مناجاةُ أنثى

في غلس اللّيل العميق، وقد هبّ النّسيم معطراً بأنفاس الفجر الأولى، نهضت من مقصورتها وصعدت إلى سطح بيتها ووقفت طويلاً تنظر إلى البيوتات الهاجعة في سكينة اللّيل، وإلى قبور من هم تحت التّراب.

رفعت رأسها وكأنّما قد تجمّعت حواليها أرواح أولئك النّائمين القابعين المستيقظة بين يدي الخالق وقالت:

“يا من تركتموني وحدي أصارع الحياة وأهازيجها، وأنتم بين يدي خالقكم، كم أشتاق لكم، للّمة من حولكم، لربيع قلوبكم الذي كان نابضاً بالحياة، لقد كنت أترنّم في جنانكم وفي صيف قلبي الصّغير كنت أحرس بيادركم وأتلقفها منكم نصائح لدنياي، تملأ رؤياي بالحنين والطّمأنينة.

يا من نسيتموني أو تتذكّرونني، إنّ المحبّة في فؤادي تخاطبكم مسوقة بسياط ذاتها، وكبريائي قد رقص أمامكم متعفّراً بغبار خيبته مذبوح بآلامه، وتعطّشي لمحبتكم ونصائحكم وإلفتكم قد ثار ثائره على السّطح، إنّني أسألكم صفحاً وشوقي يركع صامتاً لأنّكم بجوار ربّ رحيم جبّار.

واأسفاه!! إنّ أذانكم كليلة صمّاء، وأفواهكم خاشعة أمام حضرة البارئ، أعذركم لأنّكم لا تواسونني فكيف ذلك، وأنتم صرعى الأمان والطّمأنينة، وترتشفون شراب المحبة من القدح الربّاني، إنّه نهر فيّاض لا تظمأ حتّى ترتوي، فارتواؤكم يجعلني أتوسّل إليكم شفاعتكم عند خالقي لربما يسمع دعاءكم دعائي.

أريد أن أعصف كالعاصفة في اللّيل، وأرعد في آذانكم لأنّني في حاجة ماسّة لمساعدتكم والنّظر الى طفلتكم التي تركتموها بأمر من ربنا، ولكن اشتياقي لكم ولهفتي إلى ضمّكم هي لهفة ومحبّة متسوّل جائع قد تعوّد التقاط فتات دعائكم، بل هي لهفة ضعيف حقير، يسأل رضى الله تعالى عبركم.

محبتي محبة مفرطة، محبة أعمى، لا يرى إلا جميلاً، ينقاد قلبي وحده إليكم ويسلك الفطنة تجاهكم، لا تجعلوا نزف دمائي من عروقي والخطوط التي ترسمها في سيلها على جلدي النّاصع أن يقضي عليّ، فهناك طفل قد غرز أنامله فيّ وما تزال ظاهرة في لحمي خوفاً من الفراق.

فأنا من أجفّف قرائحه، وأسحب العلقم في فمه ولكنّه لا يعرف عاري وفراغ ذات يدي. وأنا شاعرة مقلّدة، أستعير قيثارة الشّعراء لأضرب عليها بأصابعي العمياء كرماً ولطفاً.

أناجيك يا موجوداً في كلّ مكان، أن تتلمّس منهم سبيلي في الظّلام وأنر عليّ دنياي ودنيا أطفالي ولا تجعلني أتساءل عن مصير غدي أكان مفعماً بالحبور أو الفتور.

أشفق على هذه الأنثى المتعطشة وكأسها مملوءة أبداً لأنك سرّها، فيا حبذا لو تسمع نطقاً يعبّر عمّا في صمتكم.

أ.د. هويدا شريف

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *