بين الزمن والمكان السرديين:
إن الحديث عن الزمن والمكان في بنية السرد يقتضي التأكيد دوماً على العلاقة التـي تربط بينهما، كما أن دراسة كل منهما منفرداً لا يمكن أن تستغني عن دراسـتهما بوصـفهما عنصرين فاعلين مؤثرين في العناصر السردية الأخرى وخاضعين بدورهما للتأثير. فهما فـي نهاية الأمر ركنان من أركان العملية السردية يستمدان قيمتهما وأهميتهما من شبكة العلاقـات التي ينسجانها بينهما أولاً، وبين كل منهما وباقي تلك الأركان والمكونات السردية ثانياً.
ويضعنا الحديث عن جدلية العلاقة بين الزمن والمكان السرديين أمام تساؤل هو: لماذا نسعى إلى الزمن والمكان السرديين معولين على تلازمهما وأهميتهما؟ ونعبر في الإجابة عـن هذا السؤال عن اهتمام حيال هذين العنصرين الكونيين الممثلين فـي الأدب فـي تلازمهمـا وجدليتهما التي تعبر عن اختلافهما بقدر ما تعبر عن توحدهما في كل واحد. إن نظرتنا إلى الزمن وشعورنا به كنظرتنا إلى شيءٍ متسامٍ جبارٍ قادرٍ علـى الفعـل بالأشياء والبشر متحرك في مسار سرمدي لا يعطّله أو يغيره شيء، أما المكان فهو ثابـت لا يتحرك يرى ويلمس ويفعل به من قبل الزمن، ومع ذلك فالزمن مفتقر إليه ليرسل من خلالـه إلينا دلائل وعلامات وجوده. إن اصطلاح ((الزمكان)) - الذي تمت ترجمته إلى العربية عن ميخائيل باختين - يدل دلالة واضحة على (( العلاقات الجوهرية المتبادلة بين الزمان والمكان المستوعبة فـي الأدب استيعاباً فنياً([29]).
ويرى باختين أن ما يحدث في الزمكان الفني هو اتحاد وانصهار علاقـات الزمـان والمكان في كل واحدٍ ندركه فنياً. ويجعل للزمان والمكان أهمية جنسية جوهرية إذ يوضح أن الجنس الأدبي وأنواعه يتم تحديدها من خلال الزمكان بالذات([30]).
وإذ تتضافر الأمكنة لخلق الفضاء الجغرافي للنص السردي، يكتسب المكـان صـفاتٍ خاصةً، ويصبح ذا أهمية متعددة المستويات، لا تجعل من الحركة الـسردية نتاجـاً لمجـرى الزمن الحكائي والسردي فحسب بل تجعله نتاجاً لهـذين العنـصرين (( نتاجـاً لتـضافرهما، لتصارعهما، لتقاربهما، لتباعدهما، ولكل حركتهما الشاملة التي تجـوس المـساحة والمـسافة الروائية([31]).
وقد تباينت الجهود النقدية التي تناولت هذين العنصرين، واستحوذ العنصر الزمني في البداية على الاهتمام الأكبر حتى إن بعضهم رأى أن معظم الكتّاب الذين أسهموا إسهاماً جديراً بالذكر في مجالهم قد انشغلوا بالزمن إلى حد كبير وقدموا جهوداً كثيرة في معالجـة الـزمن أدبياً، بل إن الاهتمام بالزمن وصل إلى حد القول إن ماهية الجدل الذي دار بـين التقليـديين والتجريبيين في الرواية الحديثة تتمحور بمعظمها حول الزمن([32]).
وحين تحدث باختين عن الزمكانات الروائية الثلاثة القديمة في كتابه سـالف الـذكر، أعطى الأهمية الأولى للزمن وجعله العنصر الرئيسي في الزمكان الروائي. وقد نوهت سـيزا قاسم قبيل شروعها في تحليل المكان في ثلاثية نجيب محفـوظ إلى أن الرواية فن زمني فـي المقام الأول([33]).
ويبدو أن هذا الانشغال الفني بالزمن السردي لم يكن إلا صدى لانشغال واقعي بالزمن الطبيعي الذي أرق الإنسان منذ القديم وعبر عنه الفلاسفة والشعراء والأدباء أيـضاً، فهنـاك الكثير من القصص التي ظهرت حسب ما يوضح إنريكي أندرسون، لتقدم الـزمن موضـوعاً رئيساً لها وتحاول أن تنزع عنه ماهيته وصفات الاستمرارية واللارجعة والتتابع فيه([34]).
وقد استطاع المكان أن يحظى لاحقاً باهتمام كبير، ربما مهدت لـه دراسـة باشـلار المعروفة ((جماليات المكان)) وقد ظهر في النقد العربي الحديث كثير من الكتب التـي أخـذت تركّز في بحثها على المكان وتحاول أن توفيه حقّه نذكر منها: ((جماليات المكان في الروايـة العربية)) لشاكر النابلسي، و((بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخـصية)) لــ: حـسن بحراوي، و((شعرية الفضاء السردي)) لـ : حسن نجمي، و((الفضاء الروائـي)) لــ : عبـد الرحيم مراشدة، و((شعرية المكان في الرواية الجديدة)) لـ : خالد حسين حسين وغيرها...
الفضاء المكاني في رواية "حكاية بحار"
أولاً- لمحة عن مضمون الرّواية:
يتركّز جهد البحث في هذا الباب على دراسة الفضاء المكاني لرواية ((حكاية بحار)) للكاتب السّوري حنّا مينا وسنقوم قبل المباشرة بالتّحليل بإعطاء لمحة عامة عن مضمون هذه الرّواية، التي تأخذنا مع البطل ومحاولاته لأن يكون صورة عن والده الذي اختفى في ظروف غامضة، وتصوّر الأحداث،التخبط والصّراع الذي يواجهه (سعيد حزوم) في سبيل أن يكون هو ذاته امتداداً لحياة وبطولات والده (صالح حزوم)، لا مجرد شخص يعيش في ظل سيرة والده المعروفة. وهذه الرّواية تشغل القارئ وتجعله يعيش في تلافيف أحداثها، يتحمس لمحاولات سعيد الدّؤوبة نحو تحقيق البطولة والتفرّد.
ثانياً- قضايا المكان:
أ- أهمية المكان في النّصّ السّردي:
اختلفت طريقة توظيف المكان في الرّواية الحديثة في الغرب، ممـا أدّى بالتـالي إلـى اختلاف في أهميته بوصفه مكوناً روائياً بنيوياً ودلالياً، وينطبق هذا على الرّواية العربية، ففي حين كانت الرواية التقليدية تحصر حاجتها إلى المكان في كونه مـؤطّراً للأحـداث الروائيـة ومسرحاً لها، صار المكان في الرواية الحديثة مشاركاً أساسياً في خلق المعنى وباعثاً له، بـل إنّه (( قد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كله([35]).
وبذلك تخطّى المكان وظيفته الإيهامية التي تنحصر في الإيهام بالواقع من خلال تأطير الأحداث إلى وظائف أعمق، من شأنها أن تحدد جنس الكتابة النصّية وطبيعتها واتجاهها فـي كثير من الأحيان (( حتى إنّ الخطاب النقدي بدأ يشير إلى نصوص مكانية وغير مكانيـة فـي الأدب المعاصر)) ([36]).
من الضّروري أن نتذكر أن المكان هو عنصر من عناصر البنية السردية لا يمكن أن يؤدي وظيفته المرجوة إلا من خلال العلاقات التي يبنيها مع سائر المكونات السردية الأخرى مؤثّراً فيها أو متأثّراً بها على حد سواء، ولذلك فإنه ((بقدر ما يصوغ المكان هـذه العناصـر يكون هو أيضاً من صياغتها، وتلتحم كل العناصر المكونة للنص الروائي وتكتمـل الوحـدة العضوية للعمل))([37]).
وإضافةً إلى ما سبق فإن المكان السردي يتمتع بخاصية تميزه مـن المكـان الـواقعي المرجعي من جهة ومن المكان في الفنون الأخرى من جهة أخرى، وهي خاصية خلقـه مـن خلال اللغة، وإعطائه جميع المزايا التي تستطيع اللغة أن تزوده بها.
كان من أهم ثمرات هذا الاهتمام النقدي بالمكان التفريق بين المكان والفضاء وجعلهمـا مصطلحين متمايزين. وعلى الرغم من تنبه بعض الباحثين العرب إلى هذا الاختلاف في وقت مبكر نسبياً، فقد أدى شيوع المصطلح الأول (( المكان )) في النقد العربي إلى اسـتخدامه من دون تمييز على المستوى الإجرائي التّطبيقي كما نجد لدى سيزا قاسم في دراستها للمكان في كتاب ((بناء الرواية)) إذ تعترف بوجود مستويين من المكان الأول (( محدد يتركـز فيـه مكـان وقوع الحدث، والآخر أكثر اتساعاً يعبر عن الفراغ المتـسع الـذي تتكـشف فيـه أحـداث الرّواية))([38]).
وقد أخذ عدد من الباحثين ومن بينهم عبد الملك مرتاض، حسن نجمي، عبـد الـرحيم مراشدة وغيرهم على الروائي غالب هلسا ترجمته لكتاب غاستون باشلار بــ (( جماليـات المكان)) بدلاً من الفضاء([39]).
أما جوهر الفرق بين المصطلحين فهو دلالة مصطلح ((المكان)) علـى المكـان الواحـد المنفرد في العمل السردي، ودلالة الفضاء على مجموع الأمكنة التي تظهر في العمل السردي كله وتشكل مسرحاً له.
يؤكد الباحثون أن التفريق بين هذين المصطلحين في مجال النقد الأدبي كـان إحـدى نتائج الإنجاز العلمي الذي أحدثته نظرية النسبية لآينشتاين الذي حدد الفضاء بأنه ينطوي على المكان والزمان والحركة([40]).
الفضاء إذاً أعم من المكان، ليس لأنه يشمل أمكنة الرواية جميعها فقط، ولكـن لأنـه يشير إلى ((ما هو أبعد وأعمق من التحديد الجغرافي، وإن كان أساسياً، إنّه يسمح لنا بالبحـث في فضاءات تتعدى المحدد والمجسد، لمعانقة التخييلي والذهني ومختلف الصور التي تتسع لها مقولة الفضاء))([41]). إضافة إلى أن دلالة مفهوم الفضاء تتسع لتشمل (( الإيقاع المنظم للحـوادث التي تقع في هذه الأمكنة ولوجهات نظر الشخصيات فيها )) ([42]).
لكن كلمة الفضاء التي حظيت بالشيوع أخيراً، لم تحظَ بالإجماع، فقد فضل الباحث عبد الملك مرتاض على سبيل المثال، كلمة ((الحيز)) على كلمة ((الفضاء)) موضحاً أن مـصطلح الفضاء من وجهة نظره قاصر بالقياس إلى الحيز لأنّه يستلزم معنى الخواء والفراغ، أما الحيز فينصرف استعماله إلى (( النتوء والوزن والثقل والحجم والشكل)) ([43]).
قد اعترض عبد الرحيم مراشدة على مصطلح الحيز الذي اختاره عبد الملك مرتاض مبيناً أن هنالك نوعين للفضاء، الأول خاص يحتوي على الجزئيات والأشياء مع الحيز الـذي تشغله، والثاني عام يحيل إلى علاقة الشيء الملموس بالأشياء من حوله متجاوزاً الحيز الـذي يشغله، وهذا ما يجعل مصطلح (( الحيز )) قاصراً في نظره، وغير قادر على الإيفاء بـالمعنى المراد.
إذا كنّا قد تحدثنا عن الفضاء بمعناه المكاني، فإن هناك معاني أخرى لابد من الإشارة إليها.
ظهرت كلمة الفضاء Space في النقد الأدبي بدلالات متعددة، وكانت هـذه الـدلالات محصورة في الأنواع الآتية:
الفضاء الجغرافي: وهو الذي أشرنا إليه بالحديث السابق، يشمل مجموعة الأمكنـة التـي تظهر في النص السردي.
الفضاء النصي: وهو ذو أبعاد مكانية، لكنّه يتعلق بالمكان الذي تشغله الكتابة على الورق، وكيفية تنظيم الفصول والغلاف وتصميمها، وغير ذلك.
الفضاء الدلالي : ويرتبط بالدلالة التي تخلقها اللغة في النص.
الفضاء كمنظور: ويشير إلى وجهة النظر أو الطريقة التي ينظر من خلالها الكاتب إلـى
عالمه الحكائي([44]).
وستتوجه عنايتنا إلى الفضاء بمفهومه المكاني الذي يشير إلى أمكنة الرواية جميعها، بتجلياتها كافة دون أن يكتفي بالمستوى الجغرافي، آخذين بعين الاعتبار وجود فضاءات خاصة جزئية سيتم تتبعها في النص السردي.
د- علاقة المكان بالعناصر السردية الأخرى:
قلنا إن المكان السردي عنصر بنيوي تتجلى أهميته الحقيقية في النص من خلال جملـة العلاقات والتفاعلات التي يقيمها مع العناصر الأخرى في السرد، وتبرز فـي مقدمـة هـذه العلاقات علاقته بالزمن السردي، وقد تمت الإشارة إلى أن مقولة الفضاء التي انتقلـت بعـد ظهور نظرية النسبية إلى الحقل الأدبي والنقدي، هي تأكيد جديد على التلازم المعقـود بـين الزمن والمكان، فقد أصبحا معاً جزءاً من الفضاء السردي عامةً والروائي خاصةً كمـا هـو شأنهما في الفضاء الواقعي، إذ لم يعد ممكناً أن تتخيل فضاء الرواية من دون تخيل الزمن الـذي ينبني من خلاله. فالزمن أصبح البعد الرابع للمكان مما يعني أن حضور أحدهما يعني بالـضرورة حضور الآخر.
وإذا كان الزمن مرتبطاَ بالأفعال والأحداث التي تعرض خلال السرد فإن المكان يرتبط أكثر ما يرتبط بالوصف وهذا ما يؤكده حسن بحراوي بقوله: (( في البناء السردي يكون التعبير الأمثل عن المكان من خلال الوصف بينما يرتبط الزمن بالأفعال (الأحداث) التي تُعرض مـن خلال السرد([45]).
يرتبط المكان إضافةً إلى ذلك مع الشخصيات بعلاقة متينة، فهو لا قيمة له إذا لم يحفل بشخصياته التي تمنحه المعنى، وتسهم في إغنائه بالدلالات من خلال العلاقات المختلفة التي قد تدخل فيها هذه الشخصيات مع المكان كعلاقات التنافر أو الحياد أو الإنتماء([46]).
ومن الجليّ أن التأثير المتبادل بين الشّخصية والمكان، يجعل كلاً منهما خاضعاً للآخـر في تحديد الكثير من سماته، كما أن المكان يدخل في علاقة مباشرة مع الحدث، فهو عنـصر من العناصر المكونة للحدث، بل إن مجرد الإشارة إلى المكان تجعلنا ننتظر قيام حدث ما([47]).
وهناك أيضاً وجهة النّظر التي يقودها الرّاوي أو إحدى الشّخصيات المشاركة في السّرد والتي لا يمكن إدراك المكان السردي إلا من خلالها، فقد’ينقل إلينا المكان عبر وجهـة نظـر موضوعية حيادية لا تتدخل فيها ذاتية الناقل ولا نعرف فيها عن المكان إلا طابعه الهندسـي والطبوغرافي، أو عبر وجهة نظر ذاتية يكون الناقل فيها شخصية مشاركة بالسرد تبرز فيهـا علاقة المكان بإنسانه بكل ما يكتنفها من مشاعر وأفكار تتدخل في رسم صـورة المكـان، أو عبر وجهة نظر مركبة من الرؤيتين الموضوعية والذاتيـة، حيـث تبـرز ملامـح المكـان الطبوغرافية ومكوناته المختلفة إضافة إلى علاقة المكان بالإنسان الذي يخترقه([48]).
لقد أشرنا إلى أن الوصف هو الأداة المثلى التي تُستَخدم للتعريف بالمكان فـي الـنّصّ السّردي، وفي الحقيقة فإنه من غير الممكن الحديث عن المكان من دون التّطرق إلـى الوصـف، لأن الوصف هو الذي يدخلنا إلى تفاصيل المكان بأشيائه وظواهره وجزئياته، ويحيطنا علمـاً بأسراره، جاعلاً منه كياناً نابضاً ليس بمكوناته فقط بل بدلالاته النّاتجة عن خضوعه لأبعـاد بنيوية ودلاليّة ورمزيّة([49]).
وإذا كان من الصّعوبة أن نفصل الزمن والمكان السّرديين، بـسبب تلازمهمـا الـشديد واستدعاء أحدهما الآخر، فإن كلاً من السرد بمعنى توالي الأفعال أو الأحـداث، والوصـف كأداة تعبر عن المكان، يصعب فصلهما أيضاً، وما الحديث عن أحدهما من دون الآخر إلا بغرض الدراسة والتحليل.
وقد نستطيع الحصول على بعض المقاطع الوصفية المستقلة عن السرد، لكن الـسرد لا يمكن أن يوجد خالصاً مستقلاً عن الوصف([50]).
وإمكانية استقلال الوصـف لا تعنـي بـالطبع إمكانية قيام نص سردي معتمد على الوصف وحده، لأن النص السردي ناشـئ مـن التحـام السرد والوصف. أما تداخل السرد بالوصف فيشكل ما يسمى بالصورة السردية التي تعـرض الأشياء متحركة، في مقابل الصورة الوصفية التي تعرض الأشياء في سكونها([51]).
والشائع أن في الوصف تعطيلاً للزمن السردي، فهو ((عرض وتقديم الأشياء والكائنات والوقائع والحوادث المتجردة من الغاية والقصد في وجودها المكاني عوضـاً عـن الزمنـي، وأرضيتها بدلاً من وظيفتها الزمنية، وراهنيتها بدلاً من تتابعها )) ([52]). بل إن هناك من يرى أن الوصف يوغل في دائرة المكانية على حين يدخل السرد في دائرة الزمنية([53]).
والحقيقية أن الوصف لا يفترض دائماً وقفةً زمنية كما أشار إلى ذلك أكثر من باحـث. فقد رأى جيرار جينيت مثلاً في أثناء دراسته رواية بروست ((البحث عن الزمن المفقـود)) ((أنّ الحكاية البروستية لا تتوقف عند موضوع أو منظر من دون أن يوافق ذلك التوقف توقفاً تأملياً من البطل نفسه، وبالتالي لا تفلت القطعة الوصفية أبداً من زمنية القصة ([54]).
والوصف نوعان حسب ما تشير إليه سيزا قاسم، فهو إما وصـف تـصنيفي يحـاول الإحاطة بالشيء وتجسيده بكل حذافيره من دون تصوير إحساس المتلقي وموقفه منه، وإما وصف تعبيري يتناول أثر الشيء الموصوف في الشخص الذي يتلقاه([55]).
وللوصف وظائف ينهض بها في النص السردي هي:
الوظيفة الزخرفية: وفيها يكون الوصف إيقافاً لزمن السرد، وعنصراً طارئاً عليـه، ولا تكون له أهمية على المستوى الدلالي للنص بل يكون لوجوده غاية تزينيية تريح المتلقي مـن تتابع الأحداث.
والوظيفة التفسيرية: وهي تقضي بأن يكون الوصف في خدمة القصة وعنصراً أساسياً في النص السردي، يضيء ويكشف جوانب لها علاقة بالمكونات السردية الأخرى.
والوظيفة البنائيـة: التي لا يقتصر الوصف فيها على كونه عنصراً تزينيياً في النص بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخه بوصفه عنصراً ضرورياً لبناء السرد لا يمكن الإستغناء عنـه بـل يكون وجوده شرطاً أساسياً لمعرفة المكان والشخصيات.
وأخيراً الوظيفة الإيهامية، التي تمارس دور الإيهام بالواقع من خلال وصف الأشـياء والتفاصيل بشكل يحيل إلى وجودها في العالم الخارجي([56]).
ثالثاً : ظهرت في الرواية مجموعة من الفضاءات الجزئية التي شكلت مكونات الفضاء الكلـي فيها وكان من أبرز هذه الفضاءات (البحر):
لقد كثّف الروائي من إصداراته متميزاً عن غيره من الروائيين العرب بتخصيص مجموعة من الروايات التي تصور عالم البحر. لم يكن ذلك وليد الصدفة، فالكاتب ولد في اللاذقية تلك المدينة البحرية، ثم تشرّد مع عائلته في مدن وقرى الاسكندرونة ببرّها وبحرها، ولما عاد إلى اللاذقية عاشر البحر عن قرب، عاين حياة البحارة، وعمال الميناء، شهد آلامهم، رآهم يغتسلون بعرق الهم وهم يحملون على أكتافهم الصناديق والأكياس، ومن هنا وجد أن عالم البحر هذا غير مفصول عن عالم اليابسة، إنها ذات المعاناة اليومية، ونفس الانتهازية والاستغلال، فقرن بينهما ليجعل منها صورة واحدة لمعاناة المواطن السوري في ظل زمكانيّة محددة، فبحث عن خلاص البشرية من هذا المحيط الملطّخ فوجده، في أبناء الطبقة المسحوقة من عمال وفلاحين وبحّارة. بحث أكثر عن عالم يتطهّر فيه الإنسان من أردان الرذيلة والوحشية فوجده في عالمه الروائي ليشمل مدينة اللاذقية ، البحر.
لكل فضاء عالمه، ناسه، بيئته الاجتماعية، شكله، أو أشكاله الخارجية، ميزاته الداخلية من عادات، تقاليد، لباس، مأكل، مشرب، طريقة حياة، أسلوب تفكير ولغة مميزة.
إن فضاء الرواية ليس مكاناً بالمعنى الضيق للكلمة، ولا هو مجرد موقع جغرافي على بقعة معينة من الأرض، ولا هو مجرد ملامح خارجية لطوبوغرافيا المنطقة أو المحيط العام، إن فضاء الرواية هو كل هذه الأشياء مجتمعة، إضافة إلى الإنسان والحيوان الذي يعيش فيه.
فأبطال مينا لهم مواصفات تميزهم عن غيرهم من الشخصيات، وكل ذلك يتجلّي في رسم المكان في ظل الزمان، بناسه وشخصياته وعوالمه الخيالية المنفتحة على المنشود لا على الموجود. ولكل فضاء لغته، فالبحر فرض على مينا مفردات ومصطلحات تعبر عنه وتنقل أجواءه، لا مجرد وصف مياهه وهياجه وأعاصيره، رغم ما لهذه الأمور من أهمية، إلا أننا يجب أن نبحث عما وراء هذا الفضاء، وعن دلالاته، علاقته بالجو العام للرواية، وما يحمله من فرادة يتحلى بها عالم الروائي دون غيره.
البحر هو المحور الأساسي الذي تلتفُّ حوله الأحداث جميعها في رواية (حكاية بحار) فقد استأثرت المدينة والقرية بالرواية العربية، ورغم البحر الواسع الذي يحيط بالعالم العربي من مشرقه حتى مغربه، إلا أنه لم يشغل بال الروائيين العرب بشكل كاف، ولم يلق من العناية ما يستحقّ، كذلك لم يول الباحثون العرب الأهمية اللازمة لرواية البحر([57]).
"وتشكّل روايات حنا مينة الإستثناء، مع بعض الروايات العربية الحديثة التي تعد على أصابع اليد الواحدة، كرواية السفينة (1970) لجبرا إبراهيم جبرا (1919-1994)، ومن مكة إلى هنا (1970) لصادق النيهوم (1937-1994) ([58])... وغيرها.
لكننا لم نر أيًا من هؤلاء الكتّاب من يصرّ على خلق رواية بحرية وعالم بحري، بناسه ومحيطه، وأجوائه، وعادات بحارته، وخصالهم، كما فعل حنا مينا في ثلاثيته وعلى وجه الخصوص روايته "حكاية بحار"، لطالما تحدث مينة في مقابلاته الصحفية والإعلامية، وفي كتب السيرة الذاتية، عن علاقته بالبحر وعن تجربته الشخصية التي جعلته يخوض هذه المغامرة. فهل تتشابه تجربة مينا مع تجربة هرمان ملفل (Herman Melville 1819-1891) صاحب موبي ديك (1851) الذي عمل بحاراً وصياداً للحيتان؟ وهل من تشابه مع تجربة أرنست همنغواي (Ernest Hemingway 1899-1961) صاحب الشيخ والبحر (1952) الذي انفرد على شاطئ للصيادين يراقبهم عن كثب؟
لقد سافر الكاتب الروسي الكبير أنطون تشيخوف إلى جزيرة بعيدة ومعزولة تدعى سخالين ليكتب عن معاناة السجناء المبعدين، وهي تجربة متشابهة في المعاناة، وفي كسب المعرفة والخبرة بتجربة همنغواي وتجربة ملفل. فما هي خبرة مينة في عالم البحر؟ وهل كان بحاجة إلى مثل هذه التجارب حتى يوفَّق في تصوير البحر؟
تقول الشّخصية الرّئيسية: " لم يبق في البحر أحد، هجره السّابحون وغابت الشمس عنه وظلّت الريح وحدها تداعب سطحه، وتدفع موجه نحو الشّاطئ... تطير بأجنحة غير مرئية فوق كائناته المائية التي تفشي سرّها للنّجوم([59])..
لقد وصف البحر بطريقة غرامية خيالية مازجاً بين المشاعر والأحاسيس وموج حبيبه، رابطاً ما يختلج في قلبه بإحساس البحر وكأنه مخلوق يتجاوب معه، يبادله الشعور(بالفرح/الحزن/الاشتياق...)
تقول الشخصية الرئيسية: "يقول في ذاته للبحر كعادته: (حبيبي يا حبيبي بقد عدت إليك)([60])..
ثم، أولا وقبل كل شيء، ما هي ميزات هذا الحيز المائي في رواياته؟ وعلى وجه الخصوص روايته "حكاية بحار" وهل وُفِّق في خلق فضاء متفرد؟
إن البحر ميزة مينا الروائية وعالمه الروائي المتفرّد، فإن كانت روايته الأولى قد قُرنت برواية نجيب محفوظ (1911-2006) زقاق المدق (1947) في اختيار الكاتبين حياً شعبياً في مدينة، فإن روايته الثانية قد قُرنت برواية الشيخ والبحر للكاتب العالمي ارنست همنغواي([61])..
لم تأت المفارقة عفو الخاطر، ولا هي وليد الصدفة، فالرواية العربية فقيرة إلى رواية البحر، وها هو كاتب مبتدئ يخترق عالماً جديداً ويلح على إصدار كم من الروايات يتناول من خلالها عالم البحر.
عالم البحر، لدى مينا في "حكاية بحار"، يرتبط بعالم الرجولة والمغامرة والمدى البعيد. فتقول الشخصية الرئيسية: " فتح سعيد عينيه في الماء كعادته. كان قد نزل في الماء بحركة قفز عمودية، ثم استقام وقد شدّ جسمه، وجعل يفتح ذراعيه ويشق بهما الماء مندفعاً إلى الأمام بحركة إيقاعية... ويرى إلى جانبه الفتى يندفع بمثل حركته... لكن سعيد تفادى الإعتراض ومرق كسهم([62])..
بالإضافة إلى أن هذا العالم هو عالم أحلامه، عالم الفرح والسعادة النفسيّة تقول الشخصية الرئيسية: "كان هو يحب السهر على البحر... ويعرف أن النوم في مثل هذه الليالي، يجفوه، ويحس بعد تفرّق الصحب بحاجة إلى الصمت... لقد كان مسروراً في سهرته.. يصغي إلى أقوالهم عن البحر بفرح طفولي([63]).. ولن تنسي أن هناك ارتباط للمكان بالزمان (الليل) واضحاً، وقد شكل الإطار النفسي للذات، فقد وجد (سعيد) نفسه مسروراً مغبطًا لأن الليل والبحر يؤنساه، يشعرانه بالتفاؤل والرأفة الذاتية. تقول الشخصية الرئيسية: " وفي سكينة الليل تصاعدت معزوفة الموج الرخيمة والرتيبة على الرمل، وبدأت تلك السهرة الليلية الحبيبة بجوار البحر([64]).. تمدد على البحر أمام الخيمة : ونظر إلى صفحة الماء المتلألئة بأشعة القمر الفضية. كان قريباً من البحر يستعيد وهو يرنو إلى النجوم صورة ( عروس البحر) التي خرجت اليه ذات ليلة صيف، ويتساءل: " ترى تحدث المعجزة ، وتخرج إليّ" ثانية في ليلة الصيف هذه"([65])..
إن سعيد حزوم، أحلامه فاقت الواقع وطارت مع أجنحة الخيال نحو البعيد البعيد إلى اللاواقع، إن عشقه للبحر فاق المنطق، حتى أصبحت محبوبته أيضاً من عالم البحار، فهو يتمنى عودة عروس البحر إليه، وربما أن جلّ ما يتمناه هو حب امرأة يكون فيها رائحة البحر وعاشقة له أيضاً، حتى لا يبتعد عن جوّه المأثور وحبّه القاتل للبحر وما يتضمنه.
فالليل (الزمان) والبحر (المكان) قد مثلا له الراحة النفسية أي الإطار النفسي للذات، وأدّيا دوراً مهماً في إبراز الحالة الفكرية الاجتماعية، للبحّارة وخصوصاً عند سعيد حزوم.
لقد مثل فضاء المقهى، العالم الذي من خلاله يستطيع فيه سعيد حزوم، الترفيه عن نفسه ونسيان ما يريد نسيانه، كحال (كمال) كل من يقصده وهم كثر، فهم ينسون اللحظة أي الزمن الذي هم فيه. تقول الشخصية الرئيسة: " وكان الجالسون في المقهى .. يتوجسون خيفة من ظلال أخرى.. تفسد عليهم مزاجية الجلسة المترفة([66])..
فالغني يرتاد المقهى من أجل إظهار حال البطر الانفاقي والفقير يرتاده من أجل البعد عن ضجيج الحياة والتعب والهموم الملقاة على عاتقه تقول الشخصية الرئيسة: " فالطبقة الغنية التي صارت ... تعبر عن نفسها بهذا البطر.. الذين نهبت منهم أموالهم يواجهون شظف العيش([67])..
هذا الفضاء سيطر عليه العقول الغافية، لا أحد يشغل عقله وتفكيره، إن الموجودين يحتسون المشروب عندها لا يستطيعون السيطرة على تصرفاتهم وردات فعلهم وهذا ما حصل مع "سعيد حزوم" الذي سأل عن بيرة باردة، ولم يتجاوب معه الساقي. فكانت ردّة فعله مخيفة كادت أن تؤذيه حمل مديه وكاد أن يؤذي نفسه بها يقول الشخصية الرئيسية: " جعل يضرب بالسكين بيد ويقلب كف اليد الأخرى بطناً لظهر ... يأتي التسديد دقيقاً فما يمس اللحم ولا يغرز في الكف([68])..
هذه الحركة السريعة التي تعلمها "سعيد" كادت تؤذيه وكل ما قام به من أجل أن ينفذ غضبه وأن يثبت رجولته أمام الحضور.
إن فضاء المقهى قد مثل الطبقات الاجتماعية وما يجول في تفكيرهم ورؤياهم تجاه الآخر الطبقة الغنية ونظرتها الدونية إلى الطبقة الفقيرة وإحساس هذه الطبقة بدورها تجاه الطبقة الغنية، فهو شعور ممزوج بالحقد والظلم والتظلم والفوقية والاضطهاد. تقول الشخصية الرئيسية: " أنا أتألم لما أسمع وأرى.. وأتساءل يأتي يوم نتخلص فيه من الظلم، من الاضطهاد... وما أثارته رؤية الويسكي في نفسه من أسى، غيظة البيرة في قرارته([69])..
فلم يعد يمثل هذا الفضاء، المكان المريح الذي يرفّه فيه الإنسان عن نفسه فحسب بل تعدّاه إلى إظهار كل صنوف القهر الاجتماعي، وإننا لتجد ارتباط المكان بالزمان جليّاً (الليل) وقد مثل الإطار النفسي للذات، فقد وجد (سعيد) الزبائن الموجودين في المقهى، منهم ما يمثل الطبقة الكادحة التي تأتي إلى المقهى لتنسى همومها اليومية والمعاناة والاضطهاد، وآخرون يحاولون إثبات أنفسهم أمام الطبقة الفقيرة، ومن هنا نجد أن المكان (المقهى) قد أدى دوراً مهماً في إبراز الحالة النفسيّة والاجتماعيّة القائمة عند البحّارة وخصوصاً عند (سعيد حزوم).
رابعاً:تمثيل المكان في رواية (حكاية بحّار):
يتناول تمثيل المكان مجموعة موضوعات هي المكان الواقعي/ غير الواقعي، المكان المحبوب/ المكروه، والمكان المسرح.
أ- المكان الواقعي/غير الواقعي:
إن أغلب أحداث القصة بل معظمها تدور حول سعيد وحياته مع البحر وعشقه له وتعلقه بوالده الذي يراه قدوة له، وكل الأحداث التي حصلت، كانت أحداثاً واقعية. (فالبحر، أهل الحي، حي الشراديق، النهر ، السفن، الليل) تنتمي جميعها إلى عالم الواقع.
وعبر هذه الأمكنة، قدّم الكاتب رؤيته إلى الواقع آنذاك وإلى أهل الحي، وخصوصاً البحّارة المعروفون بصفة الشجاعة والرجولة، وما جسّده الروائي في شخصية صالح حزوم والد الشخصية الرئيسية (سعيد حزوم)، من ناحية طريقة عيشه ومغامراته وتضحياته وشخصيته الفذّة تقول الشخصية الرئيسية: "إنّه تتوج بزهور القاع البيضاء واستوى على متن المرج كملك عن جدارة... لكن بحّاراً عجوزاً قال: (هذه هي الحارة التي تليق ببحّار، ودونها يصبح عادياً، كسائق عربة، أو عامل مرفأً وفي وضع آخر تتبيّن قوّته ورؤية من حوله إليه تقول الشخصية الرئيسية: "نبتشر دبيب الرجولة فيمن حوله فتتألق العيون وتومض شرارات خاطفة وهم يجيبون: من حديد يا صالح! من حديد يا أبا سعيد!
أعرف... لا يكون من هذا الشعب، من هذه الميناء، من كان قلبه أرنباً! سمعوا: كلمة حديد تعني شيئاً... الإنسان شيء آخر، يرق أمام شروق الشمس ويتصلّب أمام العاصفة البحار صورة عن البحر([70])..
هذه الشخصية التي امتازت عن غيرها من بين البحارة بقوتها وشجاعتها ورباطة جأشها وكذلك فرضت احترامها وكلمتها على الجميع تقول الشخصية الرئيسة: "حيث يصبح بالمتعاركين: (كفى) معنى ذلك أن يكف الجميع أن يتوقفوا، أن يحتكموا إليه، إلا تدخّل في العراك، وأدّب الذين يركبون رؤوسهم"([71])..
كما أظهرت الشخصية الرئيسة الطبيعة الأخلاقية التي تمتع بها (صالح)، فهو في وسط المعارك يحكّم إلى عقله، يدرس تصرّفاته وهذه التّصرفات والأحداث التي حصلت تقول الشخصية الرئيسة: " وفي اللحظة نفسها ففرت الأفواه دهشة، كان صالح يرفع شعبو إلى أعلى، إلى فوق رأسه، وخيل إلى الجميع أنه سيضرب به حافة المركب وأنه سيقتله لا محالة، لكن صالح اتجه إلى النهر، وقذف به إلى الماء، كخرقة لحمية، وقذف بالقضيب الحديدي وراءه ومن جديد نفض يديه([72])..
وأما ما حصل في المقهى أيضاً من أحداث عند هبوب العاصفة تظهر مشاعر الخوف والقلق التي انتابت الشّخصية من تواجد أبنائها، تقول الشخصية الرئيسة: " وفي ذلك اليوم المشؤوم، تجمعت في هذا المرفأ سفن وقاطرات.. لجأت إليه مجتمعة بحوضه الواسع.. فكان المقهى يعجُّ بأصحاب هذه السفن والمراكب وببحارتها، وبالركاب الذين انقطعوا عن السفر.. وقد تكوموا جميعاً في ابنية المرفأ، وتجمعوا في المقهى، وكلهم يرتجف لهول العاصفة التي بدت خلال ساعات طويلة أنها ستقتلع سقوف الأبنية.. الصعود إلى ظهر أي مركب يتأرجح في مهب التيار، ويترنّح يميناً ويساراً، وحباله تغوص في الماء وتظهر على السطح، في توتر بالغ يوشك أن يتقصف"([73])..
هذه هي الأمكنة (المقهى، البحر، النهر، المرفأ، وغيرها، معالمها الرئيسية وما حصل من أحداث وتطورات، وما ظهر فيها من مشاعر وردات فعل وتصرّفات تنطق بصنوف القهر والتعب والحالة الاجتماعية الصعبة، وهذه الأحداث فقد اقتربت من الواقعية، وجعلت القارئ يشعر وكأنّه يتأمل مشهداً حقيقياً، يعيشه بكافة تفاصيله، يغرق بجزئياته (البحر، النهر..)، مشكّلاً إطاراً للأحداث،وقد غدا المكانان من خلال رؤية الكاتب مرتبطين بمشاعره ورؤيته، ومتنفسين لهمومه، وبما يختلج في داخله وصميمه، بعد أن تخلى عن حياديته وتخفى خلف الأحداث أحياناً وصانعاً للأحداث مراراً.
لقد غدا (البحر) المكان محبوباً بالنسبة إلى سعيد حزوم، فهو معشوقه، إليه يشكو ويتودّد، منه ينتظر المعجزات، يتحدث معه وكأنه كائن حيٌّ يفهمه فيلبي، يسمعه فيجيبه يتعامل معه معاملة الأحبة يتغزل فيه،يصفه وصفاً جاذباً، حتى ليخيّل إليك أنه خُلِق من صلبه وترعرع بين أحضانه، يشاركه أفراحه وأتراحه، محبوبته. خرجت منه من رمله ومائه، تقول الشخصية الرئيسة: "فجأة، خرجت تلك المرأة من البحر، هو لم يرها تخرج من البحر، ولم يرها تأتي من اليابسة، ولعلها انبثقت من رمل الشاطئ.. لم يفكر آنئذ إلا أنها ابنة الماء([74])..
فقد تحدثت الشخصية عن حبّها للبحر، ليس عبر تصرفاتها فحسب بل اعترفت بصراحة أنها تعشق البحر، بل وقد بدت حزينة لأنها قد كبرت في السن وأصبحت تجد نفسها غير مناسبة له ولمغامراته. تقول الشخصية الرئيسة: "وهو لم يعد بحاراً، مضى زمن البحر، ترك المهنة ومعها مسرات قلبه، ويخيل إليه أحياناً أنه نسيها أو أنه أصبح قادراً على نسيانها، فإذا عاد إلى البحر، عاوده عشقه له، وتقمص من جديد صورة البحار"([75]).. وفي موضع آخر، تظهر صورة مشاعر سعيد تجاه البحر جليّة وواضحة، تقول الشخصية الرئيسة: " كان البحر أمامه قد غدا منبسطاً رحيباً ترفّ عليه آخر ظلال النور. هذا عالمه، هذه دنياه ومرتع صباه"([76])..
إن سعيداً يصف البحر وكأنَّ محبوبته أمامه، يغرق في كافة تفاصيله، حالةُ عشق تغمره، فهو يصف ماءه، موجه محاره، لؤلؤه وغيرها، تقول الشخصية الرئيسة: " لم يبق في البحر أحد. هجره السابحون، وغابت الشمس عنه وظلّت الريح وحدها تداعب سطحه، وتدفع بموجه نحو الشاطئ، إن روحاً قريبة ستطوف بالبحر ليلاً. تتناسل من الظلمة، وتمسح خديها بذوائب الموج، وتطير بأجنحة غير مرئية فوق كائناته المائية التي تفشي سرّها للنجوم، في صلاة ابتهالية تصعدها من الأعماق، نجوى قلوب حبيسة في قيعان المرجان والياقوت منغلقة على ذواتها انغلاق المحار على ذاته التي تصير مع تقادم الزمن لؤلؤاً أبيض – هو سعيد حزوم، يعرف هذه الروح لم يلمسها ولم يعانها، لكنه يعرفها، يدركها بحواسه الخمسة بمسافة التي تتنفسها كما تتنفس أعشاب البحر رائحة يودية خاصة في مثل هذه الأمسيات... ما أعذب اللحظات التي تسبق إلقاء الجسم في الماء، سيسبح بعيداً وحيداً، ويقول في ذاته للبحر كعادته: " حبيبي، يا حبيبي لقد عدت إليك"([77])..
هذه بعض مقتطفات من النص تبين حالة العشق التي تربط بين سعيد والبحر، فهو مكانه المحبوب وملجأه ويكفينا أن الرواية بكاملها لا تحلو صفحة منها من تعبير عن مشاعر سعيد تجاه البحر.
تقول الشخصية الرئيسة: "الصمت عين خائنة..
- تخفي أشقاءك عني؟
- أقولها للبحر...
- ومن الصيف يفشي البحر سرّك لي..
- البحر آمن يؤتمن...
- هواك مع البحر...
- وهو الهوى الأبقى..
- فإذا ستبد بك الشوق..؟
- الماء أمامي...
- القنوت مع البحر طيب. ([78])..
هذا الحوار الذي جرى بينه وبين المرأة حول أهميتها ووجودها بالنسبة إلى الرجل، ولكن سعيداً ظلّ معتبراً أن البحر هو أهم من كل شيء في هذا الوجود، وأصرّ على عدم الوقوع بشباكها، لأنّه يرى محبوبته ومعشوقته من خلال بحره.وفي موضع آخر، نرى البحر بالنسبة إلى سعيد وكأنه والده، الوالد الذي يحضن، يعطي الإرشادات والتوجيهات، الذي يربي، القائد القدوة. تقول الشّخصية الرّئيسة: "وقف امام الخيمة وألقى نظرة شاملة على البحر. شعر بامتنان مفاجئ، في وسعه الآن أن يقول نعم لكل شيء. لقد استعاد نفسه رجع سعيد حزوم قبل السباق... ابن هذا الأزرق الواسع ذي المرافئ الفجرية البعيدة، والنساء والخمارات وكل ضيوف الأعمال والشقاوات"([79])..
كما بدا البحر (المكان) لدى مينا، مرتبطاً بعالم الرجولة والمغارة والمدى البعيد، أخذ البحر بعداً أكبر من مجرد موقع جغرافي يعتاش منه سعيد والبحارة والصيادون بل هو مكان، فعل دلالة وانتماء وهوية. إذ لا وجود لسعيد ولا كيان له من دون البحر لأنه ينتمي إلى هذا العالم وما التنازل عنه أو عدم محبته إلا تنازل عن الكيان والهوية.
تقول الشخصية الرئيسة: " في البحر تختلف الأشياء هذه البركة المائية، الزرقاء، الواسعة تضطرب في العواصف، تصخب أمواجها وتندفع محمحمة إلى الشاطئ، وترتطم بالصخور فتتحطم، وتتناثر وتغدو زبداً، نجاراً أبيض، وترتدّ إلى الماء ثانية في زئير وحشي مخيف، لكن البحر عريض، فسيح، لا يجري في ضفتين ولا يملك تياراً، وتستطيع فيه المناورة والحركة، وتفادي التيارات الجوفية، بأن تبتعد إلى الأعماق، وتقدر ما استطعت إلى الأعماق. ([80])..
فقد أقام سعيد حزوم مقارنة بين البحر والنهر وخلص إلى نتيجة مآلها أن البحر رغم هياجه يظل أكثر رأفة من النهر، وهو فضلاً عن ذلك يطلُّ على عوالم واسعة وفسيحة، وتستطيع من خلاله أن تصل إلى المدى البعيد. إنه بوابة للطموح، من يلج ماءه غاص في أعماقه واكتشف عوالم جديدة لا تحدها ضفاف؟. هذا هو بحر مينا، بركة زرقاء واسعة من ناحية، وهائج صارخ محمحم ويزأر كأسد من ناحية أخرى، فمن ذا القادر على معايشته؟ ما هي مواصفات هذا الإنسان القادر على معاشرته؟ لن يكون إلا عاشقاً للبحر وأنوائه، ليصبح قادراً على ريادة مجاهله الواسعة والشاسعة، يتسع عالم البحر ويخرج من اطاره الجغرافي حيث تجمع الماء في إطار شواطئه الضيقة ويتشخصن ويتحول إلى مثل استعارة ودلالة.
نخلص القول، بأن البحر معشوق سعيد (الشخصية الرئيسة) وحالة العشق التي تربط بينهما البحار موتيف (حافز ومحرّك) يعود على ذاته وهذا ما ظهر في هذه الرواية، هذا العشق للمكان الممزوج بالرهبة والاجلال والتعظيم لأن البحر(ملك)، عالم البحر هو عالم الرجولة، فقد انسجم سعيد بهذا العالم شكلاً ورائحة، تماماً كما تمتزج رائحة التراب بعرق الفلاح ووجدانه.
هذه المشاعر الجياشة تجاه البحر وأهميته عند سعيد، عكست تماماً مشاعره الرّافضة للنهر، وقد بدا ذلك جلياً من خلال المقارنة التي أجراها بينهما (البحر/ النهر)، يعود سبب ذلك، ليس فقط للمواصفات التي أعطاها ونسبها إلى النهر (الضيفَ/عدم الرأفة والرحمة)، بل إلى قصّة ما حصل مع أبيه أثناء العاصفة، وكاد النّهر أن يسرق والده منه، بالإضافة إلى ما حصل من إضرار وما سبّبه هذا النهر من مأساة على النّاس.
تقول الشخصية الرئيسة واصفة حال ما حصل أثناء العاصفة، وهذا الوصف يؤكد كره الشخصية الرئيسة (سعيد) للمكان (النهر).تقول الشخصيّة الرّئيسة:" وحين بلغت النهر طالعني منظرٌ رهيب، السّيول تنحطّ مندفعة مع المجرى، آتية من بعيد. منخفضة إلى بعيد، هادرة بقوة آلاف الأحصنة... وكل وسائل الملاحة النهرية الموجودة في مرفأ "قرّة شهر" تتخبط في وسط التيار... كان الناس يبكون، كانت كارثة سكان الضفاف النهر مهدّدون كل شتاء بكارثة غير أن ما حدث ذلك العام، كان كارثة شاملة، لم يسلم من أذاها أحد على طول مجرى النهر.. وفي ذلك اليوم المشؤوم، تجمعت في هذا المرفأ سفن... لجأت إليه محتمية بحوضه الواسع... شدّدت الكوفية على رأسي جيداً وقلت للرّيس.
- لن أدع المركب يتحطم.. سأنزل إلى الغيز.
- وقال الريس صادقاً: أخاف عليك
- وأجبت:
- المسلم هو الله.
- لكنني لن أضحي بأفضل رجالي... وانطلقت إلى النهر...
كان زئير النهر أصم أذني... تركت العمل في النهر... عدت إلى البحر.. تترك النهر بعد هذه المعركة.. كان لا بد من ترك النهر.. أنا بحّار, السفرة في البحر بها طعم آخر.. النزول إلى البحر له حلاوته، أنتم لا تقدرون الفرق مثلي... كيف أشرحه لكم؟
- لا بد أنك خفت النهر؟
- جائز.. الأصح قرفته، أنا لا أتمنى الموت في المياه العكرة، الطينية.. هواي هنا في المياه الزرق. ثمّ ما هو النهر مقابل البحر؟مجرى من الماء، ضيق قذر، غدار إنه تقلب لا أكثر.. أنا لا أحب الثعالب، أما البحر... تعطيه نفسك وتقول: خذني إلى البعيد، إلى عالمك الذي حدوده عند الأفق، وإلى قاعك المفروش بالمرجان وعرائسك التي سحرت سليمان.." ([81])..ما قالته الشخصية الرئيسة، يلخص القول، أن النهر قد غدا مكاناً مكروهاً بالنسبة إلى سعيد وخصوصاً بعدما رأى ما حصل مع والده (صالح حزوم).
وأما المقهى، المكان الثالث الذي حصلت فيه بعض الأحداث، قد مثل بالنّسبة إلى سعيد، مكاناً محبوباً تارةً عندما يذهب ليشرب ويرفّه عن باله وينسى همومه، وتارة أخرى يرى فيه الأثراء، أصحاب الطّبقة الغنية الذين يتعجرفون على الفقراء أمثاله. تقول الشخصية الرئيسة: " وكل الجالسون في المقهى، يتوجسون خيفة من ظلال أخرى قد لا تتقصدهم هم بالذات، ولكنها تقسو عليهم مزاجية الجلسة المترفة.. خيّل إليه أن بطراً قد أخذهم وأنه لو فتح كل يوم مقهى جديد، أو علية ليل جديدة لامتلأت بالرواد، فالطبقة الغنية، التب صارت حديثاً غنية، تعبر عن نفسها بهذا البطر الانفاقي، وأنها باتت لا تعرف ماذا تفعل بنقود لم تتعب في جمعها، بينما الآخرون الذين نهبت منهم كل هذه الأموال يواجهون شظف العيش ويجأرون بالشكوى.. ولقد ازداد وهو على البار تفكيراً بكل هذا... ما يجري فظيع.. كان يقول في نفسه، ثم ينسى ذلك إلى أن يفجأه منظر، أو يسمع قصة، أو يصادف حادثة، فتثور فيه مشاعر ألم أبكم، تؤرقه بعض الوقت.. خطر لسعيد، في جموح غضبه أن يتناول الزجاجات الفارغة عن البار، ويقذف بها الواجهة الويسكية المتلألئة بصفرة أصلية. كان قادراً... وأن معركة مع الساقي تساوي تعبها، تعبر عن نعمة الناس على كل الحمأ الذي تجمع في المدينة"([82])..
إن ما حصل مع سعيد في المقهى، يظهر ثنائية المشاعر التي جسدتها الرواية على الورق، فقد غدا المكان (المقهى بالنسبة إلى الشخصية مكاناً محبوباً مكروهاً في آنٍ معاً، فالراحة الروحية والنفسية التي يشعر بها سعيد في المقهى قابلها قتال وشجار ومشاعر كره تجاه الأشخاص المتواجدين داخل المقهى.
نجد أمكنة الممسرحة في الرواية موضوع الدراسة، وتضاءلت قيمة هذه الأمكنة نظراً لشحنها بالتصرّفات والانفعالات العاطفية المؤثرة.
تقول الشخصية الرئيسة: " تنفس سعيد بعمق. انتبه إلى نفسه فجأة، فوجد أنه صار في الطرف الآخر من الخيام. كان الماء يقترب وهواء الليل بدأ ينسم من الغرب، وكيس زجاجات البيرة الباردة فوق يده المركونة على الجانب الأيمن، والخواطر سردت به بعيداً... نفاذ الصبر هذا ملّيته الكبرى. كيف يلحم نفاذ صبره؟ كيف يتعلم أن ينسى الوقت ويعمل بنفس طويل؟... قال سعيد في نفسه وهو يستعيد هذه الكلمات: "التقدّم، التقدّم فأين هو هذا التقدّم؟ ولماذا لا يحدث دفعة واحدة ونستريح؟ وما نفع كل الجهود التي بذلت إذا لم تصبح الأحوال حسنة كما تريد؟ وهذه الفئة التي اغتنت فجأة وصارت لا تشرب سوى الويسكي. من يضع حداً لها؟([83])..
نلحظ أن الغضب الذي سيطر على سعيد، والوضع الإجتماعي البائس الذي يعيشه كافة البحارة وهذه المشاعر البائسة التي سيطرت على مشاعر البحارة،جعلت من المكان يفقد قيمته وبدا هامشياً، لا دور له، ليجعل صوت المشاعر تطغى على الأحداث وكأن المكان لم يعد له أهمية تذكر.
وفي موضع آخر نجد المكان أيضاً قد فقد قيمته، في أثناء وجود سعيد داخل الخيمة يتخيل عروسه عروس البحر، تظهر أمامه منسية آلامه وقساوتها، وصوت فيروز يصدح داخل الخيمة، جاعلاً من سعيد يطير في السماء مازجاً بين خياله والصّوت، منتشياً بخمرتين ذوباه ذوبان السكر في الماء. تقول الشّخصية الرّئيسة: " فيروز تغني يا ماريا، يا موسمة القبطان والبحرية، وسعيد يسمع ويتسوسح، رافضاً براءته التي لا فائدة منها عند الله ولا الشيطان، مندغماً في عالم الجن المسحور لعروس البحر التي لم تظهر له في الليلة الماضية، وهو في خيمته، يطل عبر بابها على الدنيا بأضلاع واسعة، منتشياً بخمرتين: إحداهما يتذوقها عذبة، مثلوجة، والأخرى يحسّها حارقة، تذيب القلب لشدّة حرارتها"([84])..
وكذلك الأمر، نجد المكان قد أصبح هامشياً عندما دخل سعيد المخزن ووجد تلك الفتاة التي سرقت قلبه، وهذا ما جعله ينسى المجوهرات والانتيكات والدنيا وما فيها بالرغم من أنه في وضع حرج وبين اللحظة والأخرى يدخل صاحب المخزن ويجده، ويعدّه من السارقين وتقع المصيبة الكبرى. تقول الشخصية الرئيسة: "اقتربت من الباب المشقوق مدفوعاً بلهفة داخلية. فعلت ذلك خلال لحظات توقف فيها تفكيري، وانشلت إرادتي، واعترتني رجفة صيرتني أسيراً لتلك الرغبة النفسية في أن أدخل المخزن... ماذا أفعل يا رب؟ تلفت حوالي نزبوراً أحدق في التماثيل الضخمة المحيطة بي، فتهيأ لي أنها تكشر في وجهي، وأنها موشكة أن تطلق زئيراً أو صراخاً يجمع عليّ المارة في السوق... ما وراء الحاجز من المخزن... باغتني مشهد هزّني هزّاً..، وعلى الجدار مرآة، أمامها امرأة تسرّح شعرها.. ومن ذراعها العارية، وقفا كفها القابضة على المشط... كانت ذات جسم منسق، فارغ، وحضر ضامر يعطي بنيانها انسجاماً في الطول ويرسم تجويفة في الوسط... وزاد في اغرائي أنها كانت عارية الذراعين من عند الابطين... أمامي ذلك المخزن وفي تلك القيمة الداخلية، والوحدة تلفنا وأنا مقدم على مغامرة مجنونة... في هذا المخزن المليء بالسحر، قد تكون جنية، أو أنها عروس البحر التي فتنتني ليلة على الساحل([85])..
نلحظ أن ما حصل مع سعيد في أماكن متعدّدة، جعله لا يسيطر على أعصابه وتفكيره، وأصبح المكان لا قيمة له، وأفسح في المجال لطغيان تبيان تصرف سعيد، هذا العاشق لعروس البحر، المدافع عن المظلومين، الضعيف أمام الحسناوات، وهذا ما جعل الكاتب يقوم بتحويل المكان إلى مسرح لإظهار المواقف النفسية والأخلاقية التي ظهرت وعُرِفت بها الشخصية.
3- وظيفة المكان في رواية "حكاية بحّار":
أ- الوظيفة التوثيقية ودلالات التوثيق:
لم تخل رواية حكاية بحار من المعطيات التوثيقية. ومن هذه المعطيات: "نظرت في ساعتي فألفيتها الثانية عشرة. بعد ساعتين يحين موعد نوبتي على الباخرة. صرت على شيء من أمل في النجاة،وفي العودة إلى الباخرة، وقررت أن أتي كل يوم إلى هذا المخزن. وأن أمكث فيه كل وقت الفراغ، لأجل التحف، ولأجل هذه المرأة التي لا أعرف اسمها"([86])..
هذا ما قالته الشخصية الرئيسة بعد انتهائهما من مقامرتها مع الفتاة ودخول المخزن خلسة. وفي موضع آخر تقول الشخصية الرئيسة: " ومرّت الدقائق الخمس، وبعدها دقائق عشر. وفي النهاية فتحت الكوة وأطلت المرأة حاملة صندوقاً.. وأشارت إلي أن أقترب ففعلت، دهشت لأن الصندوق كان مليئاً بالحلي والأحجار الكريمة.
وما كاد العجوز يدير ظهره ذاهباً إلى الداخل لأمر ما حتى فتحت الصندوق وتناولت الخاتم الذي في يدي وألبستنيه. وهي تنظر في وجهي نظرة معبرة. نظرة تقول هذا تذكاري." ([87])..
هنا نجد سعيداً قد حصل على ما كان يريده، الحصول على بعض الأنتيكات والمجوهرات، والخاتم الذي يُسأل عنه دائماً من تلك الفتاة التي أعجب فيها ورآها في المخزن.
ودلالات التوثيق أيضاً، ما حصل مع الشخصية مرّة في أحد المطاعم، وقد سمع فجأة صوت فيروز، الأغنية التي يحبها والتي كلما سمعها يتذكر الحادثة والمكان الذي كان موجوداً فيه. تقول الشّخصية الرّئيسة: " تذكر أنه كان مرّة في أحد مطاعم دمشق. كان ذلك في نهاية الخمسينات وكانت أغنية فيروز (زوروني كل سنة مرّة) جديدة لم تكن أشرطة (الكاسيت) قد عرفت بعد، وكانت آلة الاسطوانات تعمل أتوماتيكياً، لمجرّد أن تضع فيها قطعة نقود 11-25 قرشاً، وتضغط على رقم الاسطوانة.. وكان ملك نقوداً قليلة لم يبق منها بعد دفع الحساب سوى ربع ليرة عليه أن يركب "الباص".. وفجأة عزفت أغنية "زوروني"!"([88])..
هذا بعض دلالات التوثيق وإننا لنجد في حنايا أحداث هذه القصة والأمكنة التي سرحت فيها الأحداث دلالات أخرى من المعطيات التوثيقية.
ب- الوظيفة الايهاميّة ودلالات الإبهام:
لقد وصف "حنا منيا" العالم الخارجي، في رواية "حكاية بحار" للكشف عن مكنونات الشخصية الرئيسة والحال النفسية التي تعتريها، وخصوصاً عندما تكون أمام البحر تستنشق نسيمه وترى ماءه وزيده وأمواجه، كما في كل مشهد نرى فيه الشخصية أمام البحر، فإننا لنجد وصفاً له وقد وضعها الكاتب أو الرّوائي للحديث عن الدوافع النفسية للشخصية الرئيسة التي دفعتها إلى المكوث أمام البحر، لتنسى همومها ومشاكلها وناسها.
لقد دعي سعيد إلى لعشاء من قبل الرجل الطيب الذي يفهمه كبحّار، إننا لنجد الشخصية تصف الحال النفسية والبحر تقول الشخصية الرئيسة: "خيّل إليه، أنه لو وجدت نار، وجماعة تقتعد الأرض، وآخرون يسكرون، لكانت لوحة من لوحات ترحّل القبائل.. أو لكان المشهد أقرب إلى نزول دورية جند على شاطئ بحر، فهي تطهو عشاءها في المساء، تاركة للبحار أن يتصاعد كمثله من القدر التي تقف أمامها السيدة الجميلة. وحين رفع رأسه ونظر في الفضاء من حوله رأى القمر رصد المشهد بعين مفتوحة... انفعال ما أخذه فهو يسبح في خط مستقيم بين غيوم رقاق، بيض كالقطن المندوف ونوره الفضي يضيء القبة كلها، يضيء السماء والأرض، وينسج غلاله ليلته بيضاء، ذات ذرات أثيرية سابحة في الخلاء، باسمة كأسنان بيض في وجه زنجي غامق السواد.. وكان البحر أمامه يتضوأ بالقمر، محتفظاً بمسحة رصاصية على وجه الماء وأعراف الموج الزبدية تتلألأ.. كأغنية تترية عاطفية... امتلأ سعيد بمهابة كعهده في مثل هذه الليالي ومثل هذه المواجهة الصامتة، أحس بامتياز خاص وبزهوٌ خاص، لأنه وحده، من بين الجميع في فلسفة هذه أمام الصحراء المائيّة، يستشعر قدسية النجوى التي تقوم بينه وبين البحر.. في مثل هذه الحال، يتهيأ له أن البحر يتكلم، وهو يودّ أنَّ يترجم هذا الكلام... في هذه الحالات يصبح سعيد مستعداً أن يقول للبحر الكلمات وأحرّ الصّراعات.. أن يضرب صدره صارخاً:" أيها الأب، أيها الأب الرحيم، تلطف بنا"([89]).. ومن هنا نجد الحال النفسية التي اعترت الشخصية، كاشفاً الكاتب التفاصيل الدقيقة بلغة مليئة بالانفعال المؤثر.
ج- الوظيفة التفسيرية ودلالات التفسير:
لقد عمل الكاتب على وصف معالم المكان، وصفاً دقيقاً، بوصفها إطاراً للأحداث التي تجري، فقد وصف التصرفات كالملابس وطريقة العيش والتفكير وغير ذلك. هذا كله يدلّ على مزاج الشخصية وطبعها وتفكيرها. ولقد أدى الكاتب دوراً مهماً في إبراز المكان كإشارة لإيصال ما يبتغيه القارئ مع مراعاة إستراتيجية الرواية.
نجد مشهداً، يقدّم وصفاً واضحاً لإحدى جوانب الحياة البحرية التي تعيشها الشخصية وهذا التمثيل لوظيفة المكان التفسيرية قول الكاتب: "كان سعيد على ظهره وحدق في السماء عاليه هي السماء... الشمس تغمر كل شيء، وتتلألأ على البحر كالمرايا، والرّمل أسمر تلتمع حباته كنتار الزجاج، وخيمات منصوبة في أقصى المكان من جهة المقهى ، ومظلات ملوّنة... ورجال ونساء وأطفال على الشاطئ بثياب الاستحمام، أو اللباس الكامل وتشكيلة الألوان للمنظر كله، تعطيه مشهد مهرجان أو عيد.. الكلّ يلهو على الشاطئ، ثمة رجال يلعبون الكرة بأقدام حافية، وشباب يسيرون على الرمل المبتل يعرضون جسومهم وستعرضون أجسام المستحمات.. ([90])..
تقدم السّطور وصفاً معبراً عن التصرفات التي يقوم بها الأناس المتواجدون على الشاطئ وكذلك الحياة التي تعيشها وتتعايشها الشخصية، فالراوي هنا، لا يقدّم التفاصيل التي تتخذ صفة الواقعية بقدر ما يصف الحال النّفسية التي اعترت سعيد بجانب البحر الذي يحبّه ويعشقه، فالغبطة تملأ قلبه وهو يتأمل ما حوله. وتجد حواراً جرى بين سعيد ومن كان معه في الرحلة، وهذا الحوار يقدم وصفاً دقيقاً للحياة التي تعيشها الشّخصية، بارزاً المشاعر التي تنتابها عند حديثها عن البحر وعروس البحر.
وتقول الشّخصية الرّئيسة: "قال سعيد أنا لم أرها لست صياداً يا سيدتي. أنا بحار. أعني كنت بحاراً. وعروس البحر لا ترى في الأعماق يقال أنها تتبع السفن في ضوء القمر.. قالت سيدة أخرى: من رأى عروس البحر إذن؟
بعض الصيادين يقال أن عروس البحر تعشق أنسياً. وفي بعض الليالي تخرج من الماء وتمشي على الشاطئ، وقد تتمدد على الرمل فتنام، فإذا أشرقت عليها الشمس عجزت عن الحركة والعودة إلى الماء وعندئذ يصطادونها.
- وماذا يفعلون بها؟
- يفتنون بها. يحافظون عليها، ويبذلون حياتهم إرضاء لها إذا طلبت منهم ذلك.
- ولماذا لا يتزوجونها؟
- لا يستطيع شرطها للزواج أن يذهب معها الصياد إلى مملكة أبيها في أعماق البحر، فإذا رفض فارقته، لكنها إذا أحبته فلن تنساه، وفي الليالي المقمرة تخرج إليه، حاملة حفنة من لآلئ البحر...
- من يحب امرأة يخضع لها.. والذي يحب عروس البحر لا يؤذيها. يعيدها إلى البحر كما تطلب. وهي لا تنس المعروف السمكة وفيّة كالإنسان، بل أكثر وفاء من الإنسان..
- أنت تعشق عروس البحر كما يبدو... فكيف تقول أنك لم ترها؟ صمت سعيد.." ([91])..
من هنا نجد أن الكاتب قد سكب ما بداخل سعيد (الحالة النفسية والشعورية) والحالة المعيشيّة التي عاشتها، وكذلك حال البحارة وغيرهم على أوراق هذه الرواية، لإظهار مشاعر العشق التي تنتاب سعيداً وأهمية البحر وعالمه بالنسبة إليه، وبناءً على ذلك، أصبحت الوظيفة التفسيريّة للمكان تكتفي بالإشارة إلى البعد الدّلالي.
4- علاقة المكان بالرؤية في "حكاية بحار"
أ- علاقة المكان وانتاج رؤية الكاتب:
إن رؤية الروائي "حنا مينا" إلى العالم انطلقت من موقعه وتواجده في اللاذقية في منطقة اسكندرونة، بين البحارة وعلم البحر، وهذا الموقع هو الذي يحفزه ويضعه في خزنة الهدف وهو استفادة القارئ من بعض المواقف أو ليعمل بعكسها. فإن رؤيته تتحرّك بدوافع داخلية أيديولوجية تسعى إلى ابراز الفوارق الطبقية التي تدنو إلى تنوير ابن البلد ضد المحتل (كما حصل مع صالح حزوم عند أغرم بكاترين الحلوة وقد خدعته وخدعت وطنها) وتهيج الفقير ضد الغني (كما حصل مع سعيد في المقهى) وتثوير المظلوم ضد الظالم.
فالبحر قد صوّره بناءً على رؤيته وتحولت هذه الرؤية إلى دلالة، فهياج البحر وأنواؤه على سبيل المثال، للدلالة على قوة البحار الجّسدية، وعلى رفع التحدي وكذلك الغربة في تركيا وسكنه في حي الشرادق، ورغم أن حياته كانت أفضل من عودته إلى وطنه، إلا أنّ الحنين يبقى طاغياً لأنها غربة المواطن المبعد عن الوطن قسراً. وهذا ما قامت به الشّخصية الرّئيسة وما جسدته من خلال تصرفاتها وكشف نفسياتها، وهي البرهان على هذه الرؤية التي تتضمن أبعاداً نفسية، انسانية في آنٍ معاً، وأما المواقف الشخصية ومساهمات تأثيرات المكان قد عزّزت هذه الرؤية وأوضحتها.
لقد اختلط معظم الأحداث بالتذكير بموقف أو مواقف معينة كالذي مع الشخصية الرئيسة (سعيد)، في ليلة صيفية وهو ممددٌ على البحر، فرحاً يتأمل ما حوله وإذ تظهر أمامه عروس البحر، ومن هنا نجد التحام الزمان بالمكان، وكان لهما دورٌ بارزٌ في فنية الرواية، القائمة على صيانة الرؤية المتوخاة.
تقول الشخصية الرئيسة: "لقد حدث ذلك في ليلة صيف كان يتمدد على الشاطئ وحيداً، وكان الليل فضاء بالقمر والفضاء منوراً، والنجوم مصابيح مشعة ومتناثرة ، والزبد ينفرش رغاء أبيض...كان كل شيء بهياً آسراً إلى درجة أنه تمنى ألا ينقضي الوقت ولا تتنفس الكائنات من حوله فتفسد روعة تلك الليلة.. وفجأة، خرجت تلك المرأة من البحر، وهو لم يرها تخرج من البحر...لم يفكر آنئذ إلا أنها ابنة الماء، غادرته لتتنزه قليلاً هناك"([92])..
اختلط الزمان بأبعاده الثلاثة الماضي، الحاضر والمستقبل بالمكان، عندما كان مستلقياً على الشاطئ، ويتأمل ما حوله من جمال للطبيعة، والمكان الذي كان موجوداً فيه (شاطئ البحر) قد اتخذ أبعاداً شعورية في زمن هو الماضي (كان يتمدد في ليلة صيف)،وهذا البعد استدعى الحاضر (فتفسد روعة تلك الليلة) من خلال الحزن (الغاء)، لقد ضاع الزمان الماضي والحاضر في اللحظة الشّعورية الحاضرة، وانعكست مفاعيلها على المكان المحبب عند ظهور عروس البحر أمامه فجأة، وأدخلت على الشّخصية الإندماج والانغماس بجمال ما حولها.
هنا نجد التحاماً للأقطاب الثلاثة بالمكان،الذي ولّد هذه المشاعر، وقد شطر ذات الشخصية ووزعها بين عاملي المكان والزمان بفنية رائعة، بين التأمل لجمال الطبيعة والبحر وظهور عروس البحر.
وغدا أيضاً التحاماً للأقطاب الثلاثة أيضاً، موضع آخر عندما يبدأ السابحون يهجرون البحر ليتركوه وحيداً مع بحره.
تقول الشّخصية الرّئيسة: " بدأت المصابيح تشتعل على طول الشّاطئ واشتدّ اللغط في الخيام. لقد عاد المستحمون من الحمامات، وصار في وسعه أن يترك نوبة حراسته. سيلقي بنفسه في الماء الآن سيسبح بعيداً، بعيداً، ويقول في ذاته للبحر كعادته: " حبيبي، يا حبيبي، لقد عدت إليك"([93])..
هذا الالتحام للأقطاب ولد المشاعر لدى الشخصية، وشطرها ووزعها بين عاملي المكان والزمان، بين انتظار عودة السّابحين وإلقاء نفسه في البحر ليستأنس بوجوده.
كما كانت الشخصية نتاج المكان، كذلك المكان كان نتاجاً للشّخصية فالبحر وعشق الشّخصية له، جعلها تتحمل المآسي، فكانت منفذها، يريح ذاتها من الهموم ومصدر عيشها أيضاً. تقول الشّخصية الرّئيسية: " غداً سأنزل إلى الميناء سأبحث عن شغل. فقال أحد الحاضرين: لو استرحت قليلاً.. بضعة أيام مثلاً.. نحن نشتغل ولن تكون في حاجة إلى شيء.
- أعرف.. كل ما فعلتموه في غيبتنا نعرفه... نحن أخوة. هي " الشرادق" لن ينضام وفيه رجال مثلكم.. لكنني جائع إلى العمل... اشتقت إلى البحر يا أولاد.. كيف حاله؟ أما زال أزرق؟
- لا أدري.. البحر صديقي على كل حال... أنت عاشق يا صالح.
- ربما، ربما.. الماء حبيبي!" ([94])..
- إن تصرف الشخصية مع البحارة والحوار الذي دار بينهم، تأكيداً لكونها نتاجاً للمكان وكذلك قد عبرت بحركاتها عنه من خلال نواياها وتصرفاتها وحديثها ومشاعرها.
وفي موضع آخر، تقول الشخصية الرئيسة: " تمدّد على الرمل أمام الخيمة، ونظر إلى صفحة الماء المتلألئة بأشعة القمر الفضية، واستراح إلى معزوفة الموج الرتيبة... وقال في نفسه: هنيئاً للخليين! إنهم ينامون بينما أنا أسهر. إنني أحبّ السّهر وحيداً. أنا والليل والقمر، وهذا يسعدني ويكفيني: استرخي في استلقائه على الّرمل([95])..
لقد بدت تصرفات الشّخصيّة، واضحة من خلال تعبيرها عن حبها للبحر، فهو المكان الذي تشعر فيه بالإسترخاء وهذا تأكيد لكونها نتاجاً للمكان والمكان بدوره نتاجاً لها.
رابعاً: الفضاء الزمني في رواية " حكاية بحار"
تطرقنا في مقدمة هذه الدراسة إلى حديث موجز عن الزّمن، وكان أبرز ما ذكرناه أن العنصر الزّمني قد استحوذ على الإهتمام الأكبر من قبل النقاد، إذ ما قورن ذلك باهتمامهم بالعنصر المكاني. ورأينا أيضاً أن العلاقة بين الزمان والمكان بما تحمل من تلازم وترابط هي من أكثر العلاقات وضوحاً في النّصّ السّردي. ويرى أحد الباحثين أن تقنية الزّمن هي من أدق التّقنيات التي تؤثر مباشرة في البنية العامة للرواية وهي التي تحكم الأزمنة المتغيرة في نطاق رؤية الراوي العامة، وبها تتمكن الرواية من الإستجابة لهذه الرؤية في نهاية الأمر([96])..
وتعزو سيزا قاسم أسباب اهتمامها لتحليل الزمن إلى " أن الزمن عنصر محوري وعليه تترتب عناصر التشويق والإيقاع والإستمرار، وإلى أنه يمثل إلى حدٍّ بعيد طبيعة الرواية وشكلها، ونرى الباحثة أيضاً أنه ليس للزمن وجود مستقل نستطيع أن نستخرجه من النص كالشّخصية أو الأشياق الموجودة في المكان، فالزمن يتخلّل الرّواية كلّها، ولا نستطيع أن ندرسه دراسة تجزئية فهو الهيكل الذي تشيّدُ فوقه الرواية([97])..
ويبلور رولان بارت رؤيته الخاصة للزّمن السّردي مستفيداً في ذلك حسب ما يرى "حسن بحراوي" من الشّعرية اليونانية التي أعطت الأولوية لما هو منطقي على ما هو زمني([98])، إذ يعلن بارت في كتابه "الكتابة في درجة الصفر" أن الفعل الماضي المشتق من الفرنسية الدّارجة وحجر الزّاوية في السّرد، لم تعد مَهمته التّعبير عن الزمن، بل غدا دوره إيصال الحقيقة إلى نقطة ما، وأن يجتث التجربة الوجودية من جذورها، ويتوجه نحو رابطة منطقية مع أحداث أخرى وقضايا أخرى ليؤلف حركة العالم العامة، أي أن هدفه هو الابقاء على التراتبية المنطقية([99])..
ويشير حسن بحراوي أن بارت يعود إلى تأكيد هذا الموقف فيما بعد في آرائه اللاحقة وذلك جليٌّ فيما يعرضه بارت في كتابه: " مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص" إذ يؤكد أن الزمنية ما هي إلا طبقة بنيوية من طبقات لخطاب وأنّ ما نسميه الزمن في القصّة لا يوجد إلا وظيفياً في نظام دلالي، فالزمن لا ينتمي إلى الخطاب بكل ما للكلمة من معنى ولكن إلى المرجع([100])..
ويرى تودوروف أن قضية الزمن تطرح بسبب وجود زمنيتين تقوم بينهما علاقات معنية، زمنية العالم المقدّم وزمنية الخطاب المقدّم له، ويرى أن هذا الاختلاف بين نظام الأحداث ونظام الكلام بديهي، ولكنه لم ينل حظه كاملاً من النظرية الأدبية، إلا عندما اعتمده الشكلانيون الروس قرينة من القرائن الأساسية لإقامة تعارض بين المتن " نظام الأحداث" والمبنى " نظام الخطاب([101])..
وجدير بالذكر أن هناك تعدداً في المظاهر الزمنية داخل النّصّ الواحد، وقد تعثَر البقاء طويلاً قبل أن يصلوا إلى تجاوز خلافهم حول هذه النقطة ويختصروا تلك التعددية في ثنائية محددة سهلت عليهم البحث في الزمن السردي في الرّواية([102])..
ولعلّ أبرز المقاربات التي تحدّثت عن تعدديّة الأزمنة في الرّواية هي مقاربة "ميشيل بوتور" الذي رأى أن هناك ثلاثية أزمنة على الأقل ضمن العمل الروائي: هي زمن المغامرة أي زمن الحقيقي للأحداث وزمن الكتابة أي الزمن الذي يستغرقه الكاتب لإنجاز الرواية وزمن القراءة أي الزمن الذي تنجز فيه قراءة الرواية ويرى بوتور أن زمن الكتابة ينعكس على زمن المغامرة بوساطة الكاتب([103])..
أما التقابل بين زمن القصة وزمن السرد أو الخطاب الذي أرسى قواعده الشكلانيون الروس عندما ميزوا بين المتن والمبني الحكائيين فيعود ليصبح التقابل الأساسي الذي اعتمده النقاد فيما بعد لدراسة الزمن السردي حسب ما أسلفناه، فهذا جان ريكاردو يميز في كتاب "قضايا الرواية الجديدة" بين زمن السرد وزمن القصة ويجعلهما في محورين متوازيين ثم يعرض أنواع العلاقات التي تنشأ بين المحورين([104]).. وهذا تودوروف يميز بين زمن الخطاب "زمن السرد عند ريكاردو" وزمن التخيّل "زمن القصة عند ريكاردو" ويرى أن هناك ثلاثية أشكال من العلاقات تربط بين زمني الخطاب أحادية بينما زمنية التخيل متعددة، ويدرس المفارقات الزمنية، والعلاقة الثانية هي علاقة المدّة ويدرس فيها الحالات الزمنية الممكنة في السرد، وأخيراً علاقة التّواتر التي تتناول حالات التكرار الممكنة([105]).. ويتحدث جيرار جينيت في كتاب "خطاب الحكاية" عن الثنائية الزّمنية المتمثلة في زمن القصة وزمن الحكاية الذي يدعوه جينيت بالزّمن الكاذب أو الزّائف، لأنّه يقوم مقام زمن حقيقي ثم يدرس العلاقات، ويجعلها في ثلاثة أشكال سبق أن ذكرناها عند تودوروف وهي علاقات الترتيب الزمني التي يتحدث فيها عن المفارقات الزمنية ويحدد أنواعها بدقة وعناية، ثم يتناول العلاقات بين المدة التي تستغرقها الأحداث في القصّة والمدّة التي تستغرقها الأحداث في الحكاية، ثم يدرس أخيراً علاقات التواتر مبيناً أنواعه وحالاته"([106])..
ويرى سعيد يقطين أن كتاب جيرار جينيت "خطاب الحكاية" افتتح مرحلة متطورة في تحليل الخطاب الروائي من الزواية التي دشنها الشكلانيون الروس وطورها من سار في اتجاههم من الباحثين([107])، ويرى أيضاً أن أعمال جينيت كانت مركز استلهام بالنسبة إلى العديد من الباحثين الذين اعتمدوا بصورة عن الزمن السردي وحاولوا تطبيقه على نصوص مختلفة([108])..
ولا بد من التنويه إلى أن اعتمادنا الأساسي في بحث الزمن سيعتمد على ما أرساه جيرار جينيت في كتاب "خطاب الحكاية" من مقولات زمنية تتعلق بعلاقات الترتيب والديمومة والتواتر مع الأخذ بآراء غيره من الباحثين إذ دعت الحاجة.
1- أدبية الزمن في حكاية بحّار
علاقات الترتيب:
هذه التقنيات السردية يتشكل على أساسها الزمن القصصي الذي يغاير زمن الأحداث، بانزياحه ضمن السرد وهذه التقنيات هي:
ابتدأ حنا مينا رواية حكاية بحّار، باستعادة ما سبق أن حدث في الماضي، ومن يقرأ الرواية يجد أن معظمها استرجاع أحداث من الماضي من بداية القصة حتى نهايتها. تقول الشخصية الرئيسة: " كان سعيد حزوم يستلقي على الرمل الحار.. كان يفتح عينيه ويغمضهما، ويشد بجسمه على الرمل كما لو أنه يود أن يغوص فيه. وقد قال في نفسه: " وداعاً أيها البحر" قال أيضاً: " عليّ أن أودعه كبحار"([109])..
لقد استرجعت الشخصية ما حصل معها، أثناء وجودها على الرمل مستلقية، مودعة البحر. وكذلك عادت الذاكرة بالشخصية الرئيسة إلى الوراء، لتسترجع جوانب ما كان يقوله والدها، عن البحر وحياة البحارة. تقول الشخصية الرئيسة: " وقلت لأبي: هل رأيت بحاراً كلّمه البحر؟" قال: لا، وإنما سمعت ذلك من أشياخنا البحارة تناقلوه أباً عن جد، وعرفوه بالتجربة، وتمنوه كليلة القدر، ودقوا صدورهم العارية في ابتهالات لا تنتهي كي يحدث ذلك لهم فلم يحدث، لكنهم في ليالي السفر الطويلة يحلمون بأن البحر جاءهم.. في صورة شيخ، بشعر أزرق، ولحية بيضاء، وعيون من فيروز..." ([110])
يتضمن هذا الإسترجاع نتيجة واضحة تفضي إلى أن البحر قد شكل شيئاً لهما في حياة (سعيد) وأبيه (صالح)وكل البحّارة، فحاولوا تشخيصه بشتى الطرق وكأنّه إنسان يبادلهم المشاعر ذاتها والحب نفسه والوفاء الأبدي، ونرى ذلك في هذا الإسترجاع أيضاً، فإن سعيداً يسأل والده أيضاً عن كيفية نيل رضا البحر، وهذا دليل على استعباده والعياذ بالله، أو وكأنه والديه ويرجو رضاهما. تقول الشّخصيّة الرّئيسة: " قال والدي: ربما حصل ذلك ولكن للبحر معياراً غير معيار البشر، وحكمة لا ندركها نحن" قلت: وكم من السنين على البحّار أن يقضي في البحر حتى يبلغ رضاه؟ قال: هذا لا يتوقف على العمر بل على العمل"([111]).. هذه الإسترجاعات المذكورة وغيرها الكثير قد انتشرت في حنايا الرواية ذات دلالة إجتماعية نفسية وجودية، أوحت لها الإشارة إلى معرفة أن البحر قد مثل الحياة بالنسبة إلى البحارة، وما يرجونه من هذه الحياة هو الرضا والمحبة والوفاء.
وهذا ما كان يبغيه مينا أن يظهره في حنايا هذه القصة وقد أدت هذه الاسترجاعات داخلياً كانت أم خارجياً إلى إيصال خدمة نظرة الكاتب والشخصية معاً.
لقد ذكر الروائي أحداثاً في سياق هذه الرواية، قد خالف زمن السّرد وتجاوز الحاضر، ومنها عندما كان سعيد يبحث عن والده في أعماق البحر، فتمثل نفسه في تلك اللحظة أنه سيغدو وحيداً، وسيفارقه، تقول الشّخصية الرّئيسة: "لو لم أجده لعشت ولو أملاً كاذباً. الآن أنا والحقيقة، أنا والجثة وغداً أكون وحيداً أفارقه إلى غير لقاء([112])..
وتابع الرّوائي الإستباق، مخالفاً زمن السرد عندما تحدث عن بكاء الزوج والأخوة عند سماعهم موت أبيهم تقول الشّخصية الرّئيسة: " مهمتي في الباخرة انتهت،عليّ أن أستعيد نفسياً للقاء أمي. سأقول لها: " جئتك بوالدي" ستبكي أمي وتولول. سيبكي إخوتي أيضاً. وسيتراكض الجيران، هذه ليلة للسهر لا للنوم. سنمدد الجثمان وسط البيت"([113]).. لقد استبقت الشخصية الزمن الواقعي، لأنها كانت تخاف أن ترى والدها ميتاً وجثته في قاع البحر، وتريد أن تكذب هذه الحقيقة. ونجد استباقاً آخر، عندما تملّص سعيد من الفتاة الصغيرة التي تسأله عن السمك وألوانه، فهو لا يحب الكذب، وقد كذب عند قوله أن السّمك متعدّد ألوان، ولا يريد أن يطيل بكذبه أكثر. تقول الشّخصيّة الرّئيسة: "أنا مشغول الآن.. اذهبي سأناديكي حين أعود...
- لا تتأخر.
- لن أتأخر
قالها وقبلها وربت على كتفها ويصرفها. وحين غادرته أحس أنه يكذب من جديد، وأنه لو بقي معها سيكذب أكثر، وتساءل كيف العمل كي لا يكذب الكبار على الصغار؟... استدار قاصداً المقهى، صمم على الرحيل الليلة بالذات.. في الصباح لا يجدونه في خيمته.. سيتوقعون أشياء لا تخطر على بال، أقلها أنه ذهب إلى المدينة في الصباح الباكر، أو أنه غرق.. أوجدت له حادث غامض، وبعضهم قد يرتاح، لأنه تخلص من شخص غريب الأطوار، وربما تفقدوا محافظ نقودهم.. غير أن النساء سيحدسن على نحو مغاير، فيرجعن السبب إلى السباق([114])..
لقد استبقت أحداثاً جمّة ستحصل في حال غيابه وعدم عودته، وما سيقولونه عنه وما ستؤول إليهم الحال، وكل هذا لأنه كذّب على الفتاة الصغيرة فقرر الرحيل وعدم العودة لعدم تكرار فعلته والتورط أكثر في الكذب. ومن هنا نجد أن الاستباق، ارتبط باستراتيجية الرواية وهدفها أن البحار لا بد من أن يمتاز بصفات متعددة ولا بد من أن يكون مخلصاً في كل شيء، بمحبته، بتصرفاته بحديثه، بوفائه...
يقوم الكاتب باختيار ما هو ذو دلالة خاصة من الأحداث أمام السرعة في القصّ، لأنه يمكن أن يسرد بصفحات متعددة مدة لا تتعدى الدقيقة الواحدة، وهذه التقنيات لها وظيفة أساسية فنية، تهدف إلى إبراز دلالات يسعى إلى تحقيقها الكاتب.
لقد أوجز الكاتب مرحلة زمنية محددة وجدها غير جديرة باهتمام القارئ ولا تؤثر في سيرة الرواية وأحداثها. فالقصة التي امتدت على مساحة ثلاث مئة وسبع وخمسين صفحة قد استخدم الراوي هذه التقنية مرات عديدة.
قالت الشخصية الرئيسة: " عليّ أن أودعه كبحار. لقد انتهى كل شيء الآن. لم يعد الماء ملعبي ومملكي. كابرت كثيراً، ورفضه تقبل هذه الحقيقة، وأصررت على أنني لن أحرم، وسأظل ذلك البحار الذي كفته، لكن الأعوام الطويلة، أوهنت قواي وصار علي منذ الآن، أن على الشاطئ وأخوض في الماء بمقدار، سأسبح كما يفعل الآخرون، وقد أذهب في العمق قليلاً، لكنني لن أكون فارس البحر بعد اليوم([115])..
لقد اختزل الكاتب مدة زمنية غير معروفة (الأعوام الطويلة) في أربعة أسطر وقد اقتصر على ذكر ما قاله عن نفسه بأنه لم يعد يليق بأن يكون بحاراً، فهو جلّ ما يستطيع فعله السباحة كما يفعل الآخرون، لأن الشخصية هرمت وكبرت في السن ولم يعد باستطاعتها القيام بأعمال البحارة وهي حزينة على ذلك، ولذلك فإنّ التّلخيص قد سلّط الضوء على هذا الأمر، لأنّ ما يهمّ الكاتب هو إخبارنا بذلك وأيضاً ما تريد أن تخبرنا إياه الشّخصية الرّئيسة.
وفي موضع آخر، نلتمس تقنية التّلخيص قد استخدمها الكاتب عندما اختزل مدّة زمنية غير معروفة (ساعات) وهم في طريقهم إلى الشاطئ، قد تحدثوا كثيراً ولكن ما حصل أثناء رحلتهم وما تحدثوا به، لم يذكره الكاتب لأن جلّ ما كان يريد إيصاله هو أن النساء قد برقت عيونهن لإعجابهن به، وهذا دليل نفسي على الشخصية، أنها تريد أن تكون مصدر إعجاب وكأنها فتى في مقتبل العمر، بحارٌ يمتاز بكل صفات البحّارة. تقول الشخصية الرئيسة: " قبل ذلك، فيما هم على الطريق، تحدث عن البحر طويلاً، كانوا قافلة من السيارات، وكان في السيارة التي يركبها، يتحدث إلى من معه عن البحر... وقد برقت عيون النساء ومن ينظرن إليه بإعجاب([116])..
وكذلك نجد الروائي " حنا مينا" قد اعتمد تقنية التخليص، فقد اختزل وحذف ساعات لم تعرف ما حصل فيها مع الشخصية لأن ما يهمه هو وصف حال السابحين وما فعله سعيد من تعليم الذين لا يعرفون السباحة.
تقول الشّخصيّة الرّئيسة: " ثم أفطر وقصّ على الطفلة حكاية صغيرة عن البحر، وحملها ونزل بها الماء. في الضحى امتلأ الشّاطئ بالنّاس. بدأ الصّخب والضّجيج المألوفان، وشرح المستحمّون بالسّباحة. كان عليه كما يليق ببحار قديم، أن يقوم بمهمته قياماً حسناً، لا بتعليم الذين لا يعرفون السّباحة فحسب([117])..
وفي مكان آخر، تجد الكاتب قد اعتمد التلخيص، فقد اختزل مدة زمنية غير معروفة، لم يذكر فيها ما حصل أثناء الليل. تقول الشّخصية الرّئيسة: "استرخى في استلقائه على الرمل، وراح يتابع انعكاسات الضوء الفضي على الموج المتكسر على الشاطئ حتى غلبه النعاس فنام. في اليوم التالي أشرقت عليه الشمس وهو نائم مكانه على الرمل، ابتسم للشمس ما ان فتح عينيه([118])..
ومن هنا نجد أن الكاتب قد حصل معه أحداث كثيرة ، أي ساعات كاملة مرّت وقد مدّها القاص في سطور قليلة، لأن ما يهمه هو تسليط الضوء على ما يسعى إليه، وهو أن الشخصية لا ترتاح ولا تشعر باسترخاء إلا عندما يقبل الليل ومعه صديقه البحر.
إن تقنية المشهد مناقضة لتقنية التلخيص، وذلك لمعرفة التفاصيل والوقوف عند جزئياتها، وهذه التقنية تكسر رتابة الحكي. وفي رواية " حكاية بحار" قد أدّى الحوار دوراً مهماً في تقنية المشهد، لأن الرواية بكاملها قائمة على الحوار الذي دار بين الشخصيات، على رأسهم سعيد والطفلة يقول الكاتب: " قبل ذلك، فيما هم على الطريق، تحدث عن البحر طويلاً، كانوا قافله من السيارات، وكان في السيارة التي يركبها، يتحدّث إلى من معه عن البحر كما يتحدث ملك عن مملكته، وقد برقت عيون النساء وهن ينظرن إليه بإعجاب، وقالت طفلة وهي تستلم لأحضانه في نوع من الإطمئنان:
- هل البحر كبير يا عماه؟
- كبير جداً يا بنيتي.
- بحجم السماء؟
- وأكبر!
فنظرت الطفلة إلى السماء وابتسمت. كانت هذه كبيرة إلى درجة لا تحد، وكان البحر قد صار أكبر من السماء في خيالها، وهي لا تعرف شيئاً أكبر منها.
- وماذا في البحر؟
- في البحر كل ما في البر... جبال ووديان، أشجار وغابات، سهول وتلال، مقابر وكهوف...
- قالت الطفلة دهشة ومسرورة وفيه سمك أحمر؟
- قال سعيد:
- سمك أحمر، فضي، وأصفر، وأخضر، ومن كلّ الألوان"([119])..
لقد أورد الكاتب هذا الحوار الذي أدى دوراً مهماً في تبيان أهمية البحر بالنسبة إلى سعيد والطّفلة، فالبحر هو مصدر السعادة والفرح لكليهما. وكذلك الأمر، فإننا نجد في حوارات أخرى جرت بين سعيد وباقي الصّحب، مشاعر الحب والتعلق الشديد بالبحر ظاهرة وواضحة من خلالها.
تقول الشخصية الرئيسة: " قالت سيدة أخرى:
- من رأى عروس البحر إذن؟
- بعض الصيادين. يقال أن عروس البحر تعشق انسياً، وفي بعض الليالي تخرج من الماء وتمشي على الشاطئ، وقد تتمدد على الرمل فتنام، فإذا أشرقت عليها الشمس عجزت عن الحركة والعودة إلى الماء، وعندئذ يصطادونها.
- وماذا يفعلون بها؟
- يفتتون بها. يحافظون عليها، ويبذلون حياتهم إرضاءً لها إذا طلبت منهم ذلك.
- ولماذا لا يتزوجونها؟
- لا يستطيعون.. شرطها للزواج أن يذهب معها الصياد إلى مملكة أبيها في أعماق البحر،..
- ولماذا لا يذهبون معها إلى مملكة أبيها؟
- لأن الإنسان الذي ولد وعاش على هذه الأرض، لا يقوى على مغادرتها السمكة تحب البحر، والإنسان يحب الأرض، وهذه هي المسألة.
- من يحب امرأة يخضع لها... السمكة وفيه كالإنسان بل أكثر وفاء من الإنسان.
- وماذا تعشق عروس البحر في الصياد؟
- شبابه، الإنسان أجمل المخلوقات في الشباب...
- أنت تعشق عروس البحر كما يبدو فكيف تقول أنك لم ترها؟ صمت سعيد"([120])..
من هنا نجد أن هذا الحوار قد أوضح أهمية البحر بالنّسبة إلى سعيد، وكذلك فإنّ عروس البحر نجواه وحبّه، ولكن ما يعترض طريق هذا الحبّ_العمر_ لأنّ سعيداً في مكنونات نفسه حزين فقد كبر في السنّ ولم يصلح لأن يحبُّ ويُحَبُّ... وفي موضع آخر، نجد أن تقنية المشهد قد ظهرت من خلال حوار آخر، جرى بين سعيد والصّحب، أثناء حديثه عن قصّة الخاتم والمرأة التي رآها داخل المخزن وأعجب بها.
تقول الشّخصيّة الرّئيسة: " كان القمر يتوسّط السّماء الآن، والبحر يواصل تدحرجه على الرّمل، وهديره الحلو يعطي إيقاعاً مغرياً بالسّهر،والدّنيا صيف، والسّماء صافية، مضاءة بألف فضي أليف.
- ما أغرب هذه القصة. تكاد لا تصدق.
- وقال آخر:
- غرائب البحر كثيرة.
ولاحظ سعيد أنّ بعض السيّدات انسحبن، واستمعن إلى بقية القصّة من داخل خيمة قريبة... وقال: اعذروني... فقد أسأت الأدب بصراحتي الكاملة... وقال الرّجل الحلف الذي جاء في أول الليل إلى خيمته: كان عليك أن تنتبه لوجود.. ولم يكمل الجملة... وقال الرّجل الآخر، المثقف، والد الصّغيرة: لا يهمّ... في الكتب تروي الأشياء بتفصيل أكبر، وكلنا تقرأها"([121])..
أراد الكاتب من خلال هذا الحوار وهذه التقنية أن يظهر المشاعر الجياشة التي كانت تعتري سعيداً تجاه تلك الفتاة وهذه المشاعر جعلته لا ينتبه إلى التّفاصيل الدّقيقة للعلاقة القائمة بينهما، وهنا صورة واضحة عن أخلاق الأشخاص وتربيتهم.
إن هذه الأمثلة القائمة على الحوار بين الشّخصيّات لتصل في خواتيم الرّواية إلى عبرة أو مثل يبغي الكاتب إيصاله إلى القارئ، ليتّخذه في حياته ويستفيد منه أو ليعرف عالم البحر والبحارة وشخصيّاتهم.
لقد لجأ الكاتب إلى هذه التقنية لوصف البحر والسّابحين والنّسوة (عرائس الماء) وسعيد يتوسّط هذا الوصف والجمال، وقد وصف الكاتب بحره وصفاً دقيقاً مفصّلاً. تقول الشّخصية الرّئيسة: "نحن لا نتكلم عنك. أنت، عدم المواخذة، وحش بحر... أنت لا تخاف يا أبا سعيد. لا أحد لا يخاف... الشجاع نفسه يخاف. لكنه يقاوم هذا هو الفرق... قاوموا أينما كنتم.. هذا ما علتني إياه الحياة... يقول ذلك، أو ما شابه. ويصمت ويبدو مأخوذاً مع تيار شعوري خاص، كأنه يسترجع، في مثل هذه الأوقات ومضات من عالم آخر ليحلّ الضوء ذرات في مائه، وينفتح قاعه عن خضرة عجيبة، سندسية تتفرق في أرجائها كائنات، وتقوم تضاريس، وتتقاطع خطوط صخرية، ذات كوى ومغائر، وتنبت حشائش وتتشقّق أكمام ورد أبيض، ويجلس هو في الوسط، ملكاً متوجاً من حوله عرائس الماء يغنين بأصواتٍ رخيمة، تتضوأ قدودهن، وتتمايل، عبر الشفوق المائية، أجسامهن الممشوقة، الجميلة كأجسام الآلهة ويميل النهدان، في كل صدر، بشكل منفرج، والحلمات، من توثب، خناجر عنبية، مزروعة وسط شقوق مكوّرة من بللور... ومع أنه لم يكن يفصح عن مشاعر من هذا النوع... إلا أن رومانتيكية شباب غارب ما تزال تسيم تصرفاته.. يمارس أمنيات نابعة مما يسمح من حكايات البحر([122])..
فقد قطع الكاتب الحوار الذي يدور بين سعيد والصّحب، إي وصف البحر والنسوة ما يختلج في قلبه من مشاعر ورؤى وأحلام. لقد ركز الكاتب على وصف هذه المشاعر، وتوقّف أمام تفاصيلها، بهدف خدمة هدف موافقة، القائمة على تبيان المشهد العام للبحر وما يحصل فيه وعليه ودعوة إلى محبته وزرع الشوق للعيش في تفاصيله، وكذلك تبيان ما يختلج في قلب الشخصية الرئيسة (سعيد) من مشاعر وشوق اتجاه حياة البحّارة والغوص في أسرارها وعيش تفاصيل حياة الشباب، لأن سعيداً يفتقدها كثيراً.
وفي موضع آخر، نجد الكاتب استخدم الحوار ليلجأ فيما بعد إلى وقف السّرد ويصف حال فوزية وما آلت إليه حالها النفسية والجسديّة، وليرجع من جديد إلى استكمال ما حصل في هذا يقول الكاتب: " ولم يكترث لما حطمه من صحون وأقداح، لكن شبعو جاء إليها، إلى طاولة صالح، وحاول جرّها إلى طاولته بالقوة.
- يا عاهرة، تأخذين مالي وتذهبين إلى غيري.
- أنا لا آخذ مالك... أنت لا تملك مالاً أصلاً... كلّ ما تكسبه تنفقه على السكر.
- أنفقته عليك...
- فشرت قحبة
- وصفعها بوحشية...
صرخت فوزية من الألم. كانت عزلاء ولم يستطع الخدم إنقاذها من يديه. عندئذ تدخل صالح... عمد إلى تهدئة شبعو وتخليص فوزية من يديه.
- اهدأ يا شبعو! صاح محتداً.
- دعها ولا تتدخل يا صالح.
- ولكنها امرأة... لا تخجل؟
- أنا أخجل... أما أنت.." ([123])..
إن الكاتب قد وقّف الزمن ووقف عن السّرد، ليصف الحال النفسية وليقدم العبرة للقارئ ولشبعو، وكذلك ليصف شهامة الرّجل المحافظ والذي يعرف أن المرأة لا تضرب ولا تهان ويجب مساعدتها مهما كان الأمر، وأيضاً من أجل وضع القارئ ضمن الإطار العام الذي تم من خلاله السّرد فيتعايش تفاصيل الرواية ويتواجد في مكانها وزمانها.
لقد استخدم الكاتب تقنية القفزة ليخدم استراتيجية العامة في بنية نصّه الرّوائي. وهكذا أسقط سنوات عديدة، لم يذكر فيها ما جرى من أحداث، لأنه اعتبر ذلك غير مهماً وسيكون عبئاً على إستراتيجيته في المتن الروائي.
ونقع على مثال، من تقنية القفزة في رواية "حكاية بحّار" عندما قام سعيد بافتعال مشكلة مع السّاقي في المقهى وقد قام الكاتب بقفز مرحلة زمنية، لم تعرف ما حصل خلالها من أحداث، لينتقل إلى وصف حال سعيد وهو موجودٌ داخل الخيمة والليل قد أسدل ستائره.
تقول الشخصية الرئيسة: "ولم يقل سعيد شيئاً. مدّ يده ونحى القدح، فلما فتح الساقي الزجاجة قبض عليها بقوة، ورفعها إلى أعلى فإذا ما فيها من سائل يجري في شدقه المفتوح... أطفئت الأنوار على الشاطئ. الخيام أسدلت الستائر على الأبواب، ولم يبق ساحراً إلى القمر في السماء، وسعيد حزوم، أمام خيمته على الأرض... وتوقف الغناء الذي كان ينبعث من آلة تسجيل مفتوحة على مدى الصوت([124])..
وفي وضع آخر، لقد وظف الكاتب القفزة مرّة أخرى، ليعطينا فكرة عن طبيعة حياة البحارة وما جرى مع سعيد من قصص عن البحر وبطولاته.
تقول الشخصية الرئيسة: "قال سعيد: خلال عملي في البحر، على احدى السفن الشحن، تعرّفت إلى معظم مرافئ العالم. كانت السفينة من عابرات المحيطات، تتسع لحمولة كبيرة جداً، وتضطر إلى الرسو أسبوعاً أو أسبوعين، بينما يتم التفريغ والتحميل. وكانت الأيام نقضيها على البرّ ممتعة، فالبحار يمكث طويلاً على ظهر السفينة المبحرة، لا يرى غير السماء والماء، ولا يفعل سوى العمل والأكل، محروماً من رؤية اليابسة محروماً.." ([125])..
ومهما يكن من أمرٍ، تجد أن حنّا مينا قد أجاد التّعاطي مع علاقات الديّمومة، وسلط الضوء على التقنيات الأربعة مما يضع هذا العمل في المستوى اللائق، فقد وظّفها الرّوائي كلّها وخدمت إستراتيجيته في المتن الرّوائي، وقد تصرّف بالزّمن بما يتلاءم ونظراته إلى الواقع الذي عاشه وعايشته الشّخصيات وطبيعة البشر التي عايشته وعايشت غيره.
3- علاقات التواتر في رواية خنّا مينا "حكاية بحار
يحدد جينيت التواتر السّردي بأنه علاقات التكرار بين الحكاية والقصّة([126]).. وهي تتركز في أربع علاقات تنتج ثلاثاً من الحكايات: الحكاية التفردية والحكاية التكرارية والحكاية الترددية.
وتعني الحكاية التفردية حسب ما يرى جينيت أن يروي مرّة واحدة ما وقع مرّة واحدة، أو أن يروي مرات لا متناهية ما وقع مرات لا متناهية، أما الحكاية التكرارية فتعني متغيرات أسلوبية أو تنويعات في وجهة النظر، والحكاية الترددية أخيراً هي النمط الذي يُروي فيه مرّة واحدة وقع مرات عديدة أو لا نهائية([127])..
ويسمي تودوروف هذه الأنواع من التواتر بالقص المفرد وهو الحكاية التفردية، والقصّ المكرر وهو الحكاية التكرارية، والقصّ وهو الحكاية الترددية([128])..
وبينما يعدُّ جينيت وباحثون آخرون أن التواتر هو "مظهر من المظاهر الأساسية للزمنية السّردية([129]).. فإن هناك من يرى أن : " التواتر عنصر قائم على جسر بين ما يخصّ مقولة الزمن وما يخصّ الأسلوب([130]).. بل هناك من ينفي تماماً صفة الزمنية عن التواتر مشيراً إلى أنها "طبع من طباع الخطاب القصصي"([131]).. لا أكثر.
ولا ريب أنّ هناك مفاهيم تتداخل في مقولات النّصّ الأدبي ومن بينها مفهومها الزّمن والأسلوب اللذان يشكّلان وجهي التّواتر، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر باسترجاعات واستشرافات تواترية، ولا شي يمنع عندئذ من دراسة التّواتر في وجهيه.
وسنقوم بدراسة التواتر في قصة "حكاية بحار"
أ- التواتر الانفرادي/ الحكاية التفردية:
في هذه الرواية، تقع على غير مثال الخطاب الذي يكون وحيداً ويحكى مرّة واحدة. منها قول الكاتب على لسان الشّخصية الرّئيسة: "كان يفتح عينيه ويغمضهما، ويشدّ بجسمه على الرّمل كما لو أنّه يودّ أن يغوص فيه. وقد قال في نفسه: "وداعاً أيها البحر". قال أيضاً: "عليّ أن أودعه كبحار"([132])..
لقد أناط الكاتب بالشّخصية الرّئيسة في حكاية بحار دوراً مهماً في توضيح رؤيته إلى ما حوله وعصره. وشخصيّة سعيد هي أنموذج عن شخصيات عصره وتفكيرهم وصورة عن طبيعة حياتهم المعاشة ومتطلباتهم وحاجاتهم ودوافعهم وتمنياتهم، إنّ الشّخصية الرّئيسة، قد تقدمت في السن وهي لا تجد نفسها بعد صالحة لأن تكون بمصاف البحّارة، لأنّ البّحار بحاجة إلى القوة الجسدية والروح الشباب على الرغم من أن عشقه للبحر يفوق كل عشق وهذا دليل على حبّ الأرض والعمل والوفاء لهما.
لذلك قامت الشّخصية بوداع البحر وكأنها تودّع حبيباً غالياً على قلبها وهي مجروحة. ولعلّ هذا التّواتر الإنفرادي قد أدى دوره لإيصال الدّلالة المقصودة غير الإيحاء.
ب- التواتر التكراري/ الحكاية التكرارية:
يجد الرّوائي إن من الضرورة أحياناً أن يأتي على ذكر حدث واحد من أحداث الرواية، غير مرّة في نصّه الروائي، وذلك للتّعبير عن الهواجس والمخاوف، أو التطلّعات التي يشير إليها الحدث، وهذا التّكرار المقصود يوحي بدلالات معيّنة يهدف إليها الروائي.
ومن الأمثلة على ذلك قول سعيد على لسان الشّخصية الرّئيسة: " وكان البحر أمامه قد غدا منبسطاً رحيباً ترفّ عليه آخر ظلال النور وهذا عالمه، هذه دنياه ومرتع صباه... إن روحاً غريبة ستطوف بالبحر ليلاً... هو، سعيد حزوم، يعرف هذه الروح"([133])..
وفيما بعد قالت: "ومن العبث أن تتحدث إليه عن مشاعرك الخاصة، مشاعر إنسان حيال البحر، وفي ليلة مقمرة كهذه، وفي هذا الجوّ الرّائع الذي أفسده بأسئلته الغبية والحاحه الفظ([134]).. وكذلك قالت فيما بعد: " في هذه الحالات يصبح سعيد مستعداً أن يقول للبحر الكلمات وأحرّ الصّراعات"([135])..
كرّرت الشّخصيّة أمر حبّها للبحر وعشقها لمائه، فإنّها تجد راحتها النّفسية أمامه ومعه وفيه، وتحسبه كإنسان تعبّر عن مشاعرها تجاهه. وهذا تنويه بأهميّة الإخلاص للعمل والإنتماء إلى الوطن.
ج- التّواتر النّمطي/الحكاية التّردديّة:
إن هذه التقنية الفنّية تتضمن " حالاً من التكثيف السّردي للزّمن الطّويل الممتد، الذي تشعر به الذّات([136]).. وهذا التكثيف يتطلّب إيحاز الأحداث النّمطية التي تتكرر يوميّاً أو كلّ مساء، أو كلّ شهر في جملة واحدة تعبّر عن هذا الزّمن المتكرّر الذي تمرّ به الشّخصية.
يمكننا الوقوف أمام هذا المثل من التواتر النّمطي. تقول الشّخصية الرئيسة: "أما سعيد فقد قصد "البار" رأساً كان يفضل على "كازينو" كهذا، مقهى شعبياً، إلا أن الأوادم الذين جاء معهم أمس، فرضوا عليه أن ينزل في هذه البقعة من الشاطئ، وأن يلتزم شيئاً من السّلوك المهذب، فلا يأتي بالخمرة من الخارج، بل يطلبها من بار الكازينو"([137])..
هذه السّطور توحي بتكرار ما يقوم به سعيد يومياً، غير مرّة، لجعل الشّخصية قادرة على استئناف الدّور المنوط به والذّهاب يومياً عند المساء إلى المقهى أو الكازينو لتناول الخمرة،وهذا دليل على تبيان حالة وعيشة البحّارة، فإنهم يحالون نسيان مشاكلهم بهذه الطّريقة ،معتبرين بذلك يستطيعون تغيير الواقع ربما، أو الهروب من الواقع المرير الذي يعيشونه.
مهما يكن من أمر، فإنّ التواتر، بأنواعه التي قدمت قد أسهمت في الكشف عن خبايا التفكير والوضع الإجتماعي المعاش في تلك الآونة من الزّمن، كذلك تسليط الضّوء على أن ما يحلم به إنسان ذلك العصر، وليس أي إنسان، ذلك البحار الذي يعرّض نفسه للخطر والمغامرة ويسعى إلى تأمين لقمة عيشه بكده وتعبه وهذا الأمر من الأمور التي تعدّ من الحقوق الإنسانية.
كشفت دراستنا حكاية بحار للروائي "حنا مينا"، عن طبيعة هذا الجنس الأدبي وخصائصه الفنية، وأبعاده الدّلالية، وذلك بالإستناد إلى بعض التقنيات والخطوات المنهجية المستمدّة من مقولات المنهج السيميائي، وأفرزت عن مجموعة من النتائج التي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
- لقد عرفتنا هذه الرّواية عن طبيعة وأحوال السّوريين وخصوصاً الطّبقة الكادحة، التي تعيش في الإسكندرونة/ اللاذقية، من خلال العلاقة القائمة بين البحار والبحر، وحالة العشق التي تغمر قلوبهم، فهي حالة صداقة ومحبة ووفاء. الشّخصيات في الرّواية قد تحدثت عن الموضوع الذي يناسبها ويناسب رؤيتها إلى العالم وإلى المحيط الذي يدور من حولهم. عرض "حنا مينا" أحوال البحارة وظهرت عيشتهم، وجاء العنوان للدّلالة على طبيعة حياة البحار التي يعيشها مع البحر والأصدقاء والجيران والصّحب.
- كان حضور الزّمن الماضي مهيمناً على الرّواية بوصفه رمزاً لزمن القوّة، الضّعف، السّيطرة، الإستغلال، العشق، المغامرة، التّحدي، المواجهة، فالزّمن هو الذي نظم عملية السّرد، واستطاع مينا أن يرصد مظاهر الصّراع بين الزّمن والإنسان، وكذلك قد فعلوا دور الزمن لخدمة رؤياهم وتقريب ملامح العصر الذي عايشوه، من مبدأ أي الزّمن يمثّل "روح الوجود الحقّة"، يساهم في عملية خلق الكون الذي يحوي الشّخصيات ويشكّل وجودهم ويمارس فعله فيهم بحركته، سواء أكان ماضياُ أو حاضراً أو مستقبلاً، وعرض رؤية خاصة للواقع، وذلك من خلال تسريع حركة الزّمن أو تعطيلها. وقد قدّم الزّمن الدّلالي صوراً مختلفة من مظاهر الحياة العامة، وكشف عن الفساد السّياسي والتّسلط والإستبداد والجور، طبيعة التفكير واستخدام الحيل من أجل كسب لقمة العيش، وكذلك الكشف عن الدّروس الحياتيّة والحياة المعاشة آنذاك.
- يساهم المكان في حكاية بحار، في ظهور رؤية المؤلف التي أقبلت على الكتابة، لقد ظهرت (الإسكندرونة/حي الشرادق/اللاذقية) الأمكنة التي عبّرت عن الشّخصيات وخصوصاً الشّخصية الرّئيسة (سعيد) من خلالها عن رؤية الكاتب التي أراد إيصالها إلى المجتمع، وغدت الأمكنة، مقدماً للرّاوي، وكاشفاً عن همومه ورؤيته إلى العالم من حوله.
- مثلت رواية "حكاية بحّار" مجالاً خصباً تزاحمت فيه خطابات متعددة، فيها الإجتماعي، النّفسي، الفلسفي، الديني، السّياسي الأدبي، فكان حضور هذه المجالات حضوراً بارزاً في النّصوص والقصص، وذلك لانتاج خطابات أيدولوجية عملت على دراسة الأفكار، (أي مدى صحة أو خطأ الأفكار التي تحملها الشخصيات والتي تتلاءم مع العمليات العقلية لأعضاء المجتمع، وتأسست على رؤية الرّاوي لعصره.
- أثبت بقاء واستمرار روايات "حنا مينا" في العصر الحالي (الحديث) قدرتها على الصمود في تمثيل رؤى الرّاوي ورؤيته الإستشراقية للمستقبل وتأمله لذلك الزمن (الحرب العالمية الأولى) عله يحمل ما يحقق آمال رجال تطلعت إلى غدٍ أفضل.
- استطاع الراوي أن يقدم رسالته إلى القارئ عصر الحاضر، في أدبي إحيائي جمل بعض ملامح العصر القائم آنذاك وحركة يقظة الوعي الإنساني في عصره، الذي نمّي في الإنسان الشعور بالمواجهةـ المجابهة، الصبر، التغيير، مساعدة الفقير، الإصلاح، حب الوطن والأرض باعتبار أن كل عصر له أمته وكيانه وتاريخه.
كانت هذه خلاصة ما توصلنا إليه من نتائج، وكلنا أمل في أن يفتح هذا البحث الرغبة في طرق جوانب أخرى في هذا الفن الذي يعدُّ من أروع ما جادت به قريحة الأدباء العرب ومن ذلك موضوع التناص الذي يعدُّ من أبرز الموضوعات المهيمنة على الرّوايات ودلالتها.
البنيّة السردية في رواية حنّا مينا "الزمان والمكان 2
ج- جدلية العلاقة بين الزمن والمكان السرديين: 12
الفضاء المكاني في رواية "حكاية بحار" 16
أولاً- لمحة عن مضمون الرواية: 17
أ- أهمية المكان في النص السردي: 17
د- علاقة المكان بالعناصر السردية الأخرى: 22
وللوصف وظائف ينهض بها في النص السردي هي: 26
ثالثاً : ظهرت في الرواية مجموعة من الفضاءات الجزئية التي شكلت مكونات الفضاء الكلـي فيها وكان من أبرز هذه الفضاءات (البحر): 27
تمثيل المكان في رواية (حكاية بحّار): 34
أ- المكان الواقعي/غير الواقعي: 34
3- وظيفة المكان في رواية "حكاية بحّار": 46
أ- الوظيفة التوثيقية ودلالات التوثيق: 46
ب- الوظيفة الايهاميّة ودلالات الإيهام: 47
ج- الوظيفة التفسيرية ودلالات التفسير: 49
4- علاقة المكان بالرؤية في "حكاية بحار" 51
أ- علاقة المكان وانتاج رؤية الكاتب: 51
رابعاً: الفضاء الزمني في رواية " حكاية بخار" 55
1- أدبية الزمن في حكاية بحّار 59
3- علاقات التواتر في رواية خنّا مينا "حكاية بحار 73
أ- التواتر الانفرادي/ الحكاية التفردية: 74
ب- التواتر التكراري/ الحكاية التكرارية: 75
ج- التواتر النمطي/الحكاية الترددية: 76
[1]() نشر مينة روايته الأولى المصابيح الزرق سنة 1954،أما روايته الثانية فكانت الشراع والعاصفة،وقد نشرها سنة 1966 .أما روايات عالم البحر فكثيرة أهمها؛ ثلاثية حكاية بحار(1981) الدقل(1982) والمرفأ البعيد (1983)
[2]() بدأ حنامينة حياته الأدبية كاتب قصة قصيرة،وقد نشر قصة بعنوان على الأكياس(1976)يتحدث فيها عن مرحلة صعبة جدا في حياته تعود إلى سن الثانية عشر ة حين بدأ يعمل حمال في الميناء ثم كاتباً صغيراً، انظر مجموعته القصصية، الأبنوسة البيضاء،ص85-45.
[3]() كما ينعكس ذلك في رواية الياطر
[4]() حكاية بحار، ص163
[5]() انظر: والاس مارتن، نظريات السرد الحديثة، ترجمة: حياة جاسم محمد، منشورات المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة ١٩٩٨ ،ص ١٥
[6]() نفسه،انظر: ص ٣٣
[7]() تزفيتان تودوروف، الشعرية...، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، منشورات دار توبقال، الدار البيضاء، ط٢،١٩٩٠،ص٢٣.
[8]() عبد االله إبراهيم، السردية العربية، بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي، منشورات المركـز الثقافي العربي، بيروت، ط٢،١٩٩٢ ،ص
[9]() عبد االله إبراهيم، موسوعة السرد العربي، منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيـروت، ١٠ ص، ٢٠٠٥ ،١ط
[10]() نبيلة إبراهيم، فن القص في النظرية والتطبيق، منشورات مكتبة غريب، القاهرة ، ص١٦
[11]() نبيلة إبراهيم، فن القص في النظرية والتطبيق، منشورات مكتبة غريب، القاهرة ، ص١٦
[12]() م. ن. ص. ن
[13]() فلاديمير بروب، مورفولوجية الحكاية الخرافية، ترجمة: إبـراهيم الخطيـب، منـشورات الـشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط – الدار البيضاء، 1986
[14]() عدنان بن ذرّيل، النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ٢٠٠٠، ص 26
[15]() عدنان بن ذريل، النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ٢٠٠٠، ص27
[16]() م. ن. ص29
[17]() مجموعة مؤلفين، نظرية المنهج الشكلي... ص١٥.
[18]() حميد لحمداني، بنيه النص السردي من منظور النقد الأدبي، منشورات المركـز الثقـافي العربـي، بيروت، ط١ ،١٩٩١ ،ص١٢.
- البويطيقا والشعرية وفن الشعر والإنشائية تؤدي جميعها معنى واحداً هو Poetics ،وقد اسـتخدمت لفظـة البويطيقا عند أكثر من باحث مثل عدنان بن ذريل في مرجع مذكور والسيد إبراهيم فـي كتابـه: نظريـة الرواية، دراسة لمناهج النقد الأدبي في معالجة فن القصة، منشورات دار قباء، القاهرة، ١٩٩٨ .أما لفظـة الإنشائية فقد استخدمت حسب ما يقول الباحث محمد القاضي في تونس بينمـا اسـتخدمت الـشعرية فـي المشرق العربي والمغرب الأقصى، انظر: محمد القاضي، تحليل النص السردي بين النظريـة والتطبيـق، دار الجنوب، تونس، ١٩٩٧ .
[19]() عدنان بن ذريل، النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص 76
[20]() رولان بارت، نقد وحقيقة، ترجمة: منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، منشورات المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء ، ط١ ،١٩٩٤ ،ص١٦-١٧
[21]() عدنان بن ذريل، النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق... ص ٨٣.
[22]() جيرالد برنس، المصطلح السردي ((معجم المصطلحات))، منشورات المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٣ ص٨
[23]() م. ن . ص144 - 145
[24]() مجموعة مؤلفين، نظرية المنهج الشكلي... ص180
[25]() مجموعة مؤلفين، نظرية المنهج الشكلي... ص180
[26]() جيرار جينيت، خطاب الحكاية ((بحث في المنهج))، ترجمة: محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حلّي، منشورات المجلس الأعلى للثقافة، ط ٢ ،١٩٩٧ ،ص ٣٨.
[27]() م. ن. ص 158
[28]() ناهضة ستّار، بنية السرد في القصص الصوفي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق ٢٠٠٣، ص٨٠.
[29]() ميخائيل باختين، أشكال الزمان والمكان في الرواية، ترجمة: يوسف حلاق، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ١٩٩٠ ،ص٥
[30]() م. ن. ص 6
[31]() حسن نجمي، شعرية الفضاء السردي ((المتخيل والهوية في الرواية العربية))، منشورات المركـز الثقـافي العربي، بيروت- الدار البيضاء ط١ ،١٩٧٧ ،ص٦٥.
[32]() .أمندلاو، الزمن والرواية، ترجمة بكر عباس، منشورات دار صادر، بيروت،١٩٩٧ ،ص٢
[33]() سيزا قاسم، بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ، منشورات الهيئة المـصرية العامـة للكتاب، ١٩٨٤ ،ص٧
[34]() إنريكي أندرسون إمبرت، القصة القصيرة: النظرية والتقنية، ترجمة علي إبـراهيم علـي منـوفي، منشورات المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٠ ،ص٢
[35]() حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي الفضاء، الزمن، الشخصية، منشورات المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، ط١،١٩٩٠ ،نقلاً عن بورونوف، ص٣٣.
[36]() خالد حسين حسين، شعرية المكان في الرواية الجديدة ((الخطاب الروائي لادوارد الخراط نموذجـاً، كتـاب الرياض، عدد(٨٣ ،(أكتوبر - منشورات مؤسسة اليمامة الصحفية، الرياض ٢٠٠٠ ،ص٦
[37]() حسني محمود، من بحث بعنوان: المكان في رواية زينب – الواقع والدلالات، مجلة الموقف الأدبي، منشورات إتحاد الكتاب العرب، عدد ٣٤٣ ،١٩٩٩ ،ص٤
[38]() سيزا قاسم، بناء الرواية دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ، منشورات الهيئة العامة المصرية للكتاب، ٧٦،٧٥ص، ١٩٨٤
[39]() حسن نجمي، شعرية الفضاء... ص٤٢ ،عبد الرحيم مراشدة، الفضاء الروائي، الرواية في الأردن نموذجاً، منشورات وزارة الثقافة، المملكة الأردنية الهاشمية، ٢٠٠٢ ،ص٥٥ ،عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، عالم المعرفة عدد/٢٤٠،/منشورات المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ١٩٩٨ ،ص١٤١، ١٤٢.
[40]() عبد الرحيم مراشدة، الفضاء الروائي – الرواية في الأردن نموذجاً... ص٢٤٥.
[41]() سعيد يقطين، قال الراوي: البينات الفضائية في السيرة الشعبية، منـشورات المركـز الثقـافي العربـي، بيروت- الدار البيضاء ط١ ،١٩٩٧ ،ص ٢٤٠ ١٤٢.
[42]() سمر روحي الفيصل، الرواية العربية، البناء والرؤيا... ص ٧١.
[43]() عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية... ص ١٤١.
[44]() حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي... ص٥٣ وما بعدها.
[45]() سيزا قاسم، بناء الرواية... ص٧٦.
[46]() خالد حسين حسين، الشعرية المكان في الرواية الجديدة... ص١١٠-111
[47]() حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي... ص٣
[48]() خالد حسين حسين، شعرية المكان في الرواية الجديدة... ص١١٤ - 115.
[49]() خالد حسين حسين، شعرية المكان في الرواية الجديدة... ص 77
[50]() حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي... ص ٧٨.
[51]() سيزا قاسم، بناء الرواية،... ص٨١ ،٨٢
[52]() جيرالد برنس، المصطلح السردي... ص٥
[53]() محمد عبد المطلب، بحث بعنوان: تداخلات الرؤية والسرد والمكان في رواية هالة البدري((منتهى))، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، عدد ٤ ،ربيع ١٩٩٨ ،الجزء الثاني، ص ٣١٧ ٣ جيرارجينت، خطاب الحكاية... ص١١٢.
[54]() جيرار جينت، خطاب الحكاية... ص١١٢.
[55]() سيزا قاسم، بناء الرواية... ص٨١
[56]() حميد لحمداني، بنية النص السردي مـن منظـور النقـد الأدبي... ص ٧٩ - سيزا قاسم، بناء الرواية... ص٨١-٨٢ - خالد حسين حسين، شعرية المكان في الرواية الجديدة... ص١٣١ -حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي... ص 176
[57]() حول بعض هذه الروايات "البحرية" انظر ياغي، 1999، ص 73 - 65
[58]() عطية، 1981، ص145.
[59]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 20
[60]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 20.
[61]() انظر شكري، 1980، ص 235.
[62]() حنا مينا، حكاية بحار ص31.
[63]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 24.
[64]() م. ن . ص24
[65]() م. ن . ص25
[66]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 63 - 64.
[67]() حنا مينا،حكاية بحار،ص 64.
[68]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 70.
[69]() حنا مينا،حكاية بحار، ص 74.
[70]() حنا مينا، حكاية بحار ص 144 - 145.
[71]() حنا مينا، حكاية بحار ص 152.
[72]() حنا مينا، حكاية بحار ص 159.
[73]() حنا مينا، حكاية بحار،ص 165 - 166.
[74]() حنا مينا، حكاية بحار ص 15.
[75]() م . ن. ص 15.
[76]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 19.
[77]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 20.
[78]() حنا مينا، حكاية بحار ص 45 - 46.
[79]() حنا مينا، حكاية بحار ص 58.
[80]() حنا مينا، حكاية بحار ص 163.
[81]() حنا مينا، حكاية بحار ص 159.
[82]() حنا مينا، حكاية بحار ص 64 – 65 - 70.
[83]() حنا مينا، حكاية بحار ص 78 - 80.
[84]() حنا مينا، حكاية بحار ص 87.
[85]() حنا مينا، حكاية بحار ص 120 – 123 – 126 - 127.
[86]() حنا مينا، حكاية بحار ص 136 - 137.
[87]() حنا مينا، حكاية بحار ص 132 – 136 - 137.
[88]() حنا مينا، حكاية بحار ص 92.
[89]() حنا مينا، حكاية بحار ص 100 – 101 – 102 – 103.
[90]() حنا مينا، حكاية بحار ص 9.
[91]() حنا مينا، حكاية بحار ص 12 – 13 - 14.
[92]() حنا مينا، حكاية بحار ص 15 - 16.
[93]() حنا مينا، حكاية بحار ص 20.
[94]() حنا مينا، حكاية بحار ص 227
[95]() حنا مينا، حكاية بحار ص 25.
[96]() عبد الحميد المحادين، التقنيات السردية في روايات عبد الرحمن منيف، منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ط1 عـ 1999، ص 61
[97]() سيزا قاسم، بناء الرواية – مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، ص 26 - 27
[98]() حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص111
[99]() رولان بارت، الكتابة في درجة الصفر، ترجمة محمد نديم خشفة، منشورات مركز الانماء الحضاري، ط1، 2002، ص 40.
[100]() رولان بارت، مدخل إلى التحليل البنيوي للقصص، ترجمة منذر كياني، منشورات مركز الانماء الحضاري، ط1، 1993، ص 54.
[101]() تزقتيان تودوروف، الشعرية..، ص 47.
[102]() حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص114
[103]() ميشيل بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد انطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، ط1، 1971، ص101
[104]() جان ريكاردو، قضايا الرواية الحديثة، ترجمة: صياح الجهيم، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ط1، 1977، ص249.
[105]() تزفيتان تودوروف، الشعرية، ص 48 – 49 - 50
[106]() جيرار جنيت، خطاب الحكاية، ص 46 – 47.
[107]() سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، منشورات المركز الثقافي العربي، بيروت – دار البيضاء، ط1، 1989، ص 76.
[108]() م.ن. ص 81.
[109]() حنا مينا، حكاية بحار، ص1
[110]() حنا مينا، حكاية بحار،ص 351.
[111]() م.ن، ص 352.
[112]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 254
[113]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 355
[114]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 60 – 61 - 62
[115]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 7
[116]()حنا مينا، حكاية بحار، ص 10
[117]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 26.
[118]() م . ن . ص .ن.
[119]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 10 - 11
[120]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 11 – 12 – 13 - 14
[121]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 140 - 141
[122]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 145 - 146
[123]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 155
[124]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 72 – 82.
[125]() م . ن ، ص 105 – 106.
[126]() جرار جنيت، خطاب الحكاية ص 129.
[127]() م. ن . ص 130 – 131 – 132.
[128]() تزفيتان تودوروف، الشعرية، ص 49.
[129]() جيرار جنيت، خطاب الحكاية، ص129
[130]() يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، منشورات دار الفاربي، بيروت ط2، 1999، ص 87
[131]() عبد الوهاب الرقيق في السرد، ص84
[132]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 7
[133]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 18 – 19 – 20.
[134]() م.ن، ص 95 – 96.
[135]() م.ن، ص 103.
[136]() مراد مبروك، الزمن في الرواية المعاصرة، ص46
[137]() حنا مينا، حكاية بحار، ص 64
أ.د. هويدا شريف