الفضاء القصصي العربي زماناً ومكاناً

مقدمة:

ظهر في الساحة الأدبية العربية على وجه الخصوص الساحة(اللبنانية،السورية ،الفلسطينية ) كمٌّ من المؤلفات خاصة منها قصصاً،بعدما رجحت كفتها نظراً لامتلاكها مزايا التأثير في المجتمع المعاصر،لأنها تعد أقدر الأجناس الأدبية تعبيراً عن الواقع،واستيعاباً لمختلف قضاياه إذ لقيت اهتماماً واقبالاً خاصة من قبل الأدباء والقراء على حد سواء،فعمل الروائيون على ترقيتها وتطويرها وتحديد عناصرها الفنية قصد استكمال صرح القصة وتنويع محاور كتاباتها،فاعتمدت تقنيات جديدة في الكتابة ،كما تنوعت الأبحاث المهتمة بها كونها الجنس الأكثر غنىً  من الناحية الدلالية والفنية الجمالية،ومن هذه الأبحاث ما اهتم بعنصري المكان والزمان باعتبارهما من أهم عناصر البناء القصصي أو الروائي،لدرجة يصعب فيها حضور باقي العناصر المشكّلة للعمل القصصي بدونهما، إذ لا يمكن تصوير أحداث تقع في “اللامكان”أو “اللازمان” أو شخصيات تعيش خارج حدودهما ،لأنه ببساطة لا وجود للحياة من دون مكان أو زمان .

ويرى بعض الدارسين أن العمل القصصي أم الروائي حينما يفقد الزمكانية،فهو يفتقد خصوصيته وبالتالي أصالته.

ومن هنا اكتسب كل من الزمان والمكان أهميتهما في العمل القصصي،ليس بحكم كونهما أحد عناصره الفنية الرئيسة ،والعنصران اللذان تجري فيهما الاحداث وفي فضائهما تتحرك ضمنهما الشخصيات فحسب، بل لأنهما يتحولان في العمل القصصي المتميز إلى فضاء يحوي كل عناصر ذلك العمل والعلاقات القائمة فيما بينهما،ويمنحاها المناخ الملائم التي تتفاعل فيه الشخصيات وتعبر عن وجهة نظرها،وانطلاقاً من هذه الأهمية يتحول كل من المكان والزمان من مجرد كونهما عنصرين من عناصر العمل الى الهدف من وجود العمل كله ، كما يستمدان دورهما البالغ الأهمية في العمل القصصي،كذلك من أهميتها في الواقع الإنساني،نتيجة الإرتباط الوثيق بين “الزمكان” و”الانسان” منذ القدم .وهذا ما يجعل من الزمكان من أهم العناصر التي تشكل جمال النص. إذ إن المكان الجغرافي ينبني على لغة لتشكل النص عبر الجمالية المكانية،وكذلك مع الزمان حيث تبرز تعامل القاص مع العنصرين وجوانب رؤيته لهما،والأهداف المتوخاة من ذلك .ويعد اختيار نماذج من روائيي العالم العربي كأمثال إميلي نصرالله،زكريا تامر،ويوسف حطيني هم من هؤلاء الذين اهتموا بالزمكان صياغة ودلالة،إذ جسدوا أحاسيسهم المرهفة بالمكان والزمان من خلال ربطهما ببقية عناصر البنية السردية .

ومحاولة للتعرف على أهم ما ميز توظيف الروائيين لتقنية الزمان والمكان في قصصهم،لذا سيكون عنوان البحث هو ” الفضاء القصصيّ العربيّ الحديث “، زماناً ومكاناً، وهو عنوان واسع يحتاج إلى الكثير  من الوقت والدّراسة المعمّقة، إذ لا يمكن دراسة القصص العربيّة الحديثة كلّها، ويستدعي هذا أن اختار نماذج من القصص موزعة على بعض البلدان العربيّة. ولقد اخترت

من لبنان إملي نصرالله من خلال مجموعتها الموسومة بعنوان “ جزيرة الوهم “.

من سوريا زكريا تامر من خلال مجموعته ” الرّعد “.

من فلسطين يوسف حطّيني من خلال قضيته أنياب زرقاء.

وسأتناول في ما يلي بناء كلّ من الزّمان والمكان في هذه المجموعات :

مهاد نظري:

أ . بناء الزّمان :

إنّ الحديث عن  بناء الزّمان في العمل القصصيّ يستدعي منذ البداية، البحث في مفهوم الزّمن. لقد انشغل الفكر الإنسانيّ بهذه المقولة منذ أقدم العصور وحتّى يومنا هذا، وكانت وجهات نظر المفكرين إليها متعدّدة.

وإذا عدنا إلى تعريف الزّمان معجمياًّ فإنّنا نجد تعريفه بوصفه ” اسماً لقليل الوقت وكثيره، والزّمن والزّمان العصر، والجمع إزمن وازمان وأزمنة “([1]).

إن هذا التعّريف لا يقدّم معنىً شافياً يمكن أن يحسم دلالات هذه المقولة.

وإن في تحليل اللّغة جلاء للتصوّر الحقيقيّ لمفهوم الزّمن، وبالأخص ” في أقسام العقل الزمنيّة التي نظر إليها في تطابقها مع تقسيم الزّمن الفيزيائيّ إلى ثلاثة أبعاد: الماضي، الحاضر، المستقبل”([2]). وفي الحقيقة، لا تزال مقولة الزّمن تتّخذ أشكالاً متعدّدة، وعلى وجه الخصوص إذا نظر إليها من بعد فلسفيّ، بحسب اتجاه الباحث أو المفكّر.

ويجرّنا الحديث عن مفهوم الزّمن عامّة إلى الحديث عن الزّمن القصصيّ.

1- الزّمن القصصي ّ:

إن أكثر الأنواع الأدبيّة التصاقاً بالزّمن هو القصّ، لأنّه يشكّل عاملاً محورياً تتولّد من خلاله عناصر التّشويق والاستمرار والإيقاع فيه، ولأنّه ” حقيقة مجرّدة ثابته، قويّة غامضة مبهمة، لا تحدّها حدود، ولا تعترض سبيلها عقبات، ولا تتأثّر بأعمال النّاس وعواطفهم([3]). وإذا كانت هذه الحقيقة الثّابتة تحظى بمثل تلك القوّة والتّأثير في حياة النّاس فإنها ليست كذلك دائماً في العمل القصصيّ، لأنّها تخضع للتّعديل الذي يراه الكاتب مناسباً لرؤيته العامّة.

ولعلّ ما يمكن الرّكون إليه هو التّحليل القائل إن هناك زمنين متغايرين :

أوّلهما هو الزّمن الفزيائيّ الذي يعيشه كل فرد وفاق أحواله. وهو الزّمن الحدثيّ، ” وهو زمن الأحداث الذي يغطّي حياتنا بوصفه متتالية من الأحداث([4]). وهذا الأخير هو ما نعرفه نحن بالزّمن. والثّاني هو الزّمن اللّسانيّ الذي يقع على الطّرف المقابل لما سبق، وهو الذي ” لا يمكن اختزاله في الزّمن الحدثيّ أو الفزيائيّ “([5]).

لقد اقترن المفهوم النفسيّ للزّمن بحياة الإنسان الداخليّة، عند الفلاسفة وعلماء النّفس، الذين يعتقدون ” أنّ الزّمن الموضوعيّ المطلق يدرك من تتابع حركة المادّة، وهو مقولة من مقولات الذهن([6])، وهذا تأكيد لاقتران الزّمن بحياة الإنسان الداخليّة كما سبق القول، وعلى هذا يتحدّد الزّمن بموجب معطيات الذّات([7]).

يقترب “برغسون” من هذه المقولة إذ اقترب مفهوم الزّمن النفسيّ عنده من المفهوم الأدبيّ ([8]). إن هذا يثبت أن مقولة الزّمن قد لامست النّتاج الإنسانيّ، بعد أن تجاوزت جانب التّنظير، انطلاقاً من النّفس الإنسانيّة، وعودة إليها.

2- الزّمن والخطاب :

إن الكلام هو خطاب وحكي، والخطاب هو الكلام الملفوظ الذي يشترط باثاً ومستقبلاً، يؤثّر فيه الأوّل على الثّاني. والحكي يتميّز بكونه قصّاً لأحداث وقعت في الماضي، تقدّم في زمن ما، بدون تدخّلٍ من المتكلّم.

وهناك تنوّع كبير في الخطاب، وقد يستخدم في الحكي مع الكتابة، وفي الكلام الشفويّ أيضاً، وربّما يكون هناك حكي في الخطاب، عندما تسترجع أقوال الشّخصيّات، أو عندما يتدخّل أحدٌ ما لتقويم الحدث المحكيّ.

هناك من ميّز بين زمن القصّة وزمن السّرد وظبطهما معاً، من خلال محورين متوازيين، في الأول منهما زمن القصّة، وفي الثاني زمن السّرد.

وفي سبيل توضيح ذلك تمّ التّركيز على سرعة السّرد، في محاولة لدراسة علاقات الديمومة، بحسب طبيعة الحكي، وكذلك الإشارة إلى الحوار والأسلوب غير المباشر، والتّحليل السيكولوجيّ، وتأثير ذلك كله في سرعة السّرد.

أ- الزّمن من منظور الشّكلانيين الرّوس([9]).

لما كانت نظرية البنائيّة في طور تبلورها، فقد وجّه أصحاب هذه المدرسة عنايتهم إلى الجوانب البنيويّة في الخطاب الأدبيّ. ثم وجد منظّرو هذه الدّراسة أن هناك ضرورة للتّمييز بين المتن الحكائيّ والمبنى الحكائيّ، وهذا الأخير ” يتكوّن من الأحداث نفسها، لكنّه يراعي نظام ظهورها في العمل، كما يراعي ما يتبعها من معلومات تعينها”([10]).

إنّ ما قدّمته هذه المدرسة يمكن تلخيصه بالقول إنّه ينبغي أن يتمّ التّركيز على طريقة ظهور الحدث في العمل القصصيّ، وعلى الخطة لكيفيّة هذا الظهور بحسب تتابعه.

إذا كانت الحوافز التي تترتّب بحسب تتابعها الزمنيّ هي المبنى الحكائيّ المتجلّي في العمل القصصيّ، فإنّ ظهور المتن الحكائيّ يتجلّى متتابعاً وفاق السّبب والنّتيجة. وارتكازاً على العلاقة الجدّليّة بين هذين العاملين، فإنّ نوعيّة هذه العلاقة تساعد الكاتب على تقديم أشكال متعدّدة للتجلّي الزمنيّ في العمل القصصيّ.

إنّ ما قدّمته المدرسة الشكلانيّة من أفكار قد شكّل مادّة غنيّة لمجموعة من الدّراسات اللّاحقة، أفاد منها من جاء بعدهم من الباحثين، فخطت خطوات واسعة على طريقة التّطوير.

ب – تزيفتان تودوروف (T. Todovor) ومفهوم الزّمن :

ميّز هذا الباحث بين القصّة والخطاب، عندما سعى إلى بلورة جملة من المفاهيم في أثناء تحليله الخطاب الأدبيّ([11]). رأى تودوروف أن زمن الحكاية خطي، بمعنى ما، وإنّ زمن القصّة متعدّد الأبعاد. ووجد أن هناك أشكالاً متعدّدة، من خلال التّضمين أو التّسلسل، أو التّناوب من خلال العلاقة بين هذين الزّمنين. فالتّضمين يشير إلى قصّة هي الأصل، تستوعب قصصاً فرعيّة تحكي ضمنها، كما في قصص ألف ليلة وليلة. أمّا التّسلسل فيعني تتابعاً لقصص أو أحداث متعدّدة. ويكون التّناوب عندما تحكى قصتان في آنٍ معاً، وتترك كلّ واحدة، لتستأنف القصّة الأخرى وهكذا…

لقد وضع تودوروف أكثر انسجاماً مع غيره من العناصر التي تؤثّر في الخطاب الروائيّ، وخطا بمفهوم الزّمن الروائيّ خطوات إلى الأمام، إذ ميّز بشكل فعّال بين زمن الكتابة وزمن القراءة([12]). فالأوّل أدبيّ عندما يتمّ إدخاله في القصّة، والثّاني يدرك ضمن مجموع النصّ.

ج – جيرار جينيت (G. Genette) ومفهوم الزّمن :

أولى هذا البحث عناية كبيرة للزّمن في العمل الروائيّ، في كتابه ”كتاب الحكي”([13])، ورأى أنّ الزّمن لا يمكن أن يرهن إلا أثناء القراءة وطرح فكرة وجود زمنين : زمن الشّيء المحكيّ، وزمن الحكي، وبنى عليهما زمن الدّال وزمن المدلول. ثمّ رأى أنه يمكن دراسة العلاقة بيه هذين الزّمنين: الأوّل هو زمن الحكي الزّائف، والثّاني هو زمن القصّة، بموجب محددات ثلاثة اقترحها، وهي :

  • علاقات التّرتيب الزمنيّ، فقد وقف أمام تتابع الأحداث في المادّة الحكائيّة وبين ترتيب الزّمن الزّائف، واستخرج منهما علاقات التّرتيب الزمنيّ. وأضاف إلى إمكانيّة الإنتقال من وحدة زمنية إلى أخرى يعزى إلى إظهار أكثر من شخصيّة واحدة رئيسة. و”ترك الخطّ الزمنيّ الاوّل للتعرّف إلى ما تفعله الشخصيّة الثّانية في أثناء معايشة الأولى حياتها”([14]).

ويقصد هنا بهذه العلاقة ترتيب الأحداث. وما يؤخذ على هذه العلاقة أنّ التّرتيب ليس ممكناً دائماً، بسبب من وجود المفارقات السّردية. وبناءً على هذه العلاقات يمكن استنتاج طائفة من العلاقات الزمنيّة كالاستباق، والاسترجاع، وسوف يرد تفصيل هذه العلاقات الزمنيّة في فقرات  قادمة، وتحدث جينيت (Genette) عن نوع آخر من المفارقات المركّبة أو المزدوجة، وهو ما يمكن تسميته بالإرجاعات الإستباقيّة والإستباقات الإرجاعيّة.

  • علاقات الديمومة، ورأى إليها تتغيّر عبر الأحداث أو المقاطع الحكائيّة وكذلك المدّة الزّائفة التي يرى إليها أنّها طول النصّ، وعلاقة هذا الطول بالحكي، أي علاقة السّرعة التي تتضمّن موضوع مدّة الحكي.

هناك غير إشكاليّة تواجه التحكّم بنوعية العلاقات على مستوى المدّة، وصعوبة قياسها ففي الحوار مثلاً، يلتقي المقطع السرديّ بالمقطع القصصيّ عند نقطة الصفر. أمام هذه الحال، يجد الباحث أمامه متغيّرات متعدّدة، تتجلّى من خلال التّلخيص، والوقت، والحذف، والمشهد علاقات التوتر أو التردّد، هذه تبيّن القدرة على التّكرار في القصّة والحكي معاً([15]).

ولقد أشار اللّسانيون إلى ما يعرف ب ( الجهة) عندما كتبوا في التّواتر، أو التّكرار بين الحكي والقصّة. أما جينيت (Genette) فقد حدّد هذا التواتر بإمكانيّة حدوثه، وإعادة إنتاجه غير مرّة في النصّ الواحد، ثم يحدّد أنواع التواتر، فيرى أنّ التواتر الإنفراديّ هو الذي يحكي الحدث مرّة واحدة، والتكراريّ يكون عندما تحكي خطابات متعدّدة حدثاً واحداً، لشخصيّة واحدة أو أكثر. ولعلّ ما قدّمه هذا الباحث حول موضوع الزّمن في العمل الروائيّ قد حظي باهتمام الباحثين الذين عاصروه، أو أتوا بعده وأفاد بعض الباحثين من تنظيره، وأخذوا عنه جملة من الآراء السّديدة في هذا الموضوع. بعد هذا التمهيد التنظيريّ لمفهوم الزّمن، من المفيد أن تتمّ دراسة الزّمن ودلالاته في هذه المجموعات القصصيّة استناداً إلى دراسات جينيت (Genette) في كتابه “صور(3)، وذلك وفاق ثلاث قضايا أساسيّة، تمكن دراستها من الإحاطة بالتقنيّات الزمنيّة التي تتواشج داخل البنية القصصيّة، وهذه القضايا هي :

أولاً : علاقات التّرتيب.

ثانياً : علاقات الديمومة.

ثالثاً : علاقات التّواتر.

أولا : علاقات الترتيب:

علاقات التّرتيب في القصص الثّلاث ليوسف حطّيني، وإميلي نصرالله، وزكريّا تامر.

تعني هذه العلاقات التقنيّات السرديّة التي على أساسها يتشكّل الزّمن القصصيّ الذي يغاير زمن الأحداث، بانزياحه ضمن السّرد، وهذه التقنيّات هي :

1- تقنيّة الاسترجاع :

هي استعادة ما سبق أن حدث في الماضي. وهو ”إمّا خارجيّ عندما يفيد إستعادة ما حدث قبل بدء زمن القصّة، وإمّا داخليّ يفيد إستعادة ما حدث بعد بدء زمن القصّة وقبل بدء الحدث الذي يؤدّى”([16]).

وللإسترجاع غير وظيفة، منها أنّه يقوم بملء الفجوات التي يخلّفها السّرد وراءه، ويساعد على فهم مسار الأحداث. ومنها أنّه يكون ” لإعادة بعض الأحداث السّابقة لتفسيرها تفسيراً جديداً في ضوء المواقف المتغيّرة، أو لإضفاء معنىً جديدًا عليها مثل الذكريات، لأنّ الحاضر يضفي عليها ألواناً جديدةً وأبعاداً متغايرة ”([17]).

ومن وظائفه أيضاً، أنّه ”يطلعنا على حاضر شخصيّة اختفت عن مسرح الأحداث ثم عادت للظّهور من جديد ”([18]). وقد يلجأ الكاتب إلى إستثمار غير وظيفة من هذه الوظائف في القصّة.

2- تقنيّة الإستباق :

يمكن أن تتنافى هذه التقنيّة مع عنصر التّشويق التي كانت رائجة عند الكتّاب التقليديّن، وقد تكون تخطيطاً من قبل الشخصيّة، لما سوف يفعله في المستقبل وتعدّ هذه التقنيّة، في الأصل،” مخالفة لزمن السّرد، تقوم على تجاوز حاضر الكتابة، وذكر حدث لم يحن وقته بعد”([19])، ويمكن الوقوف على أنواع متعدّدة من تقنية الإسترجاع منها التّام، والجزئي والخارجيّ والداخليّ، وكذلك المختلط، وهذه كلّها تستخدمها بشكل يخدم غرض الكاتب.

3- تقنية التّضمين :

إنّ ما يقصد بهذه التقنيّة هو” إيراد حدث ما، أو أحداث تكون خارجة عن أحداث القصّة لآداء وظيفة ما”، وتتعدّد أنواع هذا المضمن، إذ قد يكون قصّة أو وثيقة، أو رسالة، أو نحوها. وهذه التقنيّة المقمحة في جسد النصّ تؤدّي دوراً معيّناً في استراتيجيّة الكاتب، وتخدم الغرض الذي يرمي إليه.

ثانياً: علاقات الدّيمومة :

يقصد بهذه العلاقات سرعة القصّ في العمل القصصيّ وهي بالنّظر في العلاقة بين مدّة الواقع، أو الوقت الذي تستغرقه، وطول النصّ قياساً لعدد أسطره وصفحاته ”([20]).

أمام هذه السّرعة في القصّ، يختار الكاتب ما هو ذو دلالة خاصّة من الأحداث من غير أن يغرق في التّفاصيل التي تنقل العمل. ويمكن أن يسرد الكاتب بصفحات متعدّدة مدّة لا تتعدّى الدّقيقة الواحدة. هذه التقنيّات لها وظيفة أساسيّة فنيّة، تهدف إلى إبراز دلالات معيّنة يقصد إليها الكاتب ويلجأ إلى أربع تقنيّات .

  1. تقنيّة التّلخيص :

تعرف تقنية التّلخيص بأنّها ”ضغط مرحلة زمنيّة في مقطع نصيّ قصير ”([21]).

وتستخدم عندما يجد الكاتب أنّ هناك مرحلة أو زمن ليس جديرًا باهتمام القارئ، أو تجري فيه أحداث لا يؤثّر في سير القصّة، في هذه الحال، يقترب السّرد من الخبر التقريريّ، يقدّم فيها الكاتب المشاهد والشخصيّات والإسترجاع. وهنا تكون سرعة الحدث الخبر من مساحة النصّ. ومن الممكن القول ” إنّ للرواية قواعد في استخدام السّرعات المتعدّدة للقصّ، ولكلّ سرعة وظيفتها الخاصّة بها ”([22]).

2-  تقنيّة الوقفة :

تشكّل هذه التقنيّة أبطأ سرعات السّرد، وموقعها خارج زمن القصّ، وتتمثّل ”بوجود خطاب لا يشغل أيّ جزء من زمن الحكاية، والوقف لا يشكّل حدثاً لأنّ الحدث يرتبط بالزّمن، بل يرافق التّعليقات التي يقحمها المؤلّف في السّرد ”([23]). ونجد نوعين من الوقفة أو الإستراحة في العمل الروائيّ : الأوّل هو ما يقوم به الرّاوي وهو يوقف السّرد، والثّاني تقوم به الشخصيّات، عندما تتأمّل في المحيط الذي تتواجد ضمنه، إذ يتحوّل البطل إلى سارد([24]).

من بين الوظائف التي تقوم بها الوقفة إجراء تبطىء في تقدّم القصّة، على صعيد الأحداث الخارجيّة، إلا أنّها تؤدّي إلى دفع الأمور إلى التّأزيم على صعيد داخلي وقد يكون هذا هدفاً من أهداف القصّة.

3 – تقنيّة المشهد :

هناك تطبيقات لهذه التقنيّة في القصص التقليديّة، فهي ليست إذن حديثة العهد، ويبدو أنها مستهلّة من الفنّ المسرحيّ الذي يتميّز بالعرض الدراميّ، وبأسلوبه الحواريّ. والمشهد ” آونة زمنيّة قصيرة تتمثّل في مقطع نصيّ طويل يقدّم لحظات مشحونة ويدفع بالأمور إلى الذروة “([25]).

إن سرعة الحدث في المشهد تساوي مساحة النصّ، أو تكون أكبر منها، وهذا يعني  الدّخول في التّفاصيل، وأنّ الزّمن يمرّ ببطء في أثناء هذا المشهد. ولدى المقارنة بين المشهد والتّلخيص، نجد أنّ الأوّل ”يقع في مراحل زمنيّة محدّدة، كثيفة، مشحونة، خاصّة، والثّاني يقدّم مواقف عامّة عريضة”([26]). ويتّجه القارئ إلى القاصّ في تقنيّة التّلخيص، ويستمع إلى صوته، بينما شاهد القصّة في المشهد، وكأنّه أمام المسرح الذي تتحرّك الشخصيّات على خشبته. وللمشهد غير وظيفة، منها أنّه يعطي القارئ إحساساً بالمشاركة الحادة في الفعل، إذ ليس هناك فاصل يسبق الفعل وسماعه سوى البرهة التي يستغرقها صوت القاص في أثناء قوله. من أجل هذا، يستخدم المشهد للحظات المشحونة. وهو انتقال من العام إلى الخاص، وما ذلك إلا أنّ الشخصيّة تتحرّك ،وتتكلّم،وتخوض الصّراع، وتفكّر ، وتحلم.

المقصود بعلاقات الديمومة في القصّة هو الزّمن المستغرق في سرعة القصّ، وهذه السرعة تتحدّد ”بالنّظر في العلاقة بين مدّة الوقائع أو الوقت الذي تستغرقه، وطول النصّ قياساً لعدد أسطره وصفحاته”([27]). وبهذا يستطيع القاصّ أن يقصّ بفقرة قصيرة أحداثاً استغرق حدوثها أشهراً طويلة، والعكس صحيح، إذ يستطيع القاصّ أن يقصّ بصفحات متعدّدة، ما حدث بمدّة لا تتعدّى الدّقيقة الواحدة. ويعدّ الوصف من الوسائط التي يستخدمها الكاتب لإيقاف الزّمن.

تتضمّن علاقات الديمومة مجموعة من التقنيات الفنيّة، تكون وظيفتها الأساسيّة التّركيز على دلالات معيّنة، يقصد الكاتب إليها، وإلى إبرازها. وقد جرت العادة  أن يلجأ الرّوائيّون إلى أربع تقنيّات اقترحها جينيتGenette))، وهذه التقنيّات هي : تقنيّة التّلخيص، والوقف، وأخيراً المشهد.

 ثالثا: علاقات التردّد :

إنّ تواتر الحدث، ومعدّل هذا التواتر هو ما تبحث فيه هذه العلاقات. وهي تنقسم ثلاثة أقسام في النصّ الروائيّ :

  1. التردّد الإنفراديّ : يكون الخطاب وحيداً في علاقات التردّد هذه، وهذا يعني أنّه يحكي مرّة واحدة حدثاً قد جرى مرّة واحدة.
  2. التردّد التكراريّ : يتشكّل هذا النّوع من التردّد عندما تحكي خطابات متعدّدة حدثاً واحداً.
  3. التردّد النمطيّ : وهذا التردّد يحكي مرّة واحدة، جملة من الأحداث التي قد تكون متشابهة أو متماثلة”([28]).


الفصل الأول:

تمهيد:

 ندرس الفضاء الزمانيّ لمجموعة من القصص هي : جزيرة الوهم لإميلي نصرالله، وأنياب زرقاء ليوسف حطّيني، وصهيل الجواد الأبيض لزكريّا تامر،من حيث علاقات الترتيب،الديمومة،وعلاقات التردد.

المبحث الأول :

تمهيد:

نتناول في هذا المبحث دراسة الزمان في قصة جزيرة الوهم لإميلي نصر الله.

أ- الفضاء الزّمانيّ في قصّة جزيرة الوهم )إستحقت عيشها) لإميلي نصرالله.

أ- 1 – علاقات التّرتيب.

أ – 1 – أ : كيفيّة الإسترجاع ودلالتها في قصّة ” إستحقّت عيشها “، من مجموعة قصص جزيرة الوهم لإميلي نصرلله.

إنّ العودة إلى الماضي من خلال الذّاكرة أمر طبيعيّ عند الإنسان فهو يخفّف من أعباء المرحلة الحاضرة بهذه العودة. وكذلك تنبعث الذكريات إذا ما اصطدم بواقعه الحاضر، بشكل يخالف صورة الماضي التي ترتسم أمام عينيه. إنّ هذا الإنبعاث قد يجعل الشخصيّة في مواجهة مع وضعها الحاليّ، لأنّها ربما تجد نفسها من خلال تلك الذكريّات: “هذا الهروب إلى الماضي يمثل إستمراريّة الذّات عن طريق استدعاء الذكريات ”([29]).

استعادت ”إميلي نصرالله” بعض مواقف الماضي وصورته على صفحات “إستحقّت عيشها”. هذه الإستدعاءات قد تمتدّ في هذه القصّة أحياناً، لتغطّي معظم صفحاتها. تقول الشخصيّة “كانت” حياة” رفيقتها، تشاركنا اللّعب بين الأزقّة، وتتفوّق علينا في الرّكض والصّراخ والشّيطنات الصّبيانيّة ”([30]).

ولم تكن بين فتيات القرية من تضاهيها جمال شكلٍ وحيويّة. وكأنّها بوجودها المعافى كانت تتحدّى إرادة والدها، وتنتصر لسرّ الحياة العظيم ”([31]).

وكذلك ذكرت الشخصيّة” وفي يقيني أنّها كانت تلقى تشجيعاً كبيراً من والدها الذي ظلّ يرفض الواقع والإعتراف بوجود إناث من نسله “خلال اللّحظات التالية، التقاط بقية  الحكاية، حين تعرّضت قريتنا لهجوم العدو، هبّ الرّجال، بما لديهم من سلاح، يدافعون عن شرفهم وأرضهم ولم يكن في دار “أبي ناصيف” رجل يحمل السّلاح، فابنه الوحيد نصف إنسان، وهو مقعد بسبب العجز والمرض، أمّا “حياة” فقد رفضت الزّواج، وبقيت تعمل في التّدريس لتعيل أسرتها. ولمّا وقعت الغارة كانت مستعدّة، فحملت السلاح لتدافع عن الأرض، وأبدت شجاعة أثارت إعجاب مواطنيها ”([32]).

عادت الذاكرة بالشخصيّة الرّئيسة إلى الوراء، تسترجع جوانب من حياة الطّفولة وخصوصاً عندما قالت “كانت عيناه مثل عينيّ وحشٍ هائجٍ يبحث عن فريسة ووقعت يداه على ضالّته، على المولودة الجديدة، بين يديّ القابلة. سلخها منها وأسرع إلى نافذة ترتفع بضعة أمتار عن مستوى الطّريق ثم قذفها إلى الخارج، بكل قوته”([33]).

وكذلك طريقة التّفكير التي كانت سائدة لوّنت حياة المجتمع آنذاك بالمعاناة والقساوة. إنّ رفض الأب “أبو ناصيف” لابنته ولنسل حوّاء هذا الرّفض أدّى به إلى رمي ابنته من النّافذة يكشف عن مدى سلبيّة التّقاليد البالية، التي لا تتيقّن إلّا بالصّبي الذي يحمل اسم العائلة، وعائلة “أبو ناصيف” هي واحدة من آلاف الأسر والعائلات التي تحمل نفس التفكير والتّمييز الأنثويّ الذكوريّ، ولكن ما لبثت أن ذكرت الكاتبة أنموذجاً يعارض هذا التّفكير ويدحضه بالكامل من خلال ذكرها لقصّة “حياة” التي واجهت العدو وناضلت نضال الشّجعان الشّرفاء والأقوياء وبالتّالي “أبو ناصيف” الذي رزق بطفل لم يستطع المواجهة والدّفاع بسبب المرض والعجز بينما “حياة” رفضت الزّواج لتعيل أسرتها، ناهيك عن حملها السّلاح في وجه العدو.

ومن خلال ما سبق نجد أن الإسترجاع إشارة واضحة للخطّ التقليدي السّائد، واعتبار هذه القشور جوهر الأشياء وكان لا بد من حدث هام لتتحرّك المرأة، وتقاوم لتتحدّى وتناضل مثلها مثل الشّعوب المغلوبة على أمرها، تنتظر في اللّاوعي ضربة الغيب لتنتفض وتثور لإرادة الحياة.

ويتضمن هذا الإسترجاع دلالة نفسيّة  فهو إشارة واضحة لما آل إليه التفكير من رفض الأنثى إلى تقبّلها. فالشخصيّة الرّئيسة تحاول أن تستمدّ قوّتها وتحفيزها للمضي قدماً في رحلة مواجهة التّفكير التقليديّ، ولعلّ الإشارة إلى المهمّة النّضاليّة  الّتي ذكرتها مع “حياة” هي المحفّز للإستمرار بتلك الرّحلة.

حّركت ”حياة” تيّاراً في صفوف النّساء، ونشرت دعوتها بين سائر القرى تدعو فيه النّساء إلى المشاركة في مصير الأمّة …

من هنا نجد أن الكاتبة تكمل بل تساعد حياة في نشر قصّتها لتكون مثالاً وعبرة لباقي العائلات الّتي لم تسمع بها، فكانت ”إميلي نصرالله” من بين الدّعاة الّذين يرفضون عقليّة “أبو ناصيف” فنسجت عباراتها وعقليتها بقصّة صغيرة تتضمّن أجمل معاني النّضال والتّغيير.

بناء على ما تقدّم، يمكن القول أنّ الإسترجاع قد أدّى دوراً في الدّلالة على طبيعة ونوعيّة التّفكير التي كانت سائدة، وربما لا تزال في بعض القرى ولكنّ سبل المواجهة كثيرة وستظلّ قائمة حتى قمعها ولو امتدّت لسنين طويلة.

ب _ تقنيّة الإستباق :

”إنّ هذه التقنيّة شائعة الاستخدام في القصّة الحديثة، إلا أنّها تتنافى مع فكرة التّشويق التي تشغل فكر كاتب القصّة باستمرار وهي تتّسم أحداثاً لم تقع بعد، أي هي أحداث يقينيّة وتنضوي في سياق الإيقاعيّة التي تفرضها إستراتيجيّة القصّة”([34]).

ومن المعروف أنّ الروائيّ قد يفاجأ مع القارئ، بالتطوّرات غير المنتظرة ولهذا السّبب نجد أنّ الإستباق أو الإستشراف كما يسمّى قليل الوجود في العمل السرديّ.

تستخدم الكاتبة تقنيّة الإستباق فتقول : ” وهذا يؤكد أن المرأة لم تعد وصمة عار لم تعد عالة على الرّجل، بل صارت تساويه، وتتفوّق عليه في بعض الأحيان ” وحياة ” أكبر دليل على ذلك ”([35]).

تستبق الكاتبة الزّمن الواقعيّ، لتصل إلى الحكم الكبير الذي وجد أرضيّة صلبة وترسّخ فيها في نهاية القصّة. فقد استبقت ما توصّلت إليه في نهاية القصّة بأنّ المرأة تساوي الرّجل بل تتفوّق عليه في بعض الأحيان، وإنّ المرأة تستحقّ الحياة وأن أسطورة المرأة الضّعيفة قد انطوت وسحقتها إرادة “حياة”. وهذا الإستباق يكشف عن الوجع الذي كانت تحمله الشخصيّة الرّئيسة وكذلك عن وجع كلّ امرأة تضع نفسها مكان ” حياة ” تلك الشخصيّة التي ذكرتها الكاتبة في القصّة لأنّ “حياة” ذاقت مرارة وقساوة الأب الظّالم، كما ذاقته البنات البريئات من رفقائها. وفي الوقت نفسه، يوحي بالعزم والمثابرة على تخطّي الصّعاب للوصول إلى الهدف الكبير، وهو تثبيت المرأة دورها في المجتمع ومعرفة قدرتها التي تضاهي الرّجل في كثير من الأحيان من ناحية النّضال والعمل والشّجاعة والدّفاع عن الوطن. فكانت “حياة” مثالاً حرّكت في صفوف النّساء الرّوح الثوريّة ووضعت أملاً في قلوب الآباء الذين لم يرزقوا بذكور بل فقط بإناث. فربّ امرأة خير من ألف رجل. 

1- تقنيّة التّلخيص ودلالتها في قصّة “استحقّت عيشها” ،من مجموعة جزيزة الوهم لزكريّا تامر.

إن القيمة المطلقة أهميّة المرأة ودورها في المجتمع.

ومن هنا يكون التّعويل على التّلخيص وليس للحدث بحدّ ذاته، ولهذا يسعى القاص، إلى التقاط اللّحظة، أو اللّحظات التي تعبّر عن هذه الأهميّة، ومن هنا يكون التّعديل على التّلخيص قليلاً بهدف أبعد هو توصيل رؤيته إلى القارئ, ونلحظ أنّ إميلي نصرالله قد استخدمت هذه التقنيّة. فالقصّة التي امتدّت على مساحة أربع عشرة صفحة قد تقلّص زمنها في بعض صفحات القصّة إلى سطر أو سطرين، فتختصر الكاتبة الزّمن، فتقول ” لن أحاول الدّخول في تحليل شخصيّة الرّجل، بل أكتفي بسرد الحكاية التي شغلت سكّان القرية، وظلّت حديث النّاس ردحا” من الزّمن”([36]).

” … ومرّت الأيّام، وانزلقت السّنوات، فحملتني بعيداً عن قريتنا الوادعة، والحكايات المزروعة مع آثار أقدامنا فوق الدّروب وفي السّاحات وحين عدت قبل أيّام لزيارة الأهل، لاحظت أنّ تحوّلاً جذريًّا قد طرأ على حياة النّاس واهتماماتهم، وهو ليس التغيير الطّبيعيّ الذي يفرضه مرور الزّمن : كان تبدّلاً فرضته الحرب التي حوّلت قريتنا وسائر القرى الحدوديّة الجنوبيّة إلى خطر دائم التأجّج “([37]).

قدّمت الكاتبة أيّاماً متعدّدة بل سنوات عديدة لم تذكر عددها بالضّبط في هذه السّطور القليلة. ونجد أن التّلخيص قد اقتصر على المفاصل الرئيسيّة إذ ما يهم الكاتبة هنا، هو تغير أفكار النّاس وحياتهم بعد وقوع الحرب، لأنّها إذا ذكرت ما حصل خلال الحرب بتلك القرى يحتاج إلى مجلّدات للّتعبير عن ذلك الحدث.

ولكن لجأت الكاتبة لهذا التّلخيص لأنّ هدفها الرئيسيّ لكتابة هذه القصّة، هو إلقاء الضوء على نوعيّة التّفكير التي كانت سائدة آنذاك وكذلك ما حصل “لحياة” تلك البنت البطلة التي أثبتت للجميع أهميّتها وقدرتها.

ولذلك لجأت الكاتبة لتلخيص الأحداث والأيّام التي مرّت معها قبل أن تأتي إلى القرية لتخبرنا عمّا فعلته الحرب بعقليّة هؤلاء النّاس.

وتلجأ الأديبة إلى التّلخيص أيضاً : ” ولكنّ الأيّام تبدّلت، ومعها الحكايات ولم تكن الجدّة حاضرة بيننا في تلك الجلسة “([38]).

عادت الكاتبة لتؤكّد التّغيير الذي حصل بالقرية وبأفكار أصحابها، ولم تذكر ما حصل في تلك الأيّام التي مرّت معها لأنّ هدفها هو إلقاء النّظر على أهميّة تغيير طريقة التّفكير وتطوّره نحو الأفضل، ولعلّ وظيفة هذا التّلخيص هنا تتضمّن أمراً واحداً هو أهميّة التبدّل الذي حصل ما بعد الحرب على صعيد طبيعة حياة الإنسان واهتماماته.

وما ذكر ما حدث مع “حياة” تلك الطّفلة التي أنقذتها جدّتها من الموت ولعبت معها الكاتبة أيّام الطفولة.

وبناءً على هذا، يمكن القول أنّ الأديبة قد استخدمت تقنيّة التلخيص بشكل فنيّ، لخدمة هموم الرواية، تلك الهموم التي عرفت الكاتبة كيف تعبّر عنها بنجاح.

2- تقنيّة المشهد ودلالاتها على قصّة استحقّت عيشها :

قد تكون تقنيّة المشهد مناقضة لتقنيّة التلخيص، لجهة الدّخول في التفاصيل أو الوقوف عند جزئيّاتها وتمتلك هذه التقنيّة الفنيّة قدرة على كسر رتابة الحكي، من خلال الوظيفة الدراميّة التي تؤدّيها وفي المشهد، نجد أنّ مساحة النصّ هنا تساوي سرعة الحدث أو أكبر منها بتعبيرٍ آخر، يمكن أن يمثّل المشهد انتقالاً من العامّ إلى الخاصّ، وذلك بتركيزه على المواقف النفسيّة المشحونة والتوقّف أمام التّفاصيل التي تخدم غرض القاصّ. ولعلّ من الضّرورة بمكان أن يتمّ البحث في الوقفات التي تزخر بها قصّة ” استحقّت عيشها”، للوقوف على سبب حصولها والانتقال بعد ذلك إلى تبيان وظيفتها.

شكّل الحوار جانباً أساسيًّا في تقديم المشهد، وإغنائه بالتّفاصيل أيضاً وقد قدّمت ”إميلي نصرالله” حواراً خلال السّرد ولكن ليس طويلاً ولكنّ وظيفته في الدّلالة على معاناتها الذاتيّة حيناً وعلى وجع المجتمع النسائيّ حيناً آخر.

تتحدّث الكاتبة عن علاقة الشخصيّة الرّئيسة بشباب أهل القرية، ثم تقدّم مشهداً، فتجري حواراً تخلّلته مقاطع سرديّة، لاستكمال اللّوحة التي تريد تقديمها فتقول الكاتبة :

  • هل أخبروك عن “حياة” ؟ “حياة” بنت “أبو ناصيف” ؟

وعقب السّؤال صمت حاولت إحدى الثرثرات أن تخرقه بتعليقها.

  • لو كان “أبو ناصيف” عارف شو بدو يطلع من هالبنت، ما كان رماها من الّشباك؟
  • أسكتها تعليق صبيّة مثقفة.
  • وهذا يؤكّد أنّ المرأة لم تعد وصمة عار. لم تعد عالة على الرّجل، بل صارت تساويه، وتتفوّق عليه في بعض الأحيان، و “حياة” أكبر دليل على ذلك.

تابعت، من خلال اللّحظات التّالية، التقاط بقيّة الحكاية حيث تعرّضت قريتنا لهجوم العدو، هبّ الرّجال، بما لديهم من سلاح،يدافعون عن شرفهم وأرضهم,ولم يكن في دار “أبو ناصيف “رجل يحمل السّلاح:فابنه الوحيد نصف إنسان، وهو مقعد بسبب العجز والمرض، والابنة الكبرى تزوّجت وهاجرت منذ سنوات. أّمّا “حياة” فقد رفضت الزّواج، وبقيت تعمل في التّدريس، لتعيل أسرتها.

ولمّا وقعت الغارة كانت مستعدّة، فحملت السّلاح لتدافع عن الأرض، وأبدت شجاعةً أثارت إعجاب مواطنيها، وحرّكت تياراً جديداً في صفوف النّساء، إذ أصبحت رائدة لروحٍ ثوريةٍ كان لا بد من انبثاقها وأقدام الأعداء تدنس شرف أرضنا. ولم تكتف بنشر دعوتها في قرية واحدة، بل راحت تتنقّل بين القرى، وتدعو النّساء إلى نفض الخمول، والخروج على التّقاليد البالية التي أبقتهن عنصراً سلبيًّا لا يشارك في مصير الأمّة.

  • وأبوها، ماذا يقول ؟

طرحت سؤالي في الهواء، وأنا أدغدغ فرحه سرت في أوصالي وأفكّر أخيراً تحرّكت المرأة في قرانا”.

وتطوّع شيخ جليل للردّ على سؤالي :

  • لا تلومي “أبا ناصيف” يا ابنتي لم يكن يعرف أكثر من ذلك. كان مثلنا، يسير في الخطّ التقليديّ، ويعتبر القشور جوهر الأشياء ويده التي امتدّت لتقذف فلذة كبده من النّافذة كانت مدفوعة بإرادة أجيال مضت أجيال من إستعباد المرأة، واستضعافها، والاستخفاف بإمكاناتها. وكان لا بدّ من حدث هام لتتحرّك المرأة وتقاوم، لتتحدّى وتناضل. مثلها مثل الشّعوب المغلوبة على أمرها، تنتظر في اللّاوعي ضربة الغيب لتنتفض وتثور لإرادة الحياة.

   ”وقذف الطّفلة من النّافذة جعلها تحيا في تحدٍ نراه اليوم يعطي ثماره. لقد برهنت للرّجال أنّها تستحقّ العيش، واليوم تجاوزت هذا المنطق لتعلن لنا جميعاً أنّ أسطورة المرأة الضّعيفة قد انطوت، سحقتها إرادة الحياة”([39]).

وظّفت الكاتبة هذا الحوار للكشف عن مدى تغيّر تفكير أهل القرية، وكيف أنّ “حياة” قد أثّرت على عقول الكثيرين من أهل القرية، وأصبحت عند الشّباب مثلاً يقتدى به من ناحية جرأتها وقوّتها ونضالها.

وأمّا المقاطع السرديّة التي تخلّلت هذا الحوار كانت عبارة عن استرجاع بعض ذكريات الحرب وما تعرّضت له القرية من هجوم من قبل العدوّ الغاصب وما فعله الرّجال، وكذلك “حياة” لمواجهة هذا العدو. فلقد وضعت الكاتبة القارئ في مناخٍ معيّن، لا يستطيع التّلخيص أن يجعله بتأثيراته المتعدّدة والمتنوّعة، وهو كذلك يضعه وجهاً لوجه، أمام الهموم الذّاتيّة التي تنضح بها قصّة “إستحقت الحياة”.

واعتماد هذه التقنيّة الفنيّة قد يكون ضرورة من ضرورات الكتابة الفنيّة الناجحة وقد أوقفت الكاتبة السّرد، لتبثّ حقيقة مشاعرها، وهي الفتاة الفرحة بتحرير المرأة من قريتها وباقي بعض القرى من سلطة الأب الظّالم والتّفكير بها على أنّها عائق وبلاء. لقد عرفت الكاتبة متى توقف السرد، ومتى تقدّم المشهد، حواريّا” وإغناء القصّة بالتّفاصيل التي تجدها ضرورة لتماسك القصّة ووحدتها.

3- دلالة الوقفة : إستحقّت عيشها” :

هناك غير غرض من الأغراض الفنيّة يجعل القاصّ يستخدم هذه التقنيّة منها: أنّه يشعر بتوقّف الزّمن نتيجة “وقوع حدث مفاجئ له تأثيره المباشر في الشخصية فتشعر الذّات أو الشخصيّة أنّ الزّمن قد توقّف تتابعه عند هذا الحدث”([40]).

ومنها اللّجوء إلى وصف المناظر الطبيعيّة، أو الأشياء أو المناخ العام الذي يحسّ بضرورته في أثناء عمليّة السّرد، ومرّر ذلك إلى وضع القارئ ضمن الإطار العام الذي يتمّ من خلال السّرد. والوقفة مرتبطة بالوظيفة الفنيّة، وإبراز الدّلالات التي تخدم رؤية الكاتبة، كونها تمتلك القدرة على تكسير رتابة الحكي من خلال وظيفتها الدراميّة. يمكن القول أنّ “الوقفة تعني انتفاء الزّمن وانقطاع الحدث لصالح الوصف ”([41]).

لقد وصف القاصّ، الحالة التي تتملّك الشخصيّة ووصفت الوضع بشكل العام، ليتصوّر فيما بعد ردّة فعل الشخصيّة تجاه نسل حواء.

واحتقاره لهم، فتوقّف الكاتب ليصف نفسيّته وردّات فعله تجاه هذا النّسل، فيقول: ”أن يرزق المرء بنتاً وهو يتوقّع ولادة بكر ذكر، يرث اسم العائلة، ويحمله إلى أبعاد المستقبل، يشكّل في نظر الجار “أبي ناصيف” كارثة كبرى واحتقار الرّجل لنسل حوّاء عامّة، نتيجة فلسفةٍ خاصةٍ به، يوزّعه بالتّساوي على إناث العائلة، ابتداءً من أمّه، إلى زوجه، وانتهاءً بآخر حبّات العنقود. ولا أعلم ما هي الأسباب الدّافعة إلى نقمته تلك ”([42])، فقد صوّرت الكاتبة ووصفت شخصيّة “أبي ناصيف” الرّئيسة قبل الدّخول في حنايا القصّة ,فقد مهّدت للقصّة ,ووقفت عند نفسيّة “أبي ناصيف” ولم تعط سبباً واحداً يبرّر كره الشخصيّة لنسل حوّاء سوى بأنّها عقليّة التقت مع غيرها من أمثاله في القرية.

أ-3-أ : التردّد الإنفراديّ ودلالته : إستحقّت عيشها:

أناطت القصّة بالشخصيّات الرّئيسة دوراً مهمّاً في توضيح رؤيتها إلى ما حولها. والشخصيّات التي تمّ التّركيز على أدوارها هي شخصيّات ذات مكانة متميّزة في المجتمع، وهي الأقدر على أحداث عمليّة التغيّر المطلوبة، بما يتوافر لها من مقوّمات ربّما يساعد هذا التّوضيح على القول إنّ التواتر الإنفراديّ سيكون ضئيلاً في (إستحقت الحياة). نقع على مثال من الخطاب الذي يكون وحيدا” ويحكى مرة واحدة. منها قول شيخ جليل ردّاً على سؤال طرحته الكاتبة.

” لا تلومي “أبا ناصيف” يا ابنتي، لم يكن يعرف أكثر من ذلك كان مثلنا يسير في الخط التقليديّ، ويعتبر القشور جوهر الأشياء، ويده التي امتدّت لتقذف فلذة كبده من النافذة كانت مدفوعة بإرادة أجيال مضت، أجيال من إستعباد المرأة، واستضعافها، والاستخفاف بإمكاناتها. وكان لا بدّ من حدث مهم لتتحرّك المرأة وتقاوم، لتتحدّى وتناضل.

مثلها مثل الشّعوب المغلوبة على أمرها تنتظر في اللّاوعي ضربة الغيب لتنتفض وتثور لإرادة الحياة. ” وقذف الطّفلة من الناّفذة جعلها تحيا في تحدٍّ نراه اليوم يعطي ثماره”. لقد برهنت للرّجل أنّها تستحقّ العيش، واليوم تجاوزت هذا المنطلق لتعلن لنا جميعاً أنّ أسطورة المرأة الضّعيفة قد انطوت، سحقتها إرادة الحياة ”([43]).

إنّ الكاتبة قد وضعت هذه الشخصيّة (الشّيخ الجليل) لتبرر تصرّف كلّ من نظر إلى المرأة نظرة إستعباد وإستخفاف وكأنّهم يضعون اللّوم على الخط التقليديّ الذي اتّبعوه، فالكاتبة لم تذكر ذلك على لسانها بل وظّفت هذه الشخصيّة ليدافع عن هؤلاء النّاس الذي شبّههم الشيخ بالشّعوب المغلوبة على أمرها، ولكنّ الكاتبة لم تعر هذا التّبرير أيّ شأنٍ بقدر ما سلّطت الضّوء على إرادة المرأة وشجاعتها ونضالها وخصوصاً المرأة في القرى، وقد أوحت الكاتبة بأنّ المرأة تنتظر “حياة” وأمثالها لتشجيعها على التحرّك وتحدّي الرّجال لتثبت دورها وأهميّتها في المجتمع، ولعلّ هذا التّواتر الإنفراديّ قد أدّى دوره في إيصال الدّلالة المقصودة عبر الإيحاء.

أ- 3- ب : التردّد التكراريّ ودلالته :

يجد القاصّ أنّ من الضرورة أحياناً أن يأتي على ذكر حدث واحدٍ من أحداث القصّة غير مرّة في نصّه القصصيّ وذلك للتّعبير عن الهواجس والمخاوف، أو التطلّعات التي يشير إليها هذا الحدث، وهذا التّكرار المقصود يوحي بدلالات معيّنة يهدف إليها القاصّ ومن أمثلة التواتر التكراريّ.

ذكرت الكاتبة لما حصل للشخصيّة الرّئيسية “حياة” أثناء ولادتها “كانت عيناه مثل عينيّ وحش هائج يبحث عن فريسة. ووقعت يداه على ضالته، على المولودة الجديدة، بين يديّ القابلة سلخها منها وأسرع إلى نافذة ترتفع بضعة أمتار عن مستوى الطريق، ثم قذفها إلى الخارج بكل قوته”([44]).

لو كان “أبو ناصيف” عارف شو بدو يطلع من هالبنت، ما كان رماها من الشّباك”([45]).

“وقذف الطّفلة من النّافذة جعلها تحيا في تحدًّ نراه اليوم يعطي ثماره”. لقد برهنت للرّجل أنّها تستحقّ العيش، واليوم تجاوزت هذا المنطلق لتعلن لنا جميعاً أنّ أسطورة المرأة الضّعيفة قد انطوت، سحقتها إرادة العيش”.

كرّرت الكاتبة رمي “حياة” من الناّفذة غير مرّة في النصّ، فهي طفلة صغيرة، جميلة رماها والدها من النّافذة لأنّها فقط انثى وليست ذكراً يحمل إسمه، هذا ذنبها، فتحمّلت نظرات أبيها المؤلمة البعيدة عن العطف والحنان وذلك لأنّه صدم بولادتها فهو ينتظر “ناصيف” ليحمل اسم العائلة.

لقد وظّفت الكاتبة هذا التّواتر لتقديم غير دلالة ترمي إليها، لعلّها تقصد إلى الكشف عن العقليّة القائمة على كره نسل حوّاء في حين أنّ “حياة” قد صنعت مجداً عجز عنه ابنه”ناصيف” الذي رزق به فيما بعد, فلقد ناضلت بشجاعة وأعالت عائلتها ولم تتزوّج من أجل ذلك. وقد قصدت الكاتبة بتكرارها أولاً كما ذكر سابقاً لمعرفة الخط التقليدي ّالذي كان يتمثّل به هؤلاء النّاس وكذلك عبرة ورسالة لباقي النّاس وخصوصاً لأصحاب عقول ذلك الخط أن يمحوا تلك القشور البالية من رؤوسهم ويشكروا الله على عطاياه، فربّ أنثى خير من ألف ذكر. لأنّ عائلة “أبي ناصيف” ما كانت لتستمّر بالحياة لولا وجود “حياة” ومساعدتهم على العيش وعلى تخطّي الصّعاب وكذلك لما حرّكت الرّوح الثوريّة في صدور باقي النّساء في أنحاء القرى. وكذلك فقد ذكرت الكاتبة فتقول :

“حين عدت قبل أيّام لزيارة الأهل، لاحظت أنّ تحوّلاً جذريّاً قد طرأ على حياة النّاس واهتماماتهم، وهو ليس التغيّر الطبيعيّ الذي يفرضه مرور الزّمن. كان تبدّلاً فرضته الحرب التي حوّلت قريتنا، وسائر قرى الحدود الجنوبيّة، إلى خطّ نار دائم التاجّج”([46]).

“وتابعت، خلال اللّحظات التّالية، التقاط بقيّة الحكاية : حين تعرض قريتنا لهجوم العدوّ، هبّ الرّجال، بما لديهم من سلاح، يدافعون عن شرفهم وأرضهم ولم يكن في دار “أبي ناصيف” رجل يحمل السّلاح : فابنه الوحيد نصف إنسان، وهو مقعدٌ بسبب العجز والمرض، والابنة الكبرى تزوّجت وهاجرت منذ سنوات. أمّا “حياة” فرفضت الزّواج وحملت السّلاح لتدافع عن الأرض، وحركت تياراً جديداً في صفوف النّساء، إذ أصبحت رائدة لروح ثوريّة كان لا بد من انبثاقها وأقدام الأعداء تدنّس شرف أرضنا. ولم تكتف بنشر دعوتها في قرية واحدة، بل راحت تنتقل بين القرى وتدعو النّساء إلى نفض الخمول، والخروج على التّقاليد البالية التي أبقتهن عنصراً سلبيًّا لا يشارك في مصير الأمّة”([47]).

فدلالة ما ذكرته الكاتبة لتسليط الضّوء على الوضع الذي كان قائماً أيّام الحرب وما فعلته بالأرض من خراب ومجازر، وناهيك عن تغيير طباع النّاس ونفسيّاتهم وتفكيرهم واهتماماتهم, فإنّ هذه الحرب على الرغم من سلبيّاتها التي لا تعدّ ولا تحصى, فلقد كان لها إيجابية كامنة في جمع شمل الجميع وزرعت المحبّة في قلوبهم وغيّرت تفكيرهم وعقليّاتهم,وكذلك ما صنعته “حياة” في الحرب ,كان مثالاً يقتدى به باقي النّساء, فلقد حركت الرّوح الثوريّة وخصوصاً في قلوب النّساء لتواجه العدوّ وتحاربه مثلها مثل الرّجل ,وكذلك فإنّ هذه الحرب كانت عبرةً للعدو ليعرفوا أنّ من يقاومهم ليس العنصر الذكوريّ فقط، بل ما يواجههم أيضاً العنصر الأنثويّ. فليستعدّوا لذلك في المرّة الثانية فهناك قلوب قويّة وجرأة لا مثيل لها عند النّساء يعجز الكثير من الرّجال التحلّي بها.

فكانت وظيفة هذا التّواتر رسالة موجّهة للعدوّ قبل العقول المتأخرة في الدّاخل, فهي رسالة وطنيّة بكل ما للكلمة من معنىً.

أ- 3 – ج. التردّد النّمطيّ :

إن هذه التقنيّة الفنيّة تتضمّن “حالاً من التّكثيف السرديّ للزّمن الطّويل الممتدّ الذي شعرت به الذّات”([48]). وهذا التّكثيف يتطلّب إيجاز الأحداث النمطيّة التي تتكرّر يوميًّا، أو كلّ مساء، أو كلّ شهر، في جملة واحدة، تعبّر عن هذا الزّمن المتكرّر الذي تمرّ به الشخصيّة.

يمكننا الوقوف أمام هذا المثل من التردّد النّمطيّ : تقول الكاتبة” كانت ذاكرة جدّتي حاملة بالحكايات، تسردها لنا في أويقات الصّغار وليالي الشّتاء وكنّا لا نشكّ بكلمة من أقوالها، وتصدّق حتّى الأساطير التي تروي مغامرات” الشّاطر حسن” و”الطّائر الأخضر” وقد ظلّت حكاية الجار أغربها جميعاً، وذلك لأنّه كان يسهل علينا أن نربط الأحداث بالشخصيّات الحيّة المتحرّكة حولنا”([49]).

هذه السّطور توحي بتكرار سرد الحكايات التي كانت تقصّها الجدّة على الكاتبة غير مرّة، يجعل الكاتبة تشعر بوجود جدّتها دائماً، وكأنّها أمامها وهي ذات دلالة أيضاً على مدى اشتياقها للجدّة وحتّى الأساطير التي كانت ترويها تصدقها، ممّا يدلّ على أنّ الكاتبة تتمنّى عودة تلك الأيّام لرؤية الجدّة، ويومىء في الوقت ذاته، على أنّ قصّة “حياة” التي روتها الجدّة للكاتبة صحيحة مئة بالمئة لأنّ الجدّة مصدر ثقة لدرجة صدقت الكاتبة الأساطير.

وتقدّم الكاتبة “نصرالله” أنموذجاً آخر من التّواتر النمطي، فتقول “وكان النّاس يلاحظون الفارق الشّاسع بين الطفلين، ويهزّون رؤوسهم وهم يردّدون” هكذا تنتقم الحياة ممّن يحاول أن يعصى ناموسها”، أو “كلّ طلعة تقابلها نزلة”، وأقوال أخرى كثيرة”([50]).

إنّ النّدم والخوف هما أوّل ما يلفت النّظر هنا، فرؤية النّاس لناصيف ولحياة جعلهم يحسّون بقدرة الله والخوف منه ممّا جعلهم يردّدون كلّما رأوا الطفلين تلك الأقاويل وهذا ممّا يدلّ على تقبّلهم بعطايا الله, وحتّى لو على مضض فقط خوفاً من أن يصيبهم كما أصاب “أبو ناصيف” بسبب فعلته وكرهه للإبنة ولنسل حوّاء، فكان درساً لم يتعلّمه “أبو ناصيف” فقط,بل كلّ من سمع بسيرته وخصوصاً أهل القرية والقرى المجاورة, فكانت قصّة “حياة” مثلاً اقتدى بها الجميع، ومهما يكن من أمر، فإنّ التّواتر بأنواعه التي قدّمت قد أسهمت في الكشف عن العقليّة التي كان يحملها أهل القرى تجاه نسل حوّاء عامّة، وكذلك عن الدّرس الذي تعلمه “أبو ناصيف” وكذلك أبناء القرية ليعرفوا قيمة المرأة وقدرتها ومواجهتها للعدو التي يعجز عنها الرّجال في بعض الأحيان ,وقد عبّرت الشخصيّة الرّئيسة عن هذه القدرة وهذه المواجهات إن كان بوجه العدو وكذلك مواجهة أحاديث النّاس وخصوصا والدها خير تغير وخير مواجهة.

والقاصّ النّاجح هو الذي “يحمل هذه الشخصيّة هواجس شعب وتجعلها شاهداً على ما في عالمه من تناقضات وصدوع وما يبطن هذا كلّه من حنين وأشواق وحسرات وما يخترق اللّحظات من رؤى”([51]).

2- المبحث الثّاني :

تمهيد:

ندرس في هذا المبحث الفضاء الزماني في أنياب زرقاء ليوسف حطيني :

2-أ-1 : الإطار الزّمانيّ للأحداث :

مستوى الزّمان الوجوديّ :

عاشت الشّخصيّة الرّئيسة طلال أبو رحمة، ذلك المصوّر الّذي يحمل آلة التّصوير على كتفه متّجهاً نحو عمله وضعاً نفسياً سيّئاً، تجاه ما يشعر به وما يسمعه خلال تصويره للمشاهد والمجازر الّتي يرتكبها العدو, ولكن ما أحسّه طلال أبو رحمة ذلك اليوم المشؤوم، تعجز الكلمات عن وصفه وخصوصاً عندما رأى ذلك الطفل البريء الّذي قتل على أيدي العدو الغاصب وهو يحتمي خلف يداي والده فعجزت الأيدي ,وعجز الوالد عن حماية طفله من ذلك الرصاص الّذي لا يعرف الرّحمة.

ومن هنا نرى أنّ الزّمن في هذه القصّة جاء طويلاً ,نظراً لوضع الشّخصيّة الرّئيسة النفسيّ الصّعب. فقد سرد الكاتب الأحداث بدقّة وحتّى ما شعر به المصوّر طلال أبو رحمة الّذي قام بتصوير ذاك المشهد المفجع، الّذي حصل في مخيّم البريج، فالصّورة الّتي التقطها قالت كلّ شيء ولكن ما لا يمكن تفسيره شعور ذلك الأب العاجز عن حماية ولده القابع في حجره واللّاجئ إلى حضنه وهو يموت أمام عينيه.

فيقول الكاتب :”يختبئان خلف البراميل، فيما ينهمر الرّصاص عليهما كالمطر والأب العاجز عن حماية ابنه يدبّ الموت والرّصاص عن ذلك الجسد الصّغير وآلة التّصوير ترتجف بين يدي طلال كديك مذبوح”([52]).

هذا ما يدلّ على مدى تأثر الشّخصيّة بالمشهد الفظيع ,فقد أحسّ بالكاميرا ترتجف من شدّة رعب المشهد، فهذا دليل على مدى فظاعة ما رأته الشّخصيّة الرّئيسة من عجز وخوف ورعب في آنٍ معاً.

الإطار التّاريخي ّ:

تدور أحداث هذه القصّة في زمن لم تعد الكلمة ولا حتى الصرخة تسمع، في زمنٍ القويّ سيطر على الضّعيف. اليوم الّذي نطقت شفتا الشّخصيّة الرّئيسة هذه الكلمات”الكلام مش مثل الشوف والصورة مش مثل الحقيقة”.

اليوم الّذي بدأت فيه الكوابيس تتوالى على نومها المتعب، اليوم الّذي نشد فيه طلال أبو رحمة أنشودته الّتي يحبّها للشّاعر محمود درويش وتبدأ بـ آه يا خمسون لحناً دمويّاً وتنتهي بمغنيك انتصر 7/10/2000 هذا هو اليوم، وهذه هي السّنة الّتي دارت فيه أحداث هذه القصّة.

حيث قتل ذلك الطفل الّذي يحتمي خلف أيدي والده العاجز عن حماية نفسه وفلذة كبده وهذه الأحداث التي ذكرت قد حصلت مع أشخاص عديدين.

ب- علاقات التّرتيب في أنياب زرقاء :

لقد سرد الكاتب الأحداث بدقّة وتسلسل من بداية القصّة حتّى نهايتها، وكما أنّ هذه العلاقات والتّقنيّات الّتي يتشكل على أساسها الزّمن القصصيّ الّذي يغاير زمن الأحداث، فنجد أنّ هذه التّقنيّات عديدة منها :

1- تقنيّة الإسترجاع :

عندما يريد الإنسان أن يخفّف من أعباء الحاضر فإنّه يعود إلى الماضي من خلال بعض الذكريات, وعندما  تصطدم هذه الذكريات بواقعه الحاضر بشكلٍ يخالف صورة الماضي الّتي ترتسم أمام عينيّ هذا الإنسان.

فالشّخصيّة ترى نفسها من خلال تلك الذكريات وخصوصاً إذا كانت تلك الذكريات أوجاع نفسيّة, تعجز الشّخصيّة عن إقتلاعها من الرّأس ومن الذكريات لحضورها المتكرّر في الذاكرة.

إستعاد يوسف حطّيني، بعض مواقف الماضي وأقواله وصوره على صفحات أنياب زرقاء. وهذه الإستدعاءات امتدت لتصل إلى نصف القصّة الّتي تتألّف من أروع صفحات, فقد استرجعت الشّخصيّة استرجاعات داخليّة فتقول : “توارت جدران مخيم خلف القضبان، وتوارى برميل خلف أحد هذه الجدران بينما توارى أب خلف البرميل، وخلف الأب تماماً توارى طفل بعمر الزّهور. طلقات حاقدة اخترقت القضبان والمخيّم والجدران والبرميل وكفّ الأب الحانية، والطفل والزهور، وكتبت بدم قان : هنا مخيم البريج.

قال ميثاق حقوق الإنسان :

من حق الطّفل أن يعيش.

قال الطّالب ذو الإثنيّ عشر ربيعاً، وهو يقرأ موضوعاً في التّعبير الحرّ :

كنت أحلم عندما كنت صغيراً (!)أن أكون في المستقبل مهندساً أو طبيباً، وعندما رأيت ذلك المنظر الّذي حفر في ذاكرتي أخدوداً عميقاً، إكتشفت أنّ أحلامي كانت سخيفة.

يجب أن أكون طيّاراً.

قال الجنديّ : لن تستطيع يداك الواهنتان أيّها الأعزل عن أن تكونا متراساً يحمي طفلك من الرّصاص الّذي لا يقهر.

قال الأب : مات الولد.

قالت الذّاكرة : خرجت الفيتناميّة كيم فوك من منزلها عارية، بعد أن أصيبت بحروق في جلدها نتيجة لإلقاء المقاتلات الأميركية قنابل النابالم على قريتها.

قال الشّاعر الّذي لم يعش عرس الدّم :

سأكسر قلمي.

قال الشّهيد :

آه يا خمسون لحناً دمويّاً

كيف صارت بركة الدّم نجوماً وشجر.

الذي مات هو القاتل يا قيثاري.

مغنيك انتصر”([53]).

لقد عادت الشّخصيّة بهذه الذكريات إلى الوراء لتسترجع ما قاله الشّهيد وما قالته الذاكرة وكذلك ميثاق حقوق الإنسان والطّالب ذو الإثنيّ عشر ربيعاً والجنديّ وأيضاً الأب والشّاعر كلّ هؤلاء وصفوا ما حدث في مخيّم البريج، ولكن كلّ على طريقته الخاصّة وإحساسه الخاص، إنّ ما حصل مع الأب وابنه تقشعّر له الأبدان وتعجز الكلمات عن وصفه، وهذا أهم ما دلّ على هذا الإسترجاع.

وقد أسترجعت إسترجاعًا خارجيًا فتقول : “وفجأة خطرت إلى رأسي المليء بضجيج الرصاص أغنية هادئة :”سنرجع خبّرني العندليب غداة التقينا على منحنى.

ربما كان لذلك الطفل القادم من طرف السّاحة، وهو يحتمي بأبيه، أثر في تذكّر تلك الأغنيّة بالذّات، يركض الأب والطفل، يصلان إلى جدارٍ كتب عليه قرار حاسم سريع : ما أخذ بالقوّة لا يستردّ بغير القوّة ”([54]).

إسترجعت الشّخصيّة الرّئيسة “خرج طلال أبو رحمة صباح ذلك اليوم، وهو يعلّق آلة التّصوير على كتفه، واتّجه نحو مخيّم البريج ولا يزال الحديث الّذي دار بينه وبين أمّه الّليلة الماضية ينخر رأسه.

  • أخجل من هذه الكاميرا. ماذا لو أنّني استبدلت بها أحجاراً وزجاجات حارقة.
  • حماك الله يا بني أنت تقوم بعمل عظيم.
  • أخجل من الصّغار يا أمّاه.
  • نعم يا بنيّ الله يرضى عليك. بكرا الصّبح لازم تفيق بكّير عندك مشوار إلى مخيّم البريج.”([55]).

فقد استرجع الحوار الّذي دار بينه وبين والدته كمدى تأثّره به ومدى إحساسه بالخجل أمام رؤيته الأطفال يقاتلون بالحجارة، بينما هو يحسّ بعدم قدرته على المواجهة وهو يصوّر, وهذا دليل على مدى تأثّره بالمشاهد وصعوبته في المواجهة والدّفاع عن هؤلاء الأطفال.

2- تقنيّة الإستباق في دلالتها في قصّة أنياب زرقاء :

إنّ هذه التقنيّة استخدمها الكاتب بشكل قليل في هذه القصّة ,فاستبق القاصّ أحداث القصّة وسرد أهم أحداثها وبشكل مختصر فتقول الشّخصيّة الرّئيسة : “كنت أحلم عندما كنت صغيراً !!) أن أكون في المستقبل مهندساً أو طبيباً، وعندما رأيت ذلك المنظر الّذي حفر في ذاكرتي أخدوداً عميقاً، إكتشفت أنّ أحلامي كانت سخيفة، يجب أن أكون طيّاراً حربياً”([56]).

لقد استبقت الشّخصيّة الزّمن الواقعيّ، وبالتاّلي تمّ إستباق الأحداث وهذا يدلّ على مدى تأثّر الشّخصيّة بالمشهد، فأحلام الشّخصيّة كأحلام أي طفل يريد أن يصبح طبيباً أو مهندساً، ولكن ما رأته بدل كلّ أحلامها وأثّر فيها ممّا جعلها تفكّر أنّ لغيرها بل توصلت بقرارها للقول بأنّ هذه الأحلام سخيفة,وأكّدت على أنّه يجب أن تكون طيّاراً حربيّاً تقاتل ذلك العدو الغاصب, وهذا الإستباق يدلّ عى أنّ الطفل الفلسطينيّ لا يفكّر بنفسه بقدر ما يفكّر بمصير وطنه والظّلم الّذي يتعرّض له أبناء وطنه. فحتّى الأحلام أصبحت مستحيلة عند هذا الشعب الفلسطينيّ وهؤلاء الأطفال ومصيرهم وأحلامهم متعلّقة بمصير الوطن وأبنائه.

هذا الإستباق يكشف عن الوجع الّذي ملأ قلب الشّخصيّة وكذلك عن وجع الشّعب الفلسطينيّ، لأنّها ذاقت مرارة الظّلم كما ذاقها وما يزال يتذوّقها هذا الشّعب المظلوم.

ج-  علاقات الديمومة :

1- تقنيّة التّلخيص ودلالتها في قصّة أنياب زرقاء :

يستخدم الكاتب أو القاصّ هذه التقنيّة ,عندما يجد أن هناك مرحلة زمنيّة ليست ذات أهميّة بالنّسبة للقارئ وأحداثها لا تؤثّر في سير القصّة، فنعمد إلى هذه التقنيّة حيث يسلّط الضّوء على الأحداث الأكثر أهميّة الّتي تخدم سير السّرد أو القصّة.

فيختصر القاصّ الزّمن فيقول على لسان الشّخصيّة الرّئيسة : “كانت أمّه تبكي بكاءً حارًّاً عندما حكى لها عن التّفاصيل،من دون أن تسأله، حين حكى للجميع الّذين كانوا قد رأوا الصّورة ذاتها، ولكن أحداً لم يشأ أن يقاطع شلّال الكلام والدّم الّذي يتدفّق كلّما … شفتيه : “الكلام مش مثل الشّوف، الصّورة مش مثل الحقيقة”([57]).

تلجأ الشّخصيّة إلى تلخيص أيامٍ متعدّدةٍ، لم تذكر عددها بالضبط، في هذه السّطور القليلة. فلقد اقتصر التّلخيص على المفاصل الرّئيسة إذا ما يهم القاصّ هنا، مهما تكلّم طلال أبو رحمة ومهما وصف وصوّر ونقل هذه الصّور، فإن الكلمات تعجز عن ذكر ما حصل بالتّفصيل وشرح ذاك المشهد يحتاج إلى مجلدات ولكن اقتصر بكلامه,لأنّ ما قاله دليل وافٍ وكافٍ على هذا التّلخيص “الكلام مش مثل الشوف والصّورة مش مثل الحقيقة”([58]).

وهذا يعني ويدلّ على أنّه مهما تكلّمت الشّخصيّة ومهما شرحت ما رأت وصوّرت لا يوجد كلام يشرح ويفسّر المشهد وفظاعته.

ولعلّ وظيفة هذا التّلخيص هنا، يتضمن أمرًا واحدًا الوضع النّفسيّ الّذي طال طلال أبو رحمة الشّخصيّة الرّئيسة عند رؤيته فظاعة ذلك المشهد.

2- تقنيّة المشهد ودلالتها : أنياب زرقاء

إنّ تقنيّة المشهد قد تكون مناقضة لتقنيّة التّلخيص، وذلك من خلال التوقّف أمام التّفاصيل الّتي تخدم غرض القاصّ، فنجد أنّ مساحة النصّ تساوي سرعة الحدث.

لقد شكّلت الأقوال والآراء جانباً أساسيًّاً في تقديم المشهد وإغنائه، فلقد قدّم يوسف حطيني ثلاثة عشر قولاً يخدم القصّة ويدعمها، ويعبّر عن المعاناة الشّخصيّة والذاتيّة للشّخصيّة. يتحدّث القاصّ عمّا ذكرته الشّخصيّة الرّئيسة من أقوالٍ على لسان كلٍّ من ميثاق حقوق الإنسان، والطّالب ذو الإثني عشر ربيعاً، والجنديّ وصولاً إلى قول الشّخصيّة الرّئيسة منتهياً بأنشودة الطّفل فيقول طلال أبو رحمة: “قال ميثاق حقوق الإنسان من حقّ الطفل أن يعيش.

قال الطّالب ذو الإثني عشر ربيعاً، وهو يقرأ موضوعاً في التّعبير الحرّ :

كنت أحلم عندما كنت صغيراً (!!) أن أكون في المستقبل مهندساً أو طبيباً، وعندما رأيت ذلك المنظر الّذي حفر في ذاكرتي أخدوداً عميقاً، إكتشفت أنّ أحلامي كانت سخيفة. يجب أن أكون طيّاراً حربيّاً.

قال الجنديّ : لن تستطيع يداك الواهنتان أيّها الأعزل عن أن تكون متراساً يحمي طفلك من رصاصنا الّذي لا يقهر.

قال الأب : مات الولد.

قالت الذاكرة : خرجت الفيتنامية كيم فوك من منزلها عارية. بعد أن أصيبت بحروق في جلدها نتيجة لإلقاء المقاتلات الإميركية قنابل النابالم على قريتها.

قال الشاعر الذي لم يعش عرس الدم :

سأكسر قلمي.

قال الشّهيد :

 آه يا خمسون لحناً دموياً.

كيف صارت بركة الدّم نجوماً وشجر.

الّذي مات هو القاتل يا قيثاري.

ومغنيك انتصر”([59]).

فهذه الأقوال قد بلغت تقريباً القصّة بكاملها الّتي تألّفت من أربع صفحاتٍ ,وهذا يدلّ على مدى قساوة المشهد، فدعمت الشّخصيّة ما رأته لتدافع عن نفسها لعدم قدرتها الدّفاع عن الطفل فهي مثلها مثل هؤلاء (الجنديّ، الطفل ذي أربع عشر ربيعاً، الشّهيد)، فهي تشعر بالحسرة والضّعف والأسى لعدم قدرتها على حماية الطّفل, فلقد حاولت أن تقتلع هذا الشّعور بتحمّل المسؤوليّة بذكر تلك الأقوال.

لقد وظّف الكاتب الأنشودة أيضاً الّتي ذكرها في آخر القصّة (لمحمود درويش) للكشف عن أهميّة الإنتصار عبر الشّهادة، لأنّ الشّخصيّة لم تشعر بالسّلام إلّا بعد سماعها هذه الأنشودة. فلقد مسحت شعور الشّخصيّة بالذنب والقهر الّذي لازمها منذ تصويرها للمشهد المشؤوم.

من هنا نرى أنّ تقنيّة المشهد جاءت فنيّة، وهي ضرورة من ضرورات الكتابة الفنيّة النّاجحة ,ولقد عرف الكاتب كيف يوظّف هذه التقنيّة ويغنّيها بالتّفاصيل الّتي تكون ضروريّة لتماسك القصّة ووحدتها.

3- تقنيّة الوقفة :

يبدو أنّ الكاتب قد استخدم هذه التقنيّة منذ بداية سرد،  لقد شعر بتوقّف الزّمن نتيجة وقوع الحدث المفاجئ موت طفل بعمر الزّهور في مخيّم البريج، ولقد أثّر هذا الحدث بشكلٍ مباشرٍ في الشّخصيّة، وهذه الوقفة مرتبطة بالوطنيّة الفنيّة، وإبراز الدّلالات الّتي تخدم رؤية الكاتب، فقطع الزّمن أحياناً ليصف ما حدث يوم قتل الطّفل ووالده في مخيّم البريج مشاهد تقشعّر لها الأبدان.فقال:”خرج طلال أبو رحمة في صباح ذلك اليوم، وهو يعلّق آلة التّصوير على كتفه واتّجه نحو مخيّم البريج، ولا يزال الحديث الّذي دار بينه وبين أمّه اللّيلة الماضية ينخر رأسه :

  • أخجل من هذه الكاميرا. ماذا لو أنّني استبدلت بها أحجاراً وزجاجات حارقة.
  • حماك الله يا بنيّ أنت تقوم بعمل عظيم.
  • أخجل من الصّغار يا أماه.
  • نعم يا بنيّ …الله يرضى عليك … بكرة الصبح لازم تفيق بكّير، عندك مشوار إلى مخيم البريج.

وعلى الرغم من أنّه لم ينم تقريباً. فها هوذا في طريقه إلى المخيّم، تملأ رئيته رائحة قدسيّة لعطر الهواء، يقرأ قرارات توصّل إليها النّاس هناك دون حاجة إلى اجتماعات مطوّلة. قرارات سريعة حاسمة واضحة، لا تحتاج إلّا إلى رجل وعلبة بخ وجدار.

هذا الصّباح بدأت المواجهات مبكّرة، واشتعل القطاع مثلما اشتعلت القدس وطولكرم، ومثلما اشتعل الجليل. راح يتأمّل جداراً ملأته شعاراتٍ وقراراتٍ حاسمةٍ :

  • دم الشّهداء لن يذهب هدراً.
  • القدس عاصمة الدّولة الفلسطينيّة المستقلّة.
  • المجد للإنتفاضة”([60]).

أول ما يلفت النّظر في هذه السطور، أنّ الشّخصيّة الّرئيسة عانت الكثير ذلك اليوم ,فهي تعيش حالةً من اليأس لأنّ مهمّتها فقط تصوير ما تراه في المعارك ,ولا تستطيع أن تشارك في القتال فتمنّت لو أنّها تحمل حجارة أو زجاجات حارقة لتقتل ذلك العدوّ الغاصب، فإنّ الشّخصيّة تتحمّل آلام المشاهد من دون استطاعتها أن تفعل شيئاً وخصوصاً ما حصل معها ذلك اليوم المشؤوم، حيث قتل طفل ووالده أمام عينيها فالمشهد أثّر على نفسيتها كثيراً ,وإنّ ما ذكر هي هذه الوقفة فيه ودلالة نفسيّة وإجتماعيّة على أنّ ما رأته مكتوباً على الجدار هو ما سيظلّ راسخاً في عقول البشريّة، بأنّ فلسطين ستكون حرّة والقدس هي عاصمة فلسطين وهذه الشّعارات جميعها ذات دلالة على مدى تأثّر الشّخصيّة وإصرارها على تذكير القارئ بأن هذه الشّعارات لن تتبدّل مهما كان الثّمن.

وكذلك قالت أيضاً : “يختبئان خلف البرميل، فيما ينهمر الرّصاص عليهما كالمطر، والأب العاجز عن حماية ابنه، يذبّ الموت والرّصاص عن ذلك الجسد الصّغير، وآلة التّصوير ترتجف بين يديّ طلال أبو رحمة كديك مذبوح. حيث انتقل الموت إلى شارع آخر، كانت عيناه ….. من الخوخ الأحمر……، اكتشف أنّ كلّ الرّصاصات كانت عاجزة عن أن تمحو حرفاً واحداً من ذلك القرار الحاسم الّذي اتّخذه شابٌ عجول، في ليلة ما : “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”. كانت أمه تبكي بكاء حاراً ,عندما حكى لها عن التفاصيل، دون أن تسأله، حين حكى للجميع الّذين كانوا قد رأوا الصّورة ذاتها، ولكن أحداً لم يشأ أن يقاطع شلّال الكلام والدّم الّذي يتدفّق كلمات على شفتيه : “الكلام مش مثل الشّوف، والصّورة مش مثل الحقيقة”([61]).

لقد ذكرت ما قاله كل إنسان وشعر وأحسّ، فإنّ هذا المشهد الّذي بلغ القصّة بكاملها تقريباً وظفّته الشّخصيّة من أجل توضيح الموقف الدراميّ القائم على الرّغبة من أجل الدّفاع والمقاومة، وعلى إظهار العنف والقساوة والآلام الفظيعة الّتي تحمّلتها بصبر وعناد، فالألم الّتي تحسّ به مهما وظفّته لا تستطيع تصويره ,لأنّ الشّخصيّة عانت وتألّمت وإنّ هذا الألم لا يقوى إنسان على تحمّله فقالت : “الكلام مش مثل الشّوف والصّورة مش مثل الحقيقة. ([62]).

فإن الشّخصيّة تجد نفسها تتفتّت وتتجزّأ، والكلام يعصر قلبها وروحها ولا أحد يبرّد قلبه سوى أنشودة محمود درويش لأنّها تحمل معاني الطّمأنينة والإنتصار وأهميّة الشّهادة، فهي الّتي كانت تريح الشّخصيّة وتنزل برداً وسلاماً على قلبها فتقول : “الكوابيس تتوالى على نومه المتعب، يرى رجالاً بأنياب زرقاء، وحوشاً، وديناصورات مرعبة تلتهم البشر والشّجر، وفجأة يخترق الطّفل بعمر الزّهور جميع الصفوف، وينشد أنشودته الّتي تنزل برداً وسلامًا على قلب طلال : آه يا خمسون لحناً دمويّاً

كيف صارت بركة الدّم نجوماً وشجر.

 الّذي مات هو القاتل يا قيثارتي.

 ومغنّيك انتصر([63]).

ومن هنا نرى أن هذه الوقفة قد وظّفت بشكل يخدم مشاعر الشّخصيّة وقد صوّر منها الكاتب الهمّ والوجع الذاتيّين.

هنا يسقط الزّمان من الحسبان، ليفسح المجال أمام الإنفعال الوجدانيّ ليأخذ مجراه وأمام العذاب النفسيّ والمعاناة اليومية التي يعيشها أثناء نومه، وكذلك الرّعب الدّائم الّذي يلف بحياته ونومه فيرى أنيابًا زرقاء ووحوشًا. ولعلّ الكاتب قد أفاد من هذه التقنيّة في التّعبير لما يجري داخل نفسه وخلجاتها من قهر وعذاب وقلق، ولكنّ شيئًا واحدًا يبرّد قلبه، رؤيته للطّفل وهو ينشد أنشودة محمود درويش,وهذا دليل على أن ما يريح نفسيّة وضمير الشّخصيّة رؤية الطّفل الشّهيد فرحاً في تلك الدنيا الأبديّة، وإن من يقتل في سبيل وطنه هو عزّ وافتخار ووسام يعلّق على الأكتاف والصّدور.

ومن خلال ما سبق نجد أنّ الكاتب يوسف حطيني الفلسطينيّ قد عبّر عن معاناته وما يختلج صدره من قهر وعذاب وبشكل واضح، قد استوعب الشّروط التقنيّة وأجاد التّعاطي مع علاقات الديمومة بشكلٍ ملفتٍ وواضحٍ وقد تصرّف بالزّمن بما يتلاءم مع مشاعره ورؤيته إلى قضيته.

ويبدو أنّ الكاتب قد جذب انتباه القارئ منذ البداية لمعرفة ما حدث وراء البرميل ومن الّذي قتل وما دور الشّخصيّة الرّئيسة بهذا الحدث “والشّرط الأوّل في تجربة إنتاج القصّ في القصّة الصّغيرة هو الكتابة القادرة على شدّ انتباه القارئ، وتشويقه إلى تتبّع تشكل العناصر في البناء الفنيّ النّاهض بأداء الدّلالة ”([64]). وكذلك كان همّ الكاتب التّعبير عن شعوره المضطرب تجاه القضيّة والظّلم الّذي يتعرّض له المجتمع الفلسطينيّ, كما قال نجيب محفوظ عن تجربة في كتابة القصّة القصيرة : “لعلّ همّي الوحيد هو التّعبير عن شعوري المضطرب “([65]). وكذلك يوسف إدريس :”القصّة القصيرة … تعبير عن لحظة اكتشاف لأشياء وعناصر موجودة فعلاً في الواقع”([66]).

ج – علاقات التّردّد :

ويقسّم إلى ثلاثة أقسام في النّصّ القصصيّ :

1- التردّد الإنفراديّ ودلالته :

تقع على مثال من القصّة الّذي يكون وحيداً ويحكى مرة واحدة :

قول الكاتب على لسان الشّخصيّة “كانت أمه تبكي بكاءً حاراً عندما حكى لها عن التّفاصيل من دون أن تسأله، حين حكى للجميع الّذين كانوا وقد رأوا الصّورة ذاتها، ولكنّ أحداً لم يشأ أن يقاطع شلّال الكلام والدّم الّذي يتدفّق كلمات على شفتيه : الحكي مش مثل الشّوف والصّورة مش مثل الحقيقة([67]).

وهنا نرى وصف الشّخصّية لأمّها،عندما حكت لها تفاصيل الخبر الّتي لم تقاطعها وذلك لعدم وجود أيّ عبارة أو كلمة عند الأمّ تعبّر عن مشاعرها، فهي تعجز عن الكلام أمام هذا الحدث المروّع الّذي يربط الألسن والعقول.

وقد وظّفت الشّخصيّة حضور الأمّ للتّعبير عن مدى ذهول الأم بكلام الشّخصيّة ومن وحشيّة العدو. فكلام الشّخصيّة أثّر بأمّها لهذه الدّرجة وهي لم تر المشهد فهي لم تستطع حتّى أن تسألها عن الّذين رأوا الصورة كيف كانت ردّة فعلهم.

فالكلام ووصف المشهد وحده فعل بالأمّ ما فعل وربط لسانها فكيف إذا رأته بأمّ العين ؟ ولقد أدّى هذا التواتر الإنفراديّ دوره في إبطال الدّلالة عبر الإيحاء عن فظاعة المشهد عبر الأمّ.

2- التردّد التّكراريّ :

لقد لجأ الكاتب إلى ذكر حدث واحد من أحداث القصّة غير مرّة في نصّه القصصيّ ,والمقصود من ذلك الإيحاء بدلالات معيّنة منها التّعبير عن الهواجس والقضيّة التي يطرحها منها الظّلم الّذي يتعرّض له الشّعب الفلسطينيّ وعلى وجه الخصوص أطفال فلسطين.

منها تقول الشّخصيّة : “توارت جدران مخيّم خلف القضبان، وتوارى برميلٌ خلف أحد هذه الجدران، بينما توارى أبٌ خلف البرميل، وخلف الأب تماماً توارى طفل بعمر الزّهور. طلقات حادقة اخترقت القضبان والمخيّم والجدران والبرميل، وكفّ الأب الحانية والطفل والزّهور، وكتبت بدم قان : هنا مخيّم البريج”([68]).

وكذلك من ” ريثما كان لذلك الطّفل القادم من طرف الساحة، وهي يحتمي بأبيه، أثر في تذكّر تلك الأغنية بالذّات، يركض الأب والطّفل، يصلان إلى جدارٍ كتب عليه قرارٌ حاسمٌ سريعٌ;” ما أخذ بالقوّة لا يستردّ إلّا بالقوّة،” يختبئان خلف البرميل، فيما ينهمر الرّصاص عليهما كالمطر، والأب العاجز عن حماية ابنه، يذبّ الموت والرّصاص عن ذلك الجسد الصّغير, وآلة التّصوير ترتجف بين يديّ طلال كديك مذبوح “([69]).

لقد ذكر الكاتب غير مرّة ما حصل في المخيّم وبالأخص وراء البرميل، الأب الّذي عجز عن احتضان ولده والدّفاع عنه من الموت والرّصاص الّذي يذبّ على جسد طفله الصّغير. والكاميرا ترتجف بيد طلال هذه الشّخصيّة الرّئيسة الّتي عانت من رؤية هذا المشهد,ولقد عبرت ودلّت الشّخصيّة عن المخاوف والهواجس الّتي يشير إليها الحدث وقد كرّرت الشّخصيّة غير مرّة عن المعاناة الّتي عاشها الأب والطّفل معاً، ولعلّ الأب أكثر بقليل فهو عايش عذابين ;عذاب عدم استطاعته الدّفاع عن ولده,وكذلك عذاب اقتراب الموت وفقدانه لطفله وهذه المعاناة يعيشها أبناء مخيّم البريج باستمرار. وهذه دلالة وطنيّة لإلقاء الضّوء على معاناة مخيّم البريج ,ولقد وصفت الشّخصيّة معاناة الأب بتكرارها غير مرّة ما قاله الأب : “مات الولد” وهذه دلالة على إظهار مشاعر الظّلم والعجز الّذين أحسّهما الأب تجاه طفله.

وتقول الشخصية أيضاً ما قاله الشّهيد :

  • “آه يا خمسون لحناً دمويّاً.
  • كيف صارت بركة الدّم نجوماً وشجر.
  • الّذي مات هو القاتل يا قيثاري
  • ومغنّيك انتصر. ([70]).

وكذلك الكوابيس تتوالى على نومه المتعب، يرى رجالاً بأنياب زرقاء، وحوشاً وديناصورات مرعبة تلتهم البشر والشّجر، وفجأة يخترق طفل بعمر الزّهور جميع الصّفوف وينشد أنشودته الّتي تنزل بردا وسلاماً على قلب طلال:

  • آه يا خمسون لحناً دمويّاً.
  • كيف صارت بركة الدّم نجوماً وشجر.
  • الّذي مات هو القاتل يا قيثاري
  • ومغنّيك انتصر. ([71]).

فلقد أعادت الشخصية الكلام بحرفيّته، بلغة شعريّة، غير مرّة، لتظهر أنّ الشّهيد وحده يستطيع أن ينشد هذه الأنشودة، ومن هنا نلفت النّظر على أن رغم المعاناة الي عايشها الطفل فإنه نال الشّهادة وأنشد نفس الأنشودة الّتي تبرّد القلب والرّوح فهو في أمان بين يديّ خالقه وبعيداً عن ظلم العدو وقهره.

وقد أعاد ذكر الأنشودة بقصد الدّلالة على أهميّة الشّهادة وعظمتها,وهكذا انتصر الطّفل ونال الجائزة الّتي يسعى إليها كلّ مظلوم مؤمن وخصوصاً أبناء الأراضي المحتلّة.

وهكذا قد أسكن الكاتب وكذلك الشّخصيّة بذور الأمل وإنّ الثّمن الّذي يدفعه أبناؤنا، هو لا شيء أمام حصولنا على الشهادة ونيلنا الإنتصار الإلهيّ.

ولذلك ختم الكاتب بهذا التّكرار لترك بصمة أمل عند القارئ على الرّغم من قساوة ما كتب في هذه القصّة.

3- التردّد النّمطيّ :

إنّ خروج الشّخصيّة الدّائم والمتكرّر يوميّاً إلى عملها وهو التّصوير، قد تطلّب إيجاز الأحداث النّمطيّة بجملة واحدة. تعبر عن هذا الزّمن المتكرّر الّذي تمرّ به الشخصيّة.

ومثالاً على التّكرار النّمطيّ يقول الكاتب على لسان الشّخصيةّ : “خروج طلال أبو رحمة في صباح ذلك اليوم، وهو يعلّق آلة التّصوير على كتفه، واتّجه نحو مخيّم البريج، لا يزال الحديث الذي دار بينه وبين أمّه اللّيلة الماضية ينخر رأسه :

  • أخجل من هذه الكاميرا، ماذا لو أنّني استبدلت بها أحجارًا وزجاجاتٍ حارقةً.
  • حماك الله يا بنيّ أنت تقوم بعمل عظيم.
  • أخجل من الصّغار يا أمّاه.
  • يا بنيّ الله يرضى عليك : بكرا الصّبح لازم تفيق بكّير عندك مشوار إلى مخيّم البريج. ”([72]).

هذه السطور توحي بتكرار خروج طلال تلك الشّخصيّة الرّئيسة كلّ يوم، حاملاً آلة التّصوير على كتفه إلى عمله وتكرار ذهابه إلى العمل كلّ يوم، يتطلّب حمل آلة التّصوير على كتفه، يوحي أيضاً هذا التّكرار على التّأقلم مع معطيات الواقع المفروض قسراً، والّذي يفرضه دائماً ولكنّ نصائح أمّه وتسليطها الضّوء على أهميّة عمله ,هذا ما خفّف من معاناة الشّخصيّة وأحسّت به عندما تحمل الكاميرا وتصور عاجزة عن تركها واستبدالها بأحجار تدافع فيها عن الظّلم والمظلومين.

وهذا التّأقلم يستدعي تحمّل الأوجاع والمعاناة النفسيّة غير مرّة، ويومئ في الوقت ذاته إلى الأوجاع الّتي يتحمّلها الصّغار والأطفال الفلسطينييّن،كون هذه الشخصيّة تمثّل عنواناً للمشاعر ونقلاً للمشاهد صوتاً وصورة ممّا يعانيه الفلسطينّيون ومواجهتهم للعدوّ والظلم.من خلال ما سبق,نجد أنّ التوتر بأنواعه الّتي قدّمت قد ساعدت وأسهمت وعبّرت عن الوجع الفلسطينيّ وعلى المعاناة  التي تمر بها أطفال مخيم البريج خير تعبير.

والقاص الناجح هو الّذي يستخدم لغةً يتصرّف بها من وظيفتها العمليّة إلى وظيفة فنيّة تمتّع المتلقّي. كذلك قد أجاد يوسف حطيني في مجال حيث “كان الفنان  القادر على التقاط تفاصيل اللحظة المهمة لينشئ منها بنية سرديّة قصيرة توضح عن دلالة مرحلة من مراحل العيش”([73]).

المبحث الثالث:

يدرس المستوى الزماني الوجودي لقصة صهيل الجواد الأبيض لزكريا تامر.

المبحث الثالث:

تمهيد:

نتناول في هذا المبحث الفضاء الزماني في قصة صهيل الجواد الأبيض لزكريا تامر

علاقات التّرتيب : في قصّة صهيل الجواد الأبيض

إن أولى التّقنيّات السرديّة الّتي على أساسها يتشكّل الزّمن القصصيّ الّذي يغاير الأحداث :

أ- تقنيّة الإسترجاع :

إنّ في هذه القصّة إسترجاعات، وإستعادة ما سبق أن حدث في الماضي ساعد على فهم مسار الأحداث وملء الفجوات الّتي يخلّفها السّرد.

فقد إستعاد “زكريّا تامر” بعض مواقف الماضي وطبعها على صفحات “صهيل الجواد الأبيض” وهذه الإستدعاءات تغطّي بعض صفحاتها.

تقول الشّخصيّة :”كان اللّيل آنذاك أغنية خشنة حارّة طويلة، يتعانق بحنان في عتمة كهوفها عذوبة ربيع وتوحش نمر جائع. وكنت وطواطاً هرماً أعمى، جناحاه محطّمان. لا أجد خبزي وفرحي”([74]).

عادت الذّاكرة بالشّخصيّة الرّئيسة إلى الوراء، تسترجع جوانب من حياة الحزن والكآبة والفقر الّتي لوّنت حياتها، فكانت تشعر بطول اللّيل بسبب يأسها وحتّى اللّيل تسمعه كأغنية خشنة،فهي من كثرة حزنها لا تحبّ سكون الليل وهدوءه، ومع عذوبة فصل الرّبيع فإنّها كالوحش وكالنّمر من الغضب وشدّة الانزعاج و يدلّ كلّ ذلك على مدى إستياء الشّخصيّة وكرهها للحياة فهي لا ترى شيئاً جميلاً، كلّ ما حولها مع حلاوته تجده مرّاً بشعاً.

ومن هنا نجد أنّ هذا الإسترجاع قد تضمّن إشارة واضحة للحزن والقهر بسبب الفقر والوحدة.

وتقول الشّخصيّة الرّئيسة عن نفسها، مواسية متذكّرة ما كان لديها : “كان لك فتاة، مدينة أفراح ولذّة. لك شفتاها الأرجوانيّتان تفتحان لصحرائك الجائعة أبواب كنوز توقظ النّار النّائمة في دمّك. لك نهداها، الثّلج الّذي له حرارة شمس صيف. لك عيناها بأسرارهما الغامضة. لك شعرها الأسود، الغيمة المكتئبة المتهدّلة بأسىً فاتن على الكتفين. كان لك فتاة مدينة أفراح ولذّة. سلبت منك”([75]).

يتضمّن هذا الإسترجاع جملة من الدّلالات المقصودة. ففيه دلالة نفسيّة، أوحت بيأسها، فالمرأة بالنّسبة إلى الشّخصيّة هي الفرح واللّذة، بواسطتها يرى كلّ شيء جميل وعندما سلبت منها لم تر إلّا الحزن والكآبة فهي الحياة وكلّ ما فيها. ومن دونها لا طعم لهذه الحياة ولا لذّة لهذه الدنيا.

وفيه دلالة اجتماعيّة، أوحت بالشّعور بالوحدة والتّعب والفقر فهذه الشّخصيّة قد إستسلمت للواقع من دون البحث عن السّعادة لأنّ الحياة من وجهة نظرها هي المرأة فهي وحيدة تعاني الضّجر والملل والحزن منذ أن سلبت هذه المرأة منها.

بناءً على ما تقدّم، يمكن القول أنّ الإسترجاع قد أدّى دوراً في الدلالة على الكآبة والهمّ والوجع الّذي امتدّ منذ فقد الحبيبة والفتاة الحياة.

ب – تقنيّة الإستباق ودلالتها في قصّة “صهيل الجواد الأبيض” :

إنّ هذه التقنيّة تتنسّم أحداثاً لم تقع بعد، ومن هنا نجد أنّ الشّخصيّة الرّئيسة في قصّة “صهيل الجواد الأبيض” قد تنسّمت أحداثاً واستبقت بعض التطوّرات قائلة : “سأموت خطوة واحدة إلى الأمام، وأهرب من تعب المعمل والصياح والوجوه القاسية الّتي تسرق حتّى الغبطة الوديعة المختبئة في عينيّ.”

سأموت خطواتي تتراكض على الرّصيف، تتراكض تتراكض ويحتويني فراغ غرفتي. سأموت. وابتدأت أبتلع الحبوب الملساء الصّغيرة وأنا أبتسم ابتسامة متشفيّة. هي وحدها باستطاعتها أن تنقذني من تعاستي … ستميتني”([76]).

إستبق زكريّا تامر الزّمن الواقعيّ، ليصل إلى الحلم الكبير الّذي يراود مخيّلته باستمرار. إلّا أنّ هذا الحلم لم يجد الأرضيّة الصّلبة الّتي يترسّخ فيها. فكلّ ما تريده الشّخصيّة الموت وتتمنّاه دائماً لتستريح من الهمّ والمعاناة الّتي تعيشها في المعمل والبيت والطّريق وكلّ زاوية من زوايا حياتها، ولم تشعر بالفرح ولم تزرع الابتسامة على شفتيها، إلّا عندما واست نفسها بالموت,لأنّ الموت بالنّسبة إلى الشّخصيّة هو الخلاص والسّبيل الوحيد للرّاحة والطّمأنينية وهذا الإستباق يكشف عن الوجع الّذي ملأ قلب الشّخصيّة الرّئيسة لأنّها ذاقت مرارة العمل والوجوه القاسية فكان الموت السّبيل الوحيد إليها والهدف الكبير الّتي تسعى إلى تحقيقه.

ج. علاقات الدّيمومة في “صهيل الجواد الأبيض” :

فمن خلال دراسة هذه العلاقات نتعرّف سرعة القصّ في هذا العمل الّذي له دلالة خاصّة.

ومن تقنيّات هذه العلاقات :

تقنيّة التّلخيص :

يلجأ الكاتب إلى التقاط ما حصل معه قبل سنوات عديدة فيختصر الكاتب الزّمن ويقول : “أنصت يا سكران لذلك الصّغير المرح الطّويل المترجرج برقّة المنساب من فم الشّاب الّذي يسير أمامك بخطىً ثابتة مفعمة بحيويّة مدهشة. ربما كان إنساناً سعيداً أنت أيضاً كنت مثله قبل سنوات”([77]).

قدّم الكاتب سنوات متعدّدة، لم يذكر عددها، في هذه السّطور وقد اقتصر التّلخيص على المفاصل الرّئيسة، إذ ما يهمّ الكاتب هنا هو حاله قبل سنوات، عندما كان فرحاً، سعيداً، يمشي بثقة وحيويّة مدهشة، بينما الآن، أصبح سكّيراً، لا يرى أي شيء جميل، فكلّ ما حوله يشعره بالكآبة والملل والحزن.

وكلّ ذلك بسبب فقده المرأة والحبيبة، والوحدة الّتي يعيشها والحياة الصّعبة الّتي يعاني منها بسبب قساوة الدّهر عليه، فهو يعمل بمعمل حديد لا يرى إلّا العمّال الفقراء وعندما يذهب إلى منزله لا يجد من يواسيه ويخفّف ألمه وتعبه فهو وحيد حزين وكل ما يفرحه في هذه الدّنيا فقده ولم يبق إلّا السكّر والقهر والحزن.

وقد استخدم الكاتب هذه التقنيّة لتسليط الضّوء على الحياة الّتي كان يعيشها قبل سنوات عندما كان لديه المرأة والحبيبة وكيف أصبحت حياته بعدها. وقد استخدمها بشكلٍ فنيٍّ، لخدمه همومه، تلك الهموم الّتي عرف الكاتب كيف يعبّر عنها بنجاح.

2- تقنية المشهد ولالتها على “صهيل الجواد الأبيض” :

وهذه التقنيّة مناقضة لتقنيّة التّلخيص، تذكر التفاصيل والجزئيّات.

شكّل الحوار جانباً أساسيّاً في تقديم المشهد، وإغنائه بالتّفاصيل. فلقد قدّم الكاتب حواراً جاء معظمه مطوّلاً وقد وظّفه الكاتب للدّلالة على معاناته الذاتيّة ويأسه المسيطر عليه.

فيقول : “كان يرتشف من كأسه بين الفينة والفينة رشفةً ضئيلة ثم يحملق لحظةً، وبغتةً ينفجر ضاحكاً ضحكةً كئيبةً أكثر من البكاء، وأحسست بخوف غامض عندما التقت عيناي يعينيه الذليلتين، إنّه يبتسم لي. سأنهض وأحادثه.

قلت : أنا عامل مسكين لا أبتسم.

قال : أنا في النّهار بائع أقمشة وفي الّليل بحّار مغامر.

قلت : أنا أحبّ البحر. إنّه كبير غامض.

قال : بعد منتصف اللّيل عندما أسلم رأسي للوسادة تبحر سفينتي. آه لا شيء في العالم أجمل من البحر والسّفر والتنقّل الدّائم. الشّراع يرفرف، وأنت تقف مشدود القامة، مرفوع الرّأس، تداعب الرّيح الرّطبة خصلات شعرك، وتنفذ إلى أعماقك رائحة الملح وهدير الموج. ستضحك بسرورٍ وحشيٍ فكلّ الأحزان خلفتها وراءك. وعمّا قريب ستصل إلى مرفأ لم تطأه قدماك من قبل. وهناك ستقابل أناساً غرباء، وستجلس في حانةٍ تحتسي خمرتها اللّاذعة على مهل. وتصغي إلى موسيقى مدهشة، ستخلقك من جديد، وستعيد إليك طفولتك المسلوبة وربما رقصت مع فتاة عيناها كبيرتان تصهل في أغوارهما شهوة مجنونة. آه ما أروع الأشياء الجديدة المجهولة.

قلت : السّفر يخيفني. إنّي أعشق مدينتي بجنون، وقد كدت مرّة أبكي عندما إستنشقت رائحة عطر غريبة كانت تفوح من شارع تهطل الأمطار بسخاء على مبانيه وأسفلته واشجاره.

قال : البلهاء وحدهم يفضّلون الهدوء.

قلت : أحياناً أحلم بزوجة وأطفال ومنزل، وأتمنّى لو يتحقّق هذا الحلم.

قال : أنت مجنون. ستتحوّل ببطء إلى دودة ضجرة لا تقدر على الهرب من قفصها الفولاذيّ. البحر وحده يسعدني. أترحل معي اللّيلة؟

ورفعت كأسي مرّة أخرى إلى فمي، واستقبل حلقي السّائل اللّاذع، وضحكت هازئاً بتخيّلاتي، فالرّجل ذو المظهر البائس ما زال جالساً وراء طاولته يشرب ويحملق ويضحك ضحكته الكئيبة أكثر من البكاء وما زلت ملتصقاً بمقعدي لم أبتعد عنه لحظة ”([78]).

وظف الكاتب هذا الحوار للكشف عن ما يخالجه من مشاعر وما يتمناه، فهو رجل وحيد وجل ما يتمناه زوجة وأطفال وما يعانيه من اليأس والحزن، فهو لا يحب العيش في مدينة تملؤها الضجة ويتمنى أن يعيش بمدينة تفوح منها الرائحة الجميلة ويحلم بزوجة وأطفال.

ومن هنا نجد أن الكاتب قد وضع القارئ في مناخ معين لا يستطيع التلخيص أن يجعله يحس بتأثيراته المتنوعة، فهو يضعه وجهاً لوجه أمام معاناته وتمنياته وأحلامه التي تنضح بها هذه القصة “صهيل الجواد الأبيض”. وقد عرف الكاتب متى يوقف السرد ويقدم المشهد، حوارياً. وذلك لتماسك القصة ووحدتها.

3- تقنيّة الوقفة ودلالتها في “صهيل الجواد الأبيض” :

إنّ هذه التقنيّة تشعر الكاتب بتوقّف الزّمن، نتيجة وقوع حدثٍ مفاجئ له تأثيره المباشر في الشّخصيّة.

فقد قطع الكاتب السّرد أحياناً، ليصف ما شعر به في أثناء تمدّده على الفراش منتظراً جواده الأبيض.

فقال : تمدّدت على الفراش دون أن أخلع ملابسي، والعالم ينأى عنّي بصراخه القبيح، والنّقطة السّوداء المختبئة في صميمي تمزّق أقنعتها، وتظلّ تنمو حتّى تتحوّل إلى عنكبوت لا أقاومه بل أسقط بسهولة بين أذرعه اللّزجة الّتي تلتفّ حولي وتمنعني من الحركة .

وأرتجف وأنا أسمع صهيله الّذي يدعوني إليه ولا أقدر على تلبيته ففي تلك اللّحظة كنت أحسّ بتلبّد عجيب وكأنّني جثّة طافية على وجه مياه نهرٍ بطيء.أواه لكم اشتهيت أن يرجع جوادي الأبيض الهارب لكي أمتطيه وأترك له العنان ليعدو بي طويلاً عبر براري لا أفق لها ”([79]).

فالشّخصيّة تنتظر الموت، الّذي يفرحها فهو السّبيل الوحيد للتخلّص من هذه المأساة الّتي يعيشها فوصف حاله عندما تمدّد على الفراش منتظراً الجواد المخلص الّذي يأخذه إلى العالم الآخر فهناك سيشعر بالرّاحة والفرح. وهذه الوقفة قد وظّفت بشكلٍ ناجحٍ، صوّر فيه الكاتب الهمّ والوجع الّذي يكمن في قلبه ومدى شوقه لرؤية جواده الّذي سيأخذه إلى البعيد، إلى عالم آخر بعيدٍ عن الحزن والكآبة.

ج. علاقات التّواتر في صهيل الجواد الأبيض :

1. التّواتر الإنفراديّ :

إنّ التّواتر الإنفراديّ جاء ضئيلاً في “صهيل الجواد الأبيض” نقع على مثال وحيد ويحكى مرّة واحدة.

عندما قالت الشّخصيّة الرّئيسة :”

أنا لست سوى مخلوق ما ضائع في زحام مدينة كبيرة قديمة. لست دونجوان. لا أملك سيّارة ولا بناية شامخة في شارع لا يسكنه الفقراء. جبهتي لم تلمس مرّة سجّادة مسجد. لست بطل ملاكمة أو مصارعة صورتي لا يعرفها قراء الصحف والمجلات ”([80]).

تعبّر الشّخصيّة عن الضّعف والعجز واليأس الّذي تشعر به فهي إنسانٌ عاديّ، بل أقلّ، لا أهميّة له، فقير، ضائع، يائس، لا يعرف إلّا اليأس والحزن. وقد وصف نفسه ليعرف القارئ عنه وعن صفاته الّتي يحملها. ولعلّ هذا التّواتر الإنفراديّ قد أدّى دوره لإيصال الدّلالة المقصودة عبر الإيحاء.

2- التّواتر التّكراريّ :

كرّرت الشّخصيّة في قصّة “صهيل الجواد الأبيض” التحدّث عن الموت غير مرّة في النّصّ، بقولها :” لماذا لا أموت ؟ … سأموت، خطوة واحدة إلى الأمام وأهرب من تعب المعمل والصّياح والوجوه القاسية الّتي تسرق حتّى الغبطة… سأموت. خطواتي تتراكض على الرّصيف، تتراكض، تتراكض ويحتويني فراغ غرفتي. سأموت. وابتدأت أبتلع الحبوب الملساء الصّغيرة وأنا أبتسم ابتسامة متشفيّة. هي وحدها باستطاعتها أن تنقذني من تعاستي … ستميتني”

فالشّخصيّة تعاني من ألمٍ ووجعٍ نفسيّ، فلا تشعر بالفرح وكلّ ما يهمّها هو الموت، فقد تمنّته كثيراً ولذلك أماتت نفسها لتتخلّص من هذه الدّنيا الّتي تراها مؤلمة، موجعة، وفضّلت الموت الّذي سيريحها من عناء الدّنيا وظلمها. وقد وظّف الكاتب هذا التّواتر لتقديم غير دلالة يرمي إليها, لعلّه يقصد على الكشف عن الظّلم والفقر والحزن الّذي يعيشه، في ظلّ مدينة ووجوه قاسية تسرق منه الغبطة والابتسامة وهو تعبير عن وجوده الوحيد الصّحيح الّذي كان يعيشه.

3- التّردّد النّمطيّ ودلالته على “صهيل الجواد الأبيض”

إنّ هذه التّواتر أو التّردّد الّذي يتكرّر يوميّاً، أو كلّ مساء، أو كلّ شهر … يوجزه الكاتب في جملة واحدة يعبّر عن هذا الزّمن المتكرّر الّذي تمرّ به الشّخصيّة.

يمكننا الوقوف أمام هذا المثال من هذا التّواتر النّمطيّ. تقول الشّخصيّة الرّئيسة : ”أشتغل في اليوم ثماني ساعات. أتعب، أبتلع الطّعام بسرعة عجيبة، أشترك بحماسة في مناقشات عظيمة. أقامر بمبالغ ضئيلة. أضحك ببلاهة. أغازل فتيات. أشتم الله. أصادق مومسات ”([81]).

هذه السّطور توحي بتكرار كيفيّة قضاء الشّخصيّة حياته اليوميّة، إذ يعيش بهذه الطّريقة الحزينة، يعمل يوميّاً ثماني ساعات، من هنا يومئ الكاتب إلى الأوجاع الّتي يحملها وتثقله يوميّاً. وقد أسهم هذا التّواتر في الكشف عن هذا الوجع وهذا الحزن وقد عبّر الكاتب عنها خير تعبير.

الفصل الثّاني :

يعالج هذا الفصل الفضاء المكانيّ في القصص الثلاثة وذلك وفق النّقاط الثّلاث : دوائر المكان ومكوّناته، التّقاطب وظائف المكان.

تمهيد :

المكان هو المجال الطّبيعي الّذي يشكّل منطلقاً لسيرورة الإنسان في الحياة. وعندما يسعى هذا الإنسان وراء عمل معين، أو للإستقرار في مكان يستأنف فيه حياته الطّبيعيّة، فإنّه يكون محكوماً بجملة من العوامل التي لا يستطيع التفلّت أو الفكاك منها، فقد تكون اجتماعيّة، أو سياسيّة أو ماديّة أو غير ذلك. قد يأتي المكان والزّمان من بين هذه العوامل. وإذا كان خضوع الإنسان لسلطة الزّمان مطلقاً لا يقدر على الملص من سيطرته، فإنّه كذلك خاضع للمكان، لأنّه صنو الزمان ورديفه في التحكم، بوصفه الحيّز الوحيد لحركته ومسعاه وبهذا، يغدو الإنسان مرتهناً لهذين القطبين اللّذين قد يكونان محفّزين له، أو مهدّدين لاستقراره.

1- المكان في العمل القصصيّ :

إنّ موضوع المكان في العمل القصصيّ لم ينل المكانة الّتي يستحقّها في أغلب الدّراسات والأبحاث الّتي تناولته إلّا في مراحل لاحقة فقد كان التّركيز منصبّاً على الزّمن القصصيّ. وبالإمكان تعريف المكان إنطلاقاً من كونه” ملفوظاً حكائياً قائم الذّات وعنصراً من بين العناصر المكوّنة للنّصّ ”([82]). وبإمكان المرء أن يستحضر الأمكنة الّتي يعرفها، أو يعيش فيها، كالبيت والمدرسة ومركز العمل … الخ.

ومن المعلوم أن هذا الاستحضار يكون ذهنيّاً، ومنزاحاً عن الواقع، وما ذاك إلّا لأنّه ليس بالإمكان تصوّره ذهنيّاً كما هو، بل وفقاً لحركة الذّهن من جهة، ووفاق ما يعتمل  في الذّات المقصورة من جهة أخرى. والإنزياح الحقيقيّ للمكان يتمثّل في رؤية الإنسان للعالم من حوله، تلك الرّؤية الّتي تساهم الثّقافة والمعتقدات والهموم والإهتمامات في تشكّلها.

إن العوامل المشار إليها جميعاً، تشكّل زاوية الانسكار الّذي سيحدث للمرجح الواقعيّ في الذهن، أو في النّصّ. ويمكن تعريف المكان عمليّاً بأنّه : “المحيط الحسيّ الّذي تدور فيه الأحداث، وهو ليس مجرّد وعاء محايد، إذ يشكّل مع الزّمن ما يمكن تسميته بالخلفيّة النفسيّة والاجتماعيّة للرواية”([83])، ويؤدّي دوراً في تكوين الرّؤية الفكريّة للكاتب، ويتبعها ما يمكن أن يحقّق من وظيفة جماليّة تحفل بالإيحاء.

بناءً على ما تقدّم، يغدو من الضروريّ أن تتمّ دراسة المكان الّذي تجري فيه الأحداث، في القصص الثلاث، بوصفه عنصراً فاعلاً في بنية القصّة، وذلك وفق النّقاط الثّلاث الّتي تمّ ذكرها سابقاً : دوائر المكان ومكوّناته، التّقاطب، وظائف المكان.

المبحث الأول:الفضاء المكانيّ في قصّة “أنياب زرقاء” ليوسف حطيني :

تمهيد :

سيتم دراسة المكان ومكوناته في قصة (إستحقت عيشها) لإميلي نصر الله.

أ- الفضاء المكاني في قصة “إستحقت عيشها” لإميلي نصرالله:

أ-1: دوارئر المكان ومكوناته :

أ– 1 – أ : دائرة القرية ودلالاتها :

لقد دارت معظم أحداث هذه القصة في القرية التي إستهلت الكاتبة إنطلاقتها من هذا المكان، الذي شهد حكاية ظلت ردحاً من الزمن حديث الناس تقول الكاتبة : “أكتفي بسرد الحكاية التي شغلت سكان القرية، وظلت حديث الناس ردهاً من الزمن”([84]).

إن ما حصل في هذه القرية يضرب فيه المثل لمدى قساوة المشهد فإن كره أهالي القرية لنسل حواء لا يوصف تقول الشخصية : “ولا بد هنا من الإعتراف بأن الجار لم يكن ينفرد بهذا الموقف المتزمت بل كان له في قريتنا أمثال، يلتقون معه في السخط مع سليلات حواء، ويعتبرون قدومهن إلى الكون ضربة قاضية من ضربات القدر العشواء”([85]).

إن كره أبي ناصيف لنسل حواء لم يكن مقصوراً عليه فقط بل كانت آفة منتشرة عند معظم رجال أهل القرية، فهم يعتبرون المرأة مصيبة وضربة قاضية من ضربات القدر. مما يدل على العقلية القاسية السائدة التي تشبه العقلية التي كانت قبل الإسلام ولكن بعد ظهور الإسلام أعطى للمرأة حقها الذي لطالما حرمت منه طوال سنين، وإن ما حصل في هذه القرية ويحصل في باق القرى حتى الآن دليل على إستمرارية هذه العقلية التي ربما خفت بعض الشيء ولكن جذورها ما زالت مترسخة في بعض العقول كأمثال أبو ناصيف وغيره.

أ – 1 -ب: دائرة الطريق ودلالته :

لقد حملت الكاتبة الطريق دلالة في “إستحقت عيشها”، فهو المكان الذي وقعت فيه الطفلة، المكان الذي رمى فيه “ابو ناصيف” فلذة كبده، لمجرد أنها أنثى. تقول الشخصية: “كانت عيناه مثل عيني وحش هائج يبحث عن فريسة ووقعت يداه على ضالّته، على المولودة الجديدة، بين يدي القابلة. سلخها منها وأسرع إلى نافذة بضعة أمتار عن مستوى الطريق، تم قذفها إلى الخارج بكل قوته”([86]).

الطريق المكان الذي سقطت فيه الطفلة، التي لم يتجاوز عمرها الساعات وترمى في الخارج، بكل قوته، دليل على قساوة القلب وإنعدام العاطفة. والتشبث بالعقلية المتخلّفة التي ما زالت مترسخة في عقل “ابو ناصيف”، ولكن بقاء الطفلة حية دليل على مقاومة المرأة وإنتفاضها لإرادة الحياة .

أ – 2 : وظائف المكان ودلالته :

أ-2 – أ: الوظيفة التوثيقية :

لم تخل هذه القصة من المعطيات التوثيقية الدقيقة، التي أرّخت حادثة “أبو ناصيف”، لغرض مقصوداً أرادته الكاتبة التي ظلت شاهداً حياً على العقلية التقليدية التي كانت سائدة في تلك القرى الجنوبية آنذاك، وما آلت إليه هذه القرى من دمار وخصوصاً وإن الحدود الجنوبية كانت تتعرض يومياً ودائماً إلى القصف مما أدى إلى تهدم البيوت.

فتقول الشخصية: “وحين عدت قبل أيام لزيارة الأهل، لاحظت أن تحولاً جذرياً قد طرأ على حياة الناس وإهتماماتهم، وهو ليس التغير الطبيعي الذي يفرضه  مرور الزمن : كان تبدلاً فرضته الحرب التي حولت قريتنا، وسائر قرى الحدود الجنوبية، إلى خط أحمر دائم التأجج”([87]).

فإن إضافة (نا) المتكلمين بكلمة قريتنا، يعزز إنتماء الكاتبة إلى هذه الأرض وكذلك يربطها بها إرتباطاً حميمياً أيضاً. وإن تكن هذه الأرض قد تحملت الكثير من التغيرات ورغم هذه التغيرات ما زالت محافظة على الأرض ولو أن الاهتمامات قد تغيرت.

أ– 2 -ب: الوظيفة الإيهامية ودلالتها :

لقد أوهمت الكاتبة القارئ من خلال وقوفها أمام التفاصيل الصغيرة في الوصف لتكون دلالة على وظيفة إيهامية.

تقول الشخصية : “كانت عيناه مثل عيني وحش هائج يبحث عن فريسة. ووقعت يداه على ضالته، على المولودة الجديدة بين يدي القابلة. سلخها منها وأسرع إلى نافذة ترتفع بضعة أمتار عن مستوى الطريق، ثم قذفها إلى الخارج، بكل قوته. حجبت العواصف صراخ المخلوقة العاجزة وارتفعت جلبة النساء، وكانت جدتي أسبقهن إلى التحرك، فركضت إلى الطريق، ولفت الطفلة في حضنها، ثم حملتها إلى دارها”([88]).

تطرقت الكاتبة إلى وصف ما حدث في ذلك المكان بهدف تسليط الضوء على قساوة المشهد ومظلومية المرأة لتكون خطوة الأولى على طريق إستعادة أبسط الحقوق المغتصبة حق العيش والإحترام.

المبحث الثاني:دوائر المكان ومكوناته في قصة أنياب زرقاء

تمهيد:

ندرس في هذا المبحث دوائر المكان ومكوناته في قصة أنياب زرقاء ليوسف حطيني

أ-1 : دوائر المكان ومكوّناته في “أنياب زرقاء” :

عالجت قصّة “أنياب زرقاء” موضوعاً محدّداً تحاول أن تجمع بين الذّات وبين القضيّة الإجتماعيّة، الوطنيّة، والقوميّة على قاعدة المكان، على أساس أن هذه القضيّة منطلق للتّعبير عن هموم الذّات، ومشاغلها وتطلّعاتها.

أ-1-أ: دائرة مخيّم البريج ودلالات الحضور الإنسانيّ فيها :

كانت إنطلاقة الكاتب من المكان في بداية القصّة. تقول الشّخصيّة الرّئيسة : “توارت جدران مخيّم خلف القضبان وتوارى برميلٌ خلف أحد هذه الجدران، بينما توارى أب خلف البرميل، وخلف الأب تماماً توارى طفل بعمر الزّهور… طلقات حارقة اخترقت القضبان والمخيّم والجدران والبرميل، وكفّ الأب الحانية، والطفل والزّهور، وكتبت بدم قان. هنا مخيّم البريج “([89]).

إن إرتباط المكان بوجود الأب وابنه يشكّل الإطار الخارجيّ للذات المنسحقة، وقد عصف فيها الألم والظّلم. والمكان هو مخيّم البريج، مخيّم عرف بمظلوميّة أهله وأطفاله. مخيّم مات فيه طفلٌ بعمر الزّهور، حتّى لم تستطع يد والده من حمايته.

إنّه المكان الّذي شهد فيه فاجعة يحترق القلب لسماعها. في هذا المخيّم أقام الفلسطيّنيون الّذين لم يغادروا بلدهم في ما تبقى من مدن عربيّة هناك، بعد إعلان قيام الدّولة العبريّة على أرضهم، ومنهم من أقام في مخيّمات حول المدن العربيّة، وتحوّلت هذه الإقامة المؤقّتة إلى دائمة بمرور الزّمن. واكتظّت المخيّمات بالنّازحين، وقد تحرّرت المخيّمات ” من جميع القيود الهندسيّة والحضريّة إنه مكان معزول عن العالم ومتروك لتناقضاته يعتاش عليها ويعيد إنتاجها “([90]). وضاقت بهم البيوت الهزيلة الحقيرة، وكانت إقامتهم فيها عقاباً لهم، لعدم مغادرتهم أرض فلسطين. وفي هذا العقاب الجمعيّ كانوا يلاقون أنواعاً شتّى من المضايقات والإهانات والإذلال، ناهيك عن القتل والذلّ ولكن إرادة العيش على ثرى الأجداد جعلهم يتحمّلون شظف العيش، بانتظار العودة ذات يوم.

ما حدث في مخيّم البريج يحصل كلّ يوم في القدس وطولكرم والجليل تقول الشّخصيّة : “هذا الصّباح بدأت المواجهات مبكّرة واشتعل القطاع مثلما اشتعلت القدس وطولكرم، ومثلما اشتعل الجليل. راح يتأمّل جداراً ملأته شعارات وقرارات حاسمة :

دم الشّهيد لن يذهب هدراً.

القدس عاصمة الدّولة الفلسطينيّة المستقلّة.

المجد للانتفاضة”([91]).

إنّ تعريب أسماء الأماكن الّتي تتعرّض للقصف هو دلالة على أنّ فلسطين. فمعظمها تتعرّض للظّلم والقصف من قبل العدوّ الإسرائيليّ الغاصب ,ومع ذلك فإنّ الفلسطينييّن متمسّكون بالهويّة الحقيقيّة ورافضون للهويّة الإسرائيليّة الّتي منحت لفلسطينيّ الدّاخل.

أ – 2 : الشّارع، والسّاحة الّذي ركضت فيه الشّخصيّة ودلالات هذا المكان :

يظهر الكاتب ارتباطه بالمكان وتعلّقه به، تقول الشّخصيّة الرّئيسة : “قال في نفسه: هؤلاء المجرمون يقتلون شعبنا بعيداً عن الكاميرا، يجب أن أفعل شيئاً، يركض طلال من مكان إلى آخر، بين الرّصاص الكثيف، كأنّه يركض بين قطرات مطرٍ غزيرٍ، يختار مكاناً مناسباً يثبّت فيه آلة التّصوير، بينما تتّسع دائرة المواجهات لتشمل كلّ شارع وحارة، وفجأة قفزت إلى رأسه المليئ بضجيج الرّصاص أغنية هادئة : سنرجع خبّرني العندليب…غداة التقينا على المنحنى”.

ربما كان لذلك الطفل القادم من طرف السّاحة، وهو يحتمي بأبيه أثرًا في تذكّر تلك الأغنية بالذّات، يركض الأب والطفل، يصلان إلى جدار كتب عليه قرارٌ حاسمٌ سريعٌّ : “ما أخذ بالقوّة لا يستردّ إلّا بالقوّة”([92]).

وصفت الشّخصيّة الرّئيسة المكان الّتي وجدت في أثناء الفاجعة لتبيان مدى قساوة العدو وقساوة الحياة بظلّ الرّصاص الّذي يتساقط كالمطر الغزير، في كلّ شارع وحارة ومع ذلك الضجيج وهذه القساوة تذكر الشّخصيّة أغنية هادئة وهذه دلالة على تشبثها بالأرض ومدى محبّتها لوطنها وأرضها فلا يزال الأمل في قلبها والسّبيل الوحيد لتحقيقه المقاومة والمواجهة بالقوّة لاستعادة ما أخذ بالقوّة.

أ – 2 : وظيفة المكان في “أنياب زرقاء” ليوسف حطيني :

لم يكن المكان محايداً في “أنياب زرقاء”، وقد قام بغير وظيفة، بخروجه على هذه الحياديّة، وتوزّعت وظائفه المستويات التوثيقيّة، الإبهاميّة والتفسيريّة.

أ-2 – أ : الوظيفة التّوثيقيّة ودلالات التّوثيق :

كلّما اقتربت وظيفة المكان من النّاحية التّقريريّة أو العلميّة ابتعدت عن الفنيّة أكثر فأكثر، وهذا الوظيفة في الأصل، تقوم بدورٍ بنائيٍ فاعل في القصّة، وإذا كانت قصّة “أنياب زرقاء” التوثيقيّة الدّقيقة، الّتي قد تكون تأريخاً لحادثة ما، لغرض مقصوداً أراده الكاتب والّتي ظلت شاهداً حيًّاً على ما حصل مع الطّفل يوم خروج طلال أبو رحمة ذلك المصوّر الّذي يقوم بتصوير جوانب ما يحدث داخل فلسطين المحتلّة.

ومن بين هذه الجوانب :

  • يوم خروجه من منزله متّجهاً صوب مخيّم البريج المكان الّذي تبلّل بدماء الطّفل وأبيه. تقول الشّخصيّة : “خرج طلال أبو رحمة في صباح ذلك اليوم، وهو يعلّق آلة التّصوير على كتفه، واتجه نحو مخيّم البريج، ولا يزال الحديث الّذي دار بينه وبين أمّه الّليلة الماضية ينخر في رأسه.
  • أخجل من الكاميرا، ماذا لو أنّني استبدلت بها أحجاراً وزجاجات حارقة.
  • حماك الله يا بني أنت تقوم بعمل عظيم.
  • نعم يا بني … الله يرضى عليك. بكرة الصّبح لازم تفيق بكّير، عندك مشوار إلى مخيّم البريج “.

وعلى الرّغم من أنّه لم ينم تقريباً، فها هوذا في طريقه إلى المخيّم، تملأ رئتيه رائحة قدسيّة تعطّر الهواء، يقرأ قرارات توصّل إليها النّاس هناك دون الحاجة إلى اجتماعات مطوّلة. قرارات سريعة حاسمة واضحة، لا تحتاج إلّا إلى رجل وعليه بخ و جدار.

هذا الصّباح بدأت المواجهات مبكّرة، واشتعل القطاع مثلما اشتعلت القدس وطولكرم ومثلما اشتعل الجليل. راح يتأمّل جداراً ملأته شعارات وقرارات حاسمة :

دم الشّهيد لن يذهب هدراً.

القدس عاصمة الدّولة الفلسطينيّة المستقلّة.

المجد للانتفاضة([93]).

إنّ كلّ ما رأته شخصيّة يدلّ على مدى قساوة العدوّ، فإنّها جعلت الفلسطينيّن لا يفكّرون إلّا بها وبما تفعله بالشّعب الفلسطينيّ المظلوم، فأصبح الهمّ هم جميع كلّ فلسطينيّ وكلّ عربيّ، للدّفاع عن وطنه حتّى ولو بالحجارة أو الزّجاج.

فإنّ الشّخصيّة وصفت المكان وما كتب على جدرانه من قرارات حاسمة وهذه القرارات ليست مكتوباً فقط للقول بل للفعل أيضاً فكم من الفلسطينييّن يستشهدون كلّ يوم دفاعاً عن أرضهم العزيزة وعن أطفالهم الأبرياء. وهذا ما حصل في مخيّم البريج يوم قتل الطّفل وهو في حجر أبيه العاجز عن الدّفاع عن فلذة كبده. يا له من عدوّ يتباهى بحضارته الزّائفة بينما يمارس أقصى درجات الوحشيّة في تعاملهم مع العرب الفلسطينيّين وخصوصاً الأطفال.

أ-2- ب : الوظيفة الإيهاميّة ودلالات الإيهام :

لعلّ غاية القاصّ من الوقوف أمام التّفاصيل الصّغيرة في الوصف, تكون دلالة على وظيفة إيهاميّة، ذلك أن عالم القصّة عالم تخييليّ وإستقاء التّفاصيل الصّغيرة من العالم الخارجيّ يجعل القارئ يشعر بأنّه يعيش في عالم الحقيقة لا في عالم الخيال “([94]).

يستغرق القاصّ يوسف حطيني في وصف تفاصيل المكان وكيفيّة إختباء الأب وطفله خلف البرميل بقصد الكشف عن الحال النفسيّة لدى الشّخصيّة أن يسترسل القاصّ في تصوير المشهد والمواجهة والمكان الّذي أصيب وقتل فيه الطّفل، فوصف المكان وكيفيّة انتقال الوالد وطفله إليه وصفاً دقيقاً، كاشفاً بلغة شعريّة مليئةً بالانفعال المؤثّر، عن الحال النّفسيّة الّتي اعترته، وهو يرى الحدث، عاجزًا عن فعل شيءٍ وعن الدّفاع عن الطّفل وأبيه، فتكلّمت الرّصاصة، والأب وكذلك صحيفة سوديتتشيتز ايتونغ الألمانيّة.

تقول الشّخصيّة :”ربما كان لذلك الطّفل القادم من طرف السّاحة، وهو يحتمي بأبيه، أثر في تذكر تلك الأغنية بالذّات، يركض الأب والطفل، يصلان إلى جدار كتب عليه قرارٌ حاسمٌ سريعٌ : ”ما أخذ بالقوّة لا يستردّ بغير القوّة”([95]).

يختبئان خلف البرميل، فيما ينهمر الرّصاص عليهما كالمطر، والأب العاجز عن حماية ابنه، يردّ الموت والرّصاص عن ذلك الجسد الصّغير، وآلة التّصوير ترتجف بين يديّ طلال كديك مذبوح.

قالت الرصاصة الحاقدة : يدك أضعف من أن تصبح متراساً.

قال الأب : مات الولد،

قالت صحيفة سوديتتشيتز ايتونغ الإلمانية : فيلم رعب قصير ربما يقصد القاصّ إلى استنهاض الهمم، في الدّاخل والخارج والحثّ على المشاركة في التصدّي للأعداء، في داخل فلسطين، وتأكيد مشروعيّة النّضال الفلسطينيّ، دفاعاً عن أرضه ووجوده. ويرى أن إسقاط عامل الخوف من النّفوس وتذكير بالنّضال لأنّ ما يؤخذ بالقوّة لا يستردّ إلّا بالقوّة وهو الخطوة الأولى على طريق استعادة الحقوق المغتصبة والثأر للشّهداء والأطفال المظلومين.

أ-2- ج : الوظيفة التّفسيريّة ودلالتها :

ربما تستدعي الحاجة القاصّ إلى حشد طائفة من المظاهر الخارجيّة في القصّة، بوصفها إطاراً للأحداث الّتي تجري، فيقوم بوصفٍ دقيقٍ لمعالم المكان، كالشّوارع، والسّاحات، والغابات والطّرق والمنازل، بمحتوياتها وأثاثها، والأدوات والملابس وغير ذلك

وهذه جميعها ” تكشف عن حياة الشّخصيّة النّفسيّة وتشير إلى مزاجها وطبعها “([96]). والأمر المعروف عند القاصّيين أنه ليس من الضروري أن يفسّر كل شيء من القصّة حفاظاً على المستوى الفنيّ، والابتعاد بها عن المباشرة والتلقينيّة.

فالتفسير يلغي دور القارئ في اكتناه الأبعاد الدلاليّة للعلامات الدّالة عن النّص القصصيّ. وانطلاقاً من هذا، فإنّ القاصّ النّاجح هو الّذي يستطيع أن يجعل من المكان إشارة توصل المناخ العام الّذي يبتغيه القارئ ومراعاة استراتيجيّة الرّواية في ذلك كلّه.

نجد مثيلاً لوظيفة المكان التّفسيريّة في قول الكاتب، توارت جدران المخيّم خلف القضبان، وتوارى برميلٌ خلف أحد هذه الجدران، بينما توارى أب خلف البرميل، وخلف الأب تماماً توارى طفل بعمر الزّهور طلقات حاقدة اخترقت المكان والمخيّم والجدران والبرميل، وكفّ الأب الحانية، والطفل والزّهور، وكتبت بدمٍ قانٍ: هنا مخيّم البريج”

تقدّم هذه السّطور وصفاً معبّراً للمكان ولإحدى المجازر الّتي يرتكبها العدوّ الإسرائيليّ بحق الفلسطينيّين والأطفال الأبرياء. والقاصّ هنا لا يقدّم التّفاصيل الّتي تتّخذ صفة الواقعيّة، بقدر ما يصف لنا الحال النفسيّة والمجزرة الّتي حصلت من قبل العدوّ ;طفل بعمر الزّهور يختبئ خلف البرميل، خوفاً من العدوّ ومن الرّصاص الّذي ينهمر كالمطر مع أب عاجز عن حماية طفله، فبدأ الرّصاص ينهمر واخترقت المكان وقتلت الطفل وهو بحضن والده.

ولعلّ هذا المشهد يعبّر عن إحدى المصائب والمجازر الّتي يرتكبها العدوّ بحقّ هؤلاء الأبرياء والّتي لم يستطع الطّفل التخلّص من الموت وهو محميّ بحضن والده العاجز.

بناءً على هذا، أصبحت الوظيفة التفسيريّة للمكان تكتفي بالإشارة إلى البعد الدلاليّ الّذي تنتجه العلامات الدّالة، دون الحاجة إلى الغرق في التّفاصيل الّتي تفقد القصّة قيمتها الفنيّة، وتجعل من العمل القصصيّ عملاً تلقينيّاً.

المبحث الثالث:الفضاء المكاني في قصة صهيل الجواد الأبيض لزكريا تامر

تمهيد:

نتناول في هذا المبحث دوائر المكان ومكوناته في قصة الجواد الأبيض لزكريا تامر

أ-1 : دوائر المكان ومكوّناته :

عالجت القصّة “صهيل الجواد الأبيض” موضوعاً محدداً، في فضاء مكانيّ واحد هو المدينة، والّتي لا بدّ من أن تكون مدينة دمشق. وتحاول أن تبيّن القهر الّذي تعانيه فئة اجتماعية داخل تلك المدينة، الّتي بدت مدينة ذاتيّة بامتياز.

أ-1-أ : دائرة المدينة ودلالتها :

تدور أحداث هذه القصّة في فضاءٍ مكانيّ واحد، هو المدينة مبينّاً القاصّ مكوّناتها الأحياء الصّغيرة والشّوارع الضيّقة والمنازل، الخمّارات التّي تقدم الويسكي الرّديء بأسعار رخيصة.

ويظهر القاصّ ارتباطه بالمكان، معبّراً عن مشاعره الحزينة الكئيبة، تقول الشّخصيّة :”أنا لست سوى مخلوقٍ ما ضائعٍ في زحام مدينةٍ كبيرةٍ قديمةٍ. لست دونجوان. لا أملك سيّارة ولا بناية شامخة في شارع لا يسكنه الفقراء” ([97]).

إنّ لجوءالرّاوي إلى استخدام (مخلوقٍ) تعبيراً عن الكائنات البشريّة لم يكن لجوءًا عفويًاً ففي الاستبدال إنتقاص من إنسانيّة الإنسان، وقد استخدم الرّاوي كلمة (مخلوق) للتّعبير عن ذاته غير مفّرق نفسه عن سائر مخلوقات المدينة “أنا لست سوى مخلوقٍ ما ضائعٍ في زحام مدينة كبيرة قديمة”([98]).

فكلمتا (سوى) و (ما) اللّتان تحيطان كلمة (مخلوق) إنّما تدفعانه للاندراج في سياق المخلوقات الآنفة الذّكر. وقد وصف نفسه أنّه ضائعٌ في زحام مدينةٍ كبيرة ٍقديمة.ٍ؟

وإنّ الوجود البشريّ في هذه المدينة لا يسعى إلى تحقيق الذّات([99]). لأنّه ما زال دون مرتبة الاهتمامات اليوميّة الّتي تسبّب الرّقابة والملل وانعدام التّفكير([100]). تقول الشّخصيّة: “أشتغل في اليوم ثماني ساعات، أتعب. أبتلع الطّعام بسرعة عجيبة”

فهو في وضعيّة اجتماعية لا تسمح له أن يحلم أبعد من الشّبع والاستقرار وهذه الوضعيّة الوجوديّة توجّه الإتّهام إلى النّظام الاجتماعيّ المعيشيّ.

ورغم هذا الوضع التّعيس ,إلّا أنّ الرّاوي عند ذكر المدينة كان يسارع إلى إضافتها إلى ياء

المتكلّم : “إنّي أعشق مدينتي “إنّه كمدينتي”([101])، وهذا لا يدلّ على انتماء الرّاوي إليها فحسب، بل إلى ارتباطه بها ارتباطاً حميميّاً أيضاً، فهي وإن لم تعط شعبها سوى الكآبة والملل والفقر، إلّا أنّها تظل امّا” لها وحشتها ودورها عند تجاريب الفراق. فحين اقترح عليه زميله في معاقرة الشّراب أن يسافر مثله في الّليل إلى عوالم جديدة، أجابه بشكلٍ حاسمٍ: “السّفر يخيفني. إنّي أعشق مدينتي بجنون”([102]). فإنّ تصريح الرّاوي عن خوفه من السّفر يرشدنا إلى الوظيفة الحمائيّة للقوقعة.

وهذا ما يجعل انحباسه داخل المدينة شكلاً من أشكال إلفة الطّائر لقضبان قفصه. الّتي تومئ إلى عمق الأزمة وعمق الحياة، وفي ذلك التفاتة إلى خواء اجتماعيّ، ثقافيّ تاريخيّ حضاريّ.

أ‌-   1-ب :الخمّارة الّتي كانت تقصدها الشّخصيّة الأساسيّة ودلالة هذا المكان :

يظهر الكاتب ارتباطه بهذا المكان، وتعلّقه به، فهو المكان الوحيد الّذي ينسيه عذابه وفقره وملله ومن دونه تصيبه الكآبة تقول الشّخصيّة :”أتجرّع منهم خموراً رديئة، اللّيل من دونها كآبة فاجعة([103]).

فالتعلّق بالمكان هو إستجابة وهروب من الواقع، الواقع المرير الّذي يعيشه في تلك المدينة الحزينة والفقيرة.

أ-1-ج- الغرفة التي كانت تلجأ إليها الشّخصيّة الأساسيّة منتصف اللّيل ودلالاتها :

إن ارتباط القاصّ بهذا المكان مجرّد غرفة يلجأ إليها للنّوم فقط  ,لا تشعره بالرّاحة الجسديّة والفكريّة فهي ملجأه الوحيد، يعود إليها دون رغبة في ذلك, ولكنّه مضطرٌ على ذلك تقول الشّخصيةّ: “غرفة الرّجل المتعب بلا ضوء، صامتة، سوداء، علبة صغيرة من الحجر الرّطب، أعود إليها دون حنين بعد أن تشرّدت طوال ساعات عبر شوارع عريقة في الضياء المنبعث من واجهات المحال المتناثرة على الجانبين”([104]).

الغرفة هنا ملجأ الشّخصيّة الوحيد عندما تعود من العمل والخمّارة فهي علبة فقط للنّوم فلا وجود للأمان والرّاحة.

أ-1-د – المعمل حيث كانت تعمل الشخصية الرئيسة ودلالاته :

يحمّل القاص الممعمل دلالة إجتماعية، تقول الشخصية الرئيسة: “ثم سيدفنك المعمل في أحشائه الشرسة، تعب تعب تعب. أتنسى رائحة لحم العامل المحترق الذي تساقط عليه الحديد الناري المصهور المندلق من البوتقة التي أفلتت فجأة من الأيدي التي تحملها تلك الرائحة هي العالم”([105]).

إن تكرار كلمة (تعب) ثلاث مرات تدل على مدى قساوة العمل والجهد الذي يبذل من دون مقابل كاف. فهو المكان الذي يبعد الشخصية عن العالم الخارجي وسط عمال فقراء، يتذوقون مرارة العيش والعمل والتعب.

وتغيرت هوية المعمل هنا، غداً العمل فيه، برماً بالمشاعر الملتاعة التي تتأجج لرؤية العامل المحترف وألمه وحزنه وتعبه وقساوة أربابه.

أ – 2 : تقاطب المكان ودلالته :

إن دراسة بنية المكان في العمل القصصي، تستدعي من بين مستويات أخرى ، البحث في التقاطبات المكانية التي تتضمن تشكيلات المكان والتنويعات التي يشتمل عليها، وكذلك الكشف عما بين عناصر المكان من علالقات. إن دراسة هذه التقاطبات تساهم في بلورة الدور الذي يؤديه المكان في بنية القصة.

وترد هذه التقاطبات على شكل ثنائيات متضادة “تجمع بين قوى أو عناصر متعارضة”([106]). تعبيراً عن علاقات، أو توترات تنتج عندما تتصل الشخصيات بمكان الحدث. وكذلك فإن علاقات المكان تسهل التعرف إلى الواقع. وقد يكون من بين هذه الثنائيات : القريب / البعيد / الأعلى / الأسفل، المنفتح / المنغلق، الطبقات العليا / الطبقات الدنيا، وهذه الصفات والأشكال تنتظم في نماذج للعالم تطبعها صفات مكانية بارزة وتقدم لنا أنموذجاً إيديولوجياً متكاملاً يكون خاصاً بنمط ثقافي معطى”([107]).

وقد تساهم هذه التناقضات الثنائية في انبناء الفضاء القصصي، عن طريق التعارض.

أ – 2 -أ: تقاطب المكان ودلالته في ” صهيل الجواد الأبيض” :

إذا كان الخروج من أسر المدينة مستحيلاً إلا في الحلم، افستبقى المدينة مدينة واحدة، أم سيمتد تأثير الأزمة إلى مكوناتها الداخلية فيجعها مكونات متقاطبة؟ وهل يكون إختراق الحدود بين تلك المكونات المتقاطبة ممكناً ويحمل أبعاداً دلالية محددة ؟

لقد تعدى التقاطب طبيعته المكانية ليصبح ذا طبيعة إجتماعية طبعية والراوي حين يؤكد أنه لا يملك “سيارة ولا بناية” شامخة في شارع لا يسكنه الفقراء”([108]). إنما يحدد إنتماءه إلى طبقة الفقراء وعندما تقوده قدماه إلى شارع فخم فيحس بين مبانيه المتعالية أنه ليس “سوى بقعة سوداء تلطخ سحطاً أبيض”([109])، إنما يتجاوز الطبقي إلى الوجودي. وإحساس المرء أنه (بقعة سوداء تلطخ سطحاً أبيض) لا يضمر أوجاعاً وجودية فحسب، ولكنه يضمر أجواء وجودية خلفها أوجاع طبقية مرة، حيث أن النغمة الطبقية غير معلنة هنا: جاءت متخفية وراء الأحاسيس الوجودية. وحين تتراءى مباني الأحياء المقرفة مباني (متعالية) بالنسبة إلى الراوي الفقير، يعني أنه لم يستطع على المستوى النفسي، على الأقل، قلب التراتب القائم داخل ثنائية (المباني الحجرية/ المبانية الطينية، فيتعالى الفقر المرسوم بالإنساني على حساب سقوط الغنى.

ومهما يكن من أمر، فإن القاص خارج عن سلطة الثقافة التي كان يتفيأ تحت ظلالها. فإنه يرى دمشق مقتطعة من تاريخها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها حتى لكأنها دوامة مفرغة من القوى المستقبلة فهي حاضر لا مستقبل له.

أ – 3 : وظيفة المكان في “صهيل الجواد الأبيض” لزكريا تامر :

إن عنوان هذه القصة علامة سيمائية مظللة. فالقصة لا تقدم مفاتيح الدلالة ببساطة وسهولة. وإن مرجعية الشخصية القصصة لم تكن القاص نفسه بل تقترن بمرجعيات يرضى عنها القاص، أو يتعاطف معها إلى حد تكون فيه همومها مرتبطة بهمومه وهواجسها متواشجة مع هواجسه

وأن المكان فلقد قام بغير وظيفة منها :

أ-3-أ :الوظيفة التوثيقية ودلالات التوثيق :

لقد خلت قصة “صهيل الجواد الأبيض” من المعطيات التوثيقية الدقيقة، إلا أنها وتظل شاهداً على بعض جوانب الحياة داخل المدينة وسكانها :

ومن بين هذه الجوانب :

الحياة التي يعيشها الفقير والطريقة التي يعامل بها من قبل أرباب العمل، وكذلك المكان المعمل الذي يدفن آلاف العمال في داخله للتعب والألم دون مقابل يقدر.

تقول الشخصية: ” سيدفنك المعمل في أحشائه الشرسة تعب تعب تعب. أنسى رائحة لحم العامل المحترق الذي تساقط عليه الحديث الناري المصور المندلق من البوتقة”([110]).

هناك وجود لهذه المعامل وكذلك للقساوة التي يتعرض لها العمل حيث يجر دون الإنسان من إنسانيته بسبب الشراسة والقسوة التي تسرق الغبطة المخبئة من أعينهم.

أ-3-ب : الوظيفة الإيهامية ودلالات الإيهام :

لقد قصد الكاتب الكشف عن الحال النفسية لدى الشخصية، بالوقوف أمام التفاصيل الصغيرة في وصف ما حدث مع الشخصية في الحانة عند رؤيتها رجلاً يحملق بها.

تقول الشخصية: “وبحركة يائسة افرغت في جوفي كأس الويسكي دفعة واحدة، ثم مسحت فمي بظهر يدي، ورحت أحدق إلى ما حولي وتسمرت نظراتي على رجل يائس المظهر، يجلس إلى طاولة قريبة .كان يرتشف من كأسه بين الفينة والفينة رشفة ضئيلة ثم يحملق لحظة، وبغتة ينفجر ضاحكاً ضحكة كئيبة أكثر من البكاء، وأحسست بخوف غامض عندما التقت عيناي بعينيه الذليلتين. إنه يبتسم لي، سأنهض وأحادثه”([111]).

إن هذه التفاصيل الصغيرة في الوصف دلالة على وظيفة إيهامية، فلقد إسترسل الكاتب في تصوير الحوار الذي دار بين الشخصية والرجل، فاستغرق صفحتين لوصف التفاصيل الدقيقة كاشفاً عن الحال النفسية التي إعترتها، تناول الشراب معبرة عن مشاعرها وتمنياتها بزوجة ومنزل وأطفال.

أ-3-ج: الوظيفة التفسيرية ودلالتها :

لقد وصف الكاتب معالم الغرفة التي يلجأ إليها كل يوم بعد منتصف الليل مشيراً بذلك إلى مزاج الشّخصية والحال النّفسية الّتي تعتريها عند عودتها إلى هذه الغرفة.

فتقول الشخصية :”غرفة الرجل المتعب، بلا ضوء، صامتة، سوداء علبة صغيرة من الحجر الرطب، أعود إليها دون حنين بعد أن تشردت طوال ساعات عبر شوارع غريقة في الضياء المنبعث من واجهات المحال المتناثرة على الجانبين والإعلانات الكهربائية ذات الألوان المختلفة”([112]).

وهذه الأسطر ذات دلالة على الوضع الصعب الذي تعيشه الشخصية فهي تعاني من الفقر والوحدة، لا وجد من يؤنس وحدتها، ضائعة في وسط مدينة لم تقدم لها ما يفرحها.

خاتمة الفصل الأول :

إن دراسة الرّؤية السّردية في العمل القصصيّ في المبحث الأول الذي مرّ معنا وتضمّن قصصاً ثلاثاً من كتاب ثلاثة مختلفين هم : “إميلي نصرالله” (من لبنان)، “وزكريا تامر” (من سوريا)، “ويوسف حطيني” (من فلسطين).

وصلت إلى جملة من النّتائج الّتي يمكن إستخلاصها، إنطلاقاً من مقولة معروفة، وهي أنه لا يجوز النّظر إلى العمل القصصيّ بوصفه أجزاء منفصلة يستقلّ بعضها عن بعض، وحتّى إن تضمّن هذا البحث ثلاث قصص من بلاد مختلفة فهي كلّ متكامل مترابط الأجزاء، يؤدّي بمجموعة دلالات محدّدة ومن النّتائج الّتي يمكن إستخلاصها:

إرتبطت دلالة المكان الّذي شكل محور المغامرة في القصص الثّلاث بالحال النّفسية للكتاب الثّلاث، فكان مكاناً نفسيّا”.

ولقد إمتلك الكتّاب ثقافة العصر، وهي ثقافة متعدّدة الجوانب متشعّبة الموضوعات وقد تبيّن لنا ذلك من خلال تطرّقهم إلى موضوعات (الفقر، الإنتماء، الحب، القيم الإنسانيّة السّامية). وكان أسلوبهم إبداعيّاً.

بناء على ما تقدم، نستطيع القول إن الأدباء الثلاثة : يوسف حطّيني وزكريّا تامر وإملي نصرالله قد حالفهم التّوفيق فبلغ نتاجهم القصصيّ حد النّضوج الفنّي، وذلك من خلال تقديم واقع، تفاعلوا معه بمكوّناته كلّها ,إلى حدٍّ كبير وفي بناء رؤية ثقافية مكتملة لديهم.

الفهرس

مقدمة: 1

أ . بناء الزّمان : 3

1- الزّمن القصصي ّ: 3

2- الزّمن والخطاب : 5

أ- الزّمن من منظور الشّكلانيين الرّوس(). 6

ب – تزيفتان تودوروف (T. Todovor) ومفهوم الزّمن : 7

ج – جيرار جينيت (G. Genette) ومفهوم الزّمن : 7

أولا : علاقات الترتيب: 10

1- تقنيّة الاسترجاع : 10

2- تقنيّة الإستباق : 11

3- تقنية التّضمين : 11

المبحث الأول : الفضاء الزمانيّ، تدرس في الفضاء الزمانيّ مجموعة من القصص هي : جزيرة الوهم لإملي نصرالله، وأنياب زرقاء ليوسف حطّيني، وصهيل الجواد الأبيض لزكريّا تامر. 12

أ- الفضاء الزّمانيّ في قصّة جزيرة الوهم لإملي نصرالله. 12

أ- 1 – علاقات التّرتب. 12

أ – 1 – أ : كيفيّة الإسترجاع ودلالتها في قصّة ” إستحقّت عيشها “، من مجموعة قصص جزيرة الوهم لإملي نصرلله. 12

ب – وكذلك تقنيّة الإستباق : 15

أ – 2 : علاقات الدّيمومة : 16

أ-2-أ : تقنيّة التّلخيص : 17

أ-2- ب : تقنيّة الوقفة : 17

أ-2- ج : تقنيّة المشهد : 18

1- تقنيّة التّلخيص ودلالتها في قصّة “استحقّت عيشها” ،من مجموعة جزيزة الوهم لزكريّا تامر. 19

2- تقنيّة المشهد ودلالاتها على قصّة استحقّت عيشها : 21

3- دلالة الوقفة : إستحقّت عيشها” : 24

أ- 3 : ثالثا: علاقات التردّد : 26

أ-3-أ : التردّد الإنفراديّ ودلالته : إستحقّت عيشها: 26

أ- 3- ب : التردّد التكراريّ ودلالته : 27

أ- 3 – ج. التردّد النّمطيّ : 30

2- المبحث الثّاني : أنياب زرقاء ليوسف حطيني : 32

2-أ-1 : الإطار الزّمانيّ للأحداث : 32

مستوى الزّمان الوجوديّ : 32

الإطار التّاريخي ّ: 33

ب- علاقات التّرتيب في أنياب زرقاء : 34

1- تقنيّة الإسترجاع : 34

2- تقنيّة الإستباق في دلالتها في قصّة أنياب زرقاء : 37

ج-  علاقات الديمومة : 38

1- تقنيّة التّلخيص ودلالتها في قصّة أنياب زرقاء : 38

2- تقنيّة المشهد ودلالتها : أنياب زرقاء 39

3- تقنيّة الوقفة : 41

ج – علاقات التّردّد : 45

1- التردّد الإنفراديّ ودلالته : 46

2- التردّد التّكراريّ : 47

3- التردّد النّمطيّ : 49

علاقات التّرتيب : في قصّة صهيل الجواد الأبيض “لزكريّا تامر”. 51

أ- تقنيّة الإسترجاع : 51

ب – تقنيّة الإستباق ودلالتها في قصّة “صهيل الجواد الأبيض” : 53

ج. علاقات الدّيمومة في “صهيل الجواد الأبيض” : 54

تقنيّة التّلخيص : 54

2- تقنية المشهد ولالتها على “صهيل الجواد الأبيض” : 55

3- تقنيّة الوقفة ودلالتها في “صهيل الجواد الأبيض” : 57

ج. علاقات التّواتر في صهيل الجواد الأبيض : 58

1. التّواتر الإنفراديّ : 58

2- التّواتر التّكراريّ : 58

3- التّردّد النّمطيّ ودلالته على “صهيل الجواد الأبيض” 59

المبحث الثّاني : 60

تمهيد : 60

1- المكان في العمل القصصيّ : 60

الفضاء المكانيّ في قصّة “أنياب زرقاء” ليوسف حطيني : 62

1-أ-1 : دوائر المكان ومكوّناته في “أنياب زرقاء” : 62

1- دائرة مخيّم البريج ودلالات الحضور الإنسانيّ فيها : 62

أ – ب : الشّارع، والسّاحة الّذي ركضت فيه الشّخصيّة ودلالات هذا المكان : 64

أ – 2 : وظيفة المكان في “أنياب زرقاء” ليوسف حطيني : 64

2 – أ : الوظيفة التّوثيقيّة ودلالات التّوثيق : 65

2 – ب : الوظيفة الإيهاميّة ودلالات الإيهام : 66

2 – ج : الوظيفة التّفسيريّة ودلالتها : 68

ب – الفضاء المكانيّ في قصّة “صهيل الجواد الأبيض” لزكريّا تامر. 69

أ-ب-أ : دوائر المكان ومكوّناته : 69

ب-أ- : دائرة المدينة ودلالتها : 69

أ . الخمّارة الّتي كانت تقصدها الشّخصيّة الأساسيّة ودلالة هذا المكان : 71

ب- الغرفة التي كانت تلجأ إليها الشّخصيّة الأساسيّة منتصف اللّيل ودلالاتها : 72

ج – المعمل حيث كانت تعمل الشخصية الرئيسة ودلالاته : 72

ب – 2 : تقاطب المكان ودلالته : 73

ب – 2 : تقاطب المكان ودلالته في ” صهيل الجواد الأبيض” : 74

ب – 3 : وظيفة المكان في “صهيل الجواد الأبيض” لزكريا تامر : 75

ب 3 – 1 :الوظيفة التوثيقية ودلالات التوثيق : 75

ب-3-2 : الوظيفة الإيهامية ودلالات الإيهام : 76

ب-3-3: الوظيفة التفسيرية ودلالتها : 76

ج. الفضاء المكاني في قصة “إستحقت عيشها” لإميلي نصرالله: 77

ج-1: دوارئر المكان ومكوناته : 77

ج – 1 – أ : دائرة القرية ودلالاتها : 77

3 – أ – 2: دائرة الطريق ودلالته : 78

ج – 3 : وظائف المكان ودلالته : 79

3 – 1 : الوظيفة التوثيقية : 79

ج – 3 – 2: الوظيفة الإيهامية ودلالتها : 79

خاتمة الفصل الأول : 80

الفهرس.. 82


([1]) ابن منظور، لسان العرب، 6/86.

([2]) سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص 61.

([3]) محمد يوسف نجم، فن القصة، بيروت، دار الثقافة، 1963، ص 153.

([4]) سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص 64.

([5])                E, Benvenite, Problemes Des Linguistiques, Edi, Tel P73. Billimand. 1974. Tom2

([6]) مجموعة من المؤلفين، فكرة الزمان عبر التاريخ، ترقؤاد كامل، الكويت، عالم المعرفة، العدد 159، 1992، ص 46.

([7]) مراد جروك، بناء الزمن في الرواية المعاصرة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص 7.

([8])مراد مبروك، بناء الزمن في الرواية المعاصرة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص 7.

([9])   نشأت المدرسة الشكلانية وازدهرت في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، وهي الرافد الثاني من روافد البنائية الكبرى، وتهدف إلى القضاء على المناهج القديمة في الدراسات اللغوية والنقدية. صلاح فضل، نظرية البنائية، ص 45

([10])  الشكلانيّون الروس، نظرية المنهج الشكلي، ترأ. الخطيب، الشركة المغربية للناشرين / بيروت مؤسسة الأبحاث العربية، 1982، ص 180

([11])  T.Todorov, les categores du recit literare, inlommunication, N8, 1966, P154

([12])  Lbib. P40

([13])  G. Genette Discourses du Recit In figure 111, ed, seuil/coll, 1972

([14])  سيزا قاسم، بناء الرواية، ص 37.

([15])  تفاصيل هذه العلاقة سعيد يقطيني، تحليل الخطاب الروائي، ص 76

([16])  عبد المجيد زراقط، في بناء الرواية اللبنانية، ص 705.

([17])  سيزا قاسم، بناء الرواية، ص 40.

([18])  حسن بحرواي، بنية الشكل الروائي، ص 122.

([19])  لطيف زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرواية، ص 15.

([20])  يمنى العيد ، تقنيات السرد الروائي ، ص 82.

([21])  سيزا قاسم، بناء الرواية ،ص 54.

([22]) م.ن،ص.ن.

([23])  لطيف زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرواية، ص 175.

([24])  حميد لحمداني، بنية السردي، ص 67 – 68.

([25])  عبد المجيد زراقط، في بناء الرواية اللبنانية، ص 708.

([26])  سيزا قاسم، بناء الرواية، ص 65.

([27])  سيزا قاسم، بناء الرواية، ص 65.

([28])  سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، ص 78.

([29])  محسبة حاج معتوق، أثر الرواية الواقعية في الرواية العربية، بيروت، دار الفكر اللبناني، ط1، 1994، ص 103

([30])إميلي نصرالله ، إستحقت عيشها، ص 78.

([31])  إميلي نصرالله ، إستحقت عيشها،ص 78 – 76- 80.

([32]) م.ن،ص 80.

([33])  م.ن ،ص 74.

([34])  علي مهدي زيتون / النص من سلطة المجتمع الى سلطة المتلقّي / ص 127.

([35])  إميلي نصرالله ، إستحقت عيشها،ص 80.

([36])  إستحقت عيشها، إميلي نصرالله ،ص 70.

([37])  إميلي نصرالله ، إستحقت عيشها،ص 78.

([38])  م.ن،ص 79.

([39])  إستحقت عيشها، إميلي نصرالله ،ص 79 – 80 – 82 – 83.

([40])  مراد مبارك / بناء الزمن في الرواية المعاصرة. ص. 92

([41])  Garard Genettes Figures 111, Page 130

([42])  ص 69 – 70

([43])  إميلي نصرالله ، جزيرة الوهم،ص 82 – 83.

([44])  إميلي نصرالله، جزيرة الوهم، 74 – 79 – 83.

([45])  م.ن،ص.ن.

([46])  إميلي نصرالله، جزيرة الوهم، 78 – 82

([47])  م.ن، ص .ن.

([48])  مراد مبارك، بناء الزمن في الرواية المعاصرة، 146.

([49])  إميلي نصرالله، جزيرة الوهم 77 – 78.

([50])  م.ن،ص 77 .

([51])  خالدة سعيد، حركية الأبداع، بيروت، دار العودة، ط1، 1979، ص 16.

([52])  أنياب زرقاء ، مدينة البامياء، يوسف حطّيني، ص 3.

([53])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء ،ص 1-2.

([54])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء ، ص 3.

([55])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء، ص 2.

([56])  م.ن ،ص 1.

([57])  يوسف حطيني، انياب زرقاء، ص 2-3.

([58])  يوسف حطيني، انياب زرقاء، ص 2.

([59])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء, ص 1-2.

([60])  يوسف حطّيني، أنياب زرقاء، ص2.

([61])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء. ص 2.

([62])  م.ن، ص 3 – 4.

([63])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء، ص 3.

([64])  عبد المجيد زراقط، في القصة وفنيتها، دار الطبعة الأولى، توزيع مركز الغدير، ص 51.

([65])  م.ن،ص.ن.

([66])  م.ن،ص،ن.

([67])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء، ص 3

([68])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء، ص 1.

([69])  م.ن، ص 2.

([70])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء، ص 4.

([71])  م.ن، ص.ن.

([72])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء، ص2.

([73])  عبد المجيد زراقط، في القصة وفنيتها، ص 113.

([74])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة 2001، ص 45.

([75])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة 2001، ص 48.

([76])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة ،2001ص 49.

([77])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة 2001ص 48.

([78])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة 2001ص 46 – 47.

([79])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة 2001ص 49.

([80])زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة 2001 ص 49.

([81])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، الطبعة الرابعة 2001ص 45 – 46.

([82])  حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 25

([83])  محمد صالح الشنطي، الرواية العربية، ص 123.

([84])  إميلي نصر الله،جزيرة الوهم،ص 70.

([85])  م.ن،ص.ن.

([86])  إميلي نصرالله ،جزيرة الوهم ،ص 74.

([87])  إميلي نصرالله ،جزيرة الوهم ،ص 78.

([88]) م.ن،ص.ن.

([89])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء،  ص 1.

([90])  حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 81.

([91])  يوسف حطيني، إنياب زرقاء،  ص 2.

([92])  يوسف حطيني، إنياب زرقاء، ص 3.

([93])  يوسف حطّيني،إنياب زرقاء، ص 4.

([94])  سيزا قاسم، بناء الرواية، ص 82.

([95])  يوسف حطيني، أنياب زرقاء،ص 3

([96])  سيزا قاسم، بناء الرواية، ص 82.

([97])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ص 45.

([98])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ص 45.

([99])  جون مالودي، الوجودية، ترجمة إمام إمام، الكويت عام المعرفة، العدد58، 1982، ص 188.

([100])  م. ن. ، ص 125.

([101])  زكريّا تامر، صهيل الجواد الابيض ،ص 47 – 51.

([102]) م.ن،ص 47.

([103])  م.ن ،ص 46.

([104])  زكريّا تامر، صهيل الجواد الابيض، ،ص 45.

([105])  م.ن ، ص.ن.

([106])  حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ص 33.

([107])  Youri Lotman, la structure du texte ARtistique, trad, par AnnA Fournier et autres, Paris, ED Gallunard, 1973, Page 311

([108])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ،ص. 74.

([109])  م.ن ،ص .ن.

([110])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ،ص 48.

([111])  زكريا تامر، صهيل الجواد الأبيض، ،ص 46.

([112])إملي نصر الله، جزيرة الوهم، ص 45.

Visited 2 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *