حنيني

حنيني

إشارة من المحبة أتبعها مع إن مسالكها صعبة متحدرة،فأضمها بجناحي وأطيعها حتى وإن جرحني السيف المستور بين ريشها ،هذه الإشارة تخاطبني فأصدقها وإن عطل صوتها أحلامي وبددها كما تبدد الرياح الشمالية قزعات الغيم البيضاء.

حنيني

يكللني حيناً ويصلبني أحياناً أخرى ،ينميني على الدفء ويقلمني ويستأصل الفاسد مني ،فيرتفع إلى أعلى شجرة حياتي ليعانق أغصانها اللطيفة المرتعشة الخائفة أمام وجه النهار ،وينحدر إلى جذورها الملتصقة بالتراب ويهزها في سكينة الليل.

حنيني

من قلب الله وفي قلبه ،يكمل نفسه بنفسه ،يذوب رقراقاً كجدول من العسل يتدفق في القلوب مليئاً بالعطف اللامتناهي ،وجْده يناجي النفوس المطمئنة ،ويشكر مرتلاً أنشودة الحمد والثناء المرتسمة على شفتيه لمن أحب وأعشق.

حنيني

يحوّل التنافر والخصام إلى وحدة وسلام،يسكن النفس البشرية ويسير في بحر الأمل والعطاء ،ناشراً ورود حنينه ليتدفق الدم في وتين من يعيش من أجله ولأجله ،لأنه حنيني ولهيبي الذي يتأجج ليفني نفسه لإراحة نفسه.

حنيني

يعنو للتضحية ومن التضحية،يشاطر الروح همومها وسلامها وسكينتها وصفاءها حتى يقول حنيني حينئذ في قلبه :”إن الحياة ومن أعطاني معنى الحياة يستريح فيّ عزيزاً خالداً كالعنقاء”.

حنيني

نسمة من العشق ،يعلن عظمة الحبيب في قلبه ،يخشع أمام لطفه وعينيه،فهو دليله وقائد تحركاته وآرائه وأنفاسه،يقيس زمان حياته غير المحدود بجانبه الذي لا قياس له،يعين حنيني على مسالك روحه على مقتضى الساعات والفصول .

حنيني

روحي التي تعيش من أجله ،محصورة في صميم كيانه تنتقل من فكر المحبة إلى فكر المحبة ،تعانق الماضي بالتذكارات والمستقبل بالحنين والتشوقات لا ينقسم ولا يستقصى.

حنيني

أنشودة سحرية ،حريّ بذاته ،زهرة رغباتي وثمرتها ،فهو العمق الذي ينشد علواً عميقاً ،جناح قد أفلت من قفصه في فضاء حرّ طليق في حدود ثنايا الروح.

حنيني

يخالط روح الحنين فيتعرف على صور غير مألوفة غير معتاد عليها ،فيرى استحقاق الاحترام ومنحه فريضة .

حنيني

رعشة أنفاسي المتصاعدة تجاه الأحبة،فيستلقي على أهدابهم وحتى جوف قلوبهم ،ليستمد منهم الحنين الذي يقتات منه من أجل استمراريته وديمومته ،فيلبس حنيني حلة اللفظ وكياسة المعنى.

حنيني

يتشوف إلى سماع صوت الأحبة الهابط في قلبي منذ وجودهم ،فهم الكنز المطمور في أعماقي سينقب في ساعة لا يعلمها إلا الله وتفتح أبوابه أمامي.

حنيني

يسبر غور الإبتسامة في فم الباسم بقياس غير محدود لأنها كنزه وذاته الباحرة التي لا وزن ولا قياس لها.يغرف حنيني منها الألفاظ والعبارات من خلال الأفكار والتأملات .فيطوي حنيني نفسه مع ذاته كالبشنين[i] ذي البقلات التي لا يحصى عديدها.

حنيني

لا يمشي على خيط أو حبل ،بل ينمو كالقصبة في وجه الأيام فهو شبكة تلقى في بحر الحياة ولا يمسك إلا غير النافع،ليحيي أيامه ولياليه بصيده الوفير حتى ليجد صباحه في الندى العالق بالصغيرات ،فينتعش ويستعيد قوته.

حنيني

بيتي داخل أسوار الحب،يقي حياتي كالمظلة في الصحراء ،يرافق نومي بالأحلام ،يحمل عطر الأرض في طيّات ثوبه ،يرتفع بالقلب في مصنوعات الخشب والحجارة إلى الجبل المقدس المفعم بالحفاوة الصامتة التي تظهر الذات الشديدة العزم المستترة في الأعماق.

حنيني

حريري الملمس ،شفاف الرؤية والرؤيا ،يهدئ من حدتي يضحك من حواسي المدركة ،ينحر أهواء النفس في كبدها فيرديها قتيلة ثم يسير في جنازتها فاغراً شدقيه مرغياً مزْبِداً.

حنيني

لك وإليك ومعك وعليك وسيكون جفناً لعينيك وغشاء براقاً يغطي جراحيك. سيقطن في منزل سمائك الذي بوابته سحابة صباحاته ونوافذه سكون ليله وأناشيده.

فيا من أنت منه ويصبو إليك .

أ.د. هويدا شريف


  • البشنين: نبات عشبي مائي من فصيلة النيلوفريات (عرائس النيل عند المصريين).

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *