دلالات الصّورة عند محمود درويش، ديوان”عاشق من فلسطين” أنموذجاً (دراسة أسلوبيّة)

المقدّمة:

تتباين المناهج النقديّة الحديثة من حيث،إنّ لكلّ منها إجراءاته ومستوياته التحليليّة،ولكنها تلتقي في جذر مشترك ،هو اللسانيّات الّتي قدّمت لمناهج النقد أسساً علمية وموضوعيّة ،والأسلوبيّة باعتبارها تحليلاً لغويّاً،ترتكز على اللسانيات شرطها الموضوعيّة،وموضوعها الأسلوب مما يجعلها علماً وصفيّاً تحليليّاً ينافي معياريّة البلاغة.

يقول روبرت أرزروز:"ليس صواباً أنّ الصّورة إحدى دعائم الشعر، إنّما الصّورة جوهر الشّعر وهي روحه وجسده"[1]،ولأنّ الصّورة جوهر أساسي في الإبداع الشّعري،بل روح الشّعر وطاقته،واللغة هي المادّة الأوليّة في عناصر تشكيل الصورة الشّعريّة،وبحسبان الصورة الشعرية مصطلحاً جديداً من مصطلحات النقديّة التي أولاها النّقّاد المحدثون أهميّة كبيرة،متجاوزين المفهوم التّقليدي للصّورة المحصور في علاقة المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي،فإن الإشكاليّة في هذه الدراسة هي محاولة الوصول إلى المفهوم الأسلوبي للصورة الشعرية من خلال نماذج محللة للشاعر "محمود درويش" من ديوانه "عاشق من فلسطين"،مرتكزة في ذلك على التحليل التركيبي الدلالي الذي يبحث عن العلاقات بين الوحدات الدّالة ،مما يكسبها قيمتها الأسلوبيّة في النّصّ،فيشكّل مؤشّراً أسلوبيّاً يمنحها طاقتها التّعبيريّة الكامنة فيه.

وقد وقع اختياري على الشّاعر "محمود درويش" لسببين أحدهما عام والآخر خاص،أما العام فهو قلّة البحوث التي طبقت المنهج الأسلوبي السيميائي التّحليلي على الشّعر الفلسطيني المعاصر،وأمّا السّبب الخاص فهو إعجابي بشعره والتزامه بقضيته،فهو الشاعر الذي لم يمت حين انتهت حياته،وقد ارتبط اسمه بشعر الثورة والوطن،حيث انضمت أسرته إلى اللاجئين الفلسطينيين عام 1948،لتتحول رحلة الشتات عند الشاعر الكبير إلى شعر يمزج فيه حب الوطن بالحبيبة الأنثى.

إنّ الصورة الشعريّة تمثل في شعره ركناً ركنياً تقوم عليه معمارية القصيدة،تشكّل مع اللغة والإيقاع بنية فنية محكمة،تغري الباحث بإفراد تلك الصّورة بالدراسة.

لذا قسّم هذا البحث إلى فصلين،فصل نظري،تطرقت فيه إلى دراسة الصورة الشعرية بمفهومها التقليدي،وبمفهومها الأسلوبي الذي شكّل لي الخلفية المعرفية والمنهجيّة التي بنيت عليها هذه الدّراسة.وأمّا الفصل الثاني تمحور حول دراسة الصّورة ودلالتها (دراسة أسلوبيّة)،وقد اخترت المنهج الأسلوبي،لأنّ الصّورة في حدّ ذاتها هي وسيلة من الوسائل الأسلوبيّة،مثل الرّمز والتكرار وغيرها على تفاوت في الأهميّة التي تكسبها الصّورة بحسبانها أهم دعامة،يقوم عليها الشّعر،فوجدت أنّ المنهج الأسلوبي قد فرض نفسه،ولن ننسى دور هذا المنهج،في الكشف عن أدبيّة النّصّ وجمالياته،لأنّ الغاية،المقاربة الأسلوبيّة هي الوصول إلى أغوار النّصّ الشّعري،للوقوف على عتباته المظلمة وعناصره الفكريّة،وشبكة علاقاته بالعناصر الوجدانيّة،التي يصنع تضافرها وحدة دلاليّة.

فلكل نص قواعده الأسلوبيّة المميزة التي بموجبها يتحوّل الأثر الأدبي إلى أثر جمالي.وهذا المنهج يتيح للباحث أن يختار من هذه الظواهر الأسلوبيّة ما هو متميّز،والتميّز يكون عندما تكون هذه الظاهرة بوظيفتها ،وهي إبراز جمال الأثر،وهذا ما يجعلنا نتعامل مع النصّ بعمليّة،ولكن من دون الإنغلاق الذي يجعل التّحليل جافّاً".[2]

ومن بواعث اختيار هذا المنهج ما رآه"ريفاتير" "Rivater" في الأسلوب من"قوة ضاغطة تتسلّط على حساسيّة القارئ على الإنتباه إليها،إذ تتمثّل في هذه القوّة عملية الإقناع والإمتاع معاً،ناهيك عن الإثارة التي من خلالها يمضي الشّخص المثار في اتجاه ردود الفعل المثارة"[3].

فالأسلوبيّة تتحدّد بكونها البعد اللساني لظاهرة الأسلوب،طالما أنّ جوهر الأثر الأدبي لا يمكن النّفاذ إليه عبر صياغته البلاغيّة"[4].

وتتحدّد الأسلوبيّة كذلك بدراسة الخصائص اللغوية التي بها يتحوّل الخطاب عن سياقة الإخباري إلى وظيفته التأثيرية والجماليّة"[5].

والأسلوبيّة ترسم تأملها لعالم النّصّ رسماً تتعدّد فيه القراءة،فهي تتأمّل البنية التركيبيّة النحويّة،وتتأمل البنية الصوتيّة والإيقاعيّة والمعجميّة ،وتتأمل البنية الدلاليّة الجماليّة،ومن دون تجاهل للسياق وما يكتنزه من علاقات اختيارية وانحرافيّة،والمنهج الأسلوبي يعتمد على علوم اللغة المختلفة.

أما مدارس الأسلوبيّة فهي متنوعة منها المدرسة الفرنسية[6]، صاحبة علم أسلوب التعبير ،تدرس علاقات الشّكل مع التفكير،وهي بذلك تتفق مع تعبير القدماء وتأخذ ببلاغتهم،وهي تنظر إلى البُنى ووظائفها داخل النظام اللغوي،وهذه الأسلوبيّة تتعلّق بعلم الدلالة،ودراستها تقويميّة تقعيديّة.

والمدرسة المثالية الألمانيّة[7]،صاحبة علم الأسلوب الفردي التي تدرس علاقة التعبير بالفرد أو المجتمع الذي أنشأها واستعملها،ودراستها توليدية وتكوينية.

والمدرسة الثالثة،هي الإتجاه النقدي لدى الإيطاليين والأسبان[8]،والذي يولي عناية كبيرة لتحديد الشكل الخارجي والشكل الدّاخلي في الدّراسة الأسلوبيّة.

يختلف التّحليل الأسلوبي باختلاف مداخل التّحليل،فقد يكون المدخل بنيويّاً،بمعنى أنّ الإنطلاق يكون فيه من مباني المفردات وتراكيب الجمل وأشكال النّصوص،أو يكون المدخل دلاليّاً،ينطلق فيه المحلّل الأسلوبي من صور معانيه الجزئيّة وموضوعاته الفرعية وأغراضه الغالبة،كما يكون المدخل بلاغيّاً ينطلق فيه من الظاهرة الأسلوبيّة[9].

فرومان جاكسبون “ Roman jaksbon،في حديثه عن مقاربة الشعرية مقاربة أسلوبيّة،حصر فيه الفيض الشعري أو الجمالي في"مستوى تنظيم وترتيب البنى التركيبية،وفي مستوى تنظيم وترتيب الأشكال والمقولات النّحويّة،وفي مستوى تنظيم وترتيب تأليفات الأصوات،والهياكل التطريزيّة.وهذا النّسق يكسب الأبيات المترابطة انسجاماً واضحاً،وتنوّعاً كبيراً في الآن نفسه،إنّ القالب الكامل يكشف بوضوح تنوّعات الأشكال والدلالات الصّوتيّة والنّحوية والمعجميّة"[10].

ففي الأسلوب،يدخل الدّراس مع النّصّ المدروس في حواره بحسبانه بنية،مستنتجاً أحكامه بموضوعيّة وعلميّة،تستند إلى الأسس التي تقوم عليها الأسلوبيّة،وإلى نفي كلّي للمعياريّة والأحكام المسبقة،لأنّ في تبنيها كسراَ لكلّ النتائج التي يتوصّل إليها الباحث،حتى ولو كانت صحيحة.أما من الجماليّة فيشترط في النّصّ أن يحقّق لذّة تأسر الدّارس بما يحيل البحث إلى نزهة"[11].

ويبقى أنّ دراسة تتناول شعر "محمود درويش" ،لا بدّ من النّفاذ إليها عبر المقاربة الأسلوبيّة التي تساعدنا على سبر أغوار النّصّ الشعري،وإبراز جمالياته،وتمكّننا من تذوّق لذّة النّصّ في أثناء تمثّل العمق الجديد والذي ستكشفه أسلوبية الشّاعر من العالم المرجعي.

الفصل الأول:

  • الصّورة الشّعرية (المفهوم والأدوات والمصادر من المفهوم البلاغي إلى المفهوم الأسلوبي) للصورة الشعريّة.

أ-المفهوم التقليدي للصّورة الشّعريّة.

  • الصّورة الشّعريّة عند النّقّاد المحدثين.

ب-المفهوم الأسلوبي للصّورة الشّعريّة.

مقدمة:

لعلّ في تعدّد تعريفات الصّورة الشّعريّة ما يدخلها في باب المفهومات،لأنها عصيّة على التعريف الدقيق،بشهادة بعض الباحثيم الذين ذهبوا إلى القول،بأنّ مفهوم الصورة عانى من التحديد الدّقيق وانتابه قدر من الغموض والتعميم،وكأنها تتأبّى "على التحديد والتأطير"[12].

وقد عدّ بعض النّقاد،أنّ الكتابة بالصّور هي بمثابة" المحوري الذي تبنى عليه القصيدة المعاصرة بأسرها"[13]،وهي من جانب آخر"جزء حيوي في عملية الخلق الفنّي"[14]،إلا أنهم "لم يعمدوا إلى تعريفها تعريفاً دقيقاً واضحاً ومحدداً،وإنما حديثهم عنها مرسوم بهلامية وتعميم وتجريد لا يستطيع قارئه أن يخلص منه بتعريف واضح ومحدد"[15]،طغى إلى درجة أنّ أحدهم وصل إلى نتيجة وهي أنّ أية محاولة لإيجاد تحديد نهائي مستقر للصورة غير منطقية إن لم تكن ضرباً من المحال[16]،لأنّ "للصورة دلالات مختلفة وترابطات متشابكة وطبيعية مرنة تتأبى التحديد الواحد المنظر أو التجريدي"[17]،وهو ما يجعل البحث في إشكالية الصورة الشعرية موضوعاً حيويّاً،يحتاج إلى اجتهاد نقدي واسع يجيب عن أسئلة إبداعية ونقديّة واسعة.

  • من المفهوم البلاغي على المفهوم الأسلوبي للصّورة الشّعريّة.

أ-المفهوم التقليدي للصّورة الشعريّة:

لعلّ تماهي الشاعر الجاهلي مع لغته وقربها الزماني من روحها البدائية الأولى،جعلت لغته تصويرية"لذلك تكثر النماذج التصويرية في الشعر العربي في مرحلة ما قبل الإسلام، من دون أن يعتمد التّصوير فيه بالضرورة على الوسائل البلاغيّة"[18].ولعلّ أوّل من أشار إلى التصوير هو الجّاحظ في قوله:"المعاني مطروحة في الطّريق،يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي،وإنما الشأن في إقامة الوزن،وتميّز اللّفظ،وسهولته وسهولة المخرج وفي صحّة الطّبع،وجودة السّبك،فإنما الشّعر صناعة،وضرب من الصّبغ،وجنس من التّصوير"[19].

ويقصد الجّاحظ هنا"طريقة مخصوصة في صياغة العبارة وتأليفها لتحقيق الغاية الكبرى وهي البيان"[20].ويشير كذلك إلى ثنائية اللفظ والمعنى التي شغلت نقادنا القدامى كثيراً،فالشعر ليس أفكاراً ومعاني فقط،بل صياغة جميلة ترتكز على التّصوير.واستشف الدّكتور جابر عصفور من مقولة الجّاحظ هذه ثلاثة مبادئ:"أولى هذه المبادئ أنّ للشعر أسلوباً خاصّاً في صياغة الأفكار والمعاني،هو أسلوب يقوم على إثارة الإنفعال،واستمالة المتلقي إلى موقف من المواقف،وثاني هذه المبادئ،أنّ أسلوب الشّعر في الصّياغة،يقوم في جانب كبير من جوانبه على تقديم المعنى بطريقة حسّية،أي أنّ التصوير يترادف مع ما نسميه الآن بالتجسيم.وثالث هذه المبادئ أنّ التقديم الحسّي للشّعر يجعله قريناً للرّسم،ومشابهاً له في طريقة التشكيل والصّياغة،والتأثير والتّلقي.وإن اختلفت عنه في المادّة التي يصوغ بها ويصوّر بواسطتها"[21].

وعلى الرغم من تباين مدلولات مصطلح "التصوير" في كتب الجاحظ،إلا أنه "يطرح لأوّل مرّة في النقد العربي فكرة الجانب الحسّي للشّعر،وقدرته علىى إثارة صور بصرية في ذهن المتلقي"[22].أما النقاد الذين تلوا الجاحظ،فكان حديثهم عنها حديثاً عابراً بالإشارة إلى جانب من جوانبها،كالتشبيه مثلاً إلى أن نصل إلى عبد القاهر الجرجاني،الذي تميّز منهجه في دراسة الصورة عن سابقه،إذ أرجع الجودة في الشعر إلى النظم،واتحاد المبنى والمعنى،بعد أن فصل سابقوه بينهما،واعلم أن قولنا (الصورة) ،إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا،فلما رأينا البنيوية بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة،فكان بين إنسان من إنسان وفرس من فرس بخصوصيّة تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك.وكذلك كان الأمر في المصنوعات:فكان بين خاتم من خاتم،وسوار من سواربذلك،ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقاً عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البنيوية بن قلنا:للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك:وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئاً نحن ابتدأناه،فينكره منكر،فهو مستعمل مشهور في كلام العلماء،ويكفيك قول الجاحظ:"وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير!"[23].

يبدو لنا من خلال العبارة الأخيرة للجرجاني،تخوّفه من استخدام هذا المصطلح،لذلك تستّر بالجّاحظ كي لا ينكر عليه النقاد ذلك،على الرغم من الدلالة الإصطلاحيّة التي نستشفها والتي تعني لديه الفروق المميزة بين معنى ومعنى،وتشبيهه إياها بالفروق التي تميّز هيكل إنسان ما من إنسان،فالصّورة عند الجرجاني ليست الشيء نفسه،وإنماهي مميزاته المفرقة له عن غيره،سواء أكانت في الشكل أم في المضمون،لأن الصّورة مستوعبة لهما،فقد نظر إلى الشعر على أنه"معنى ومبنى،لا سبق لأحدهما على الآخر،وهما ينتظمان في الصّورة"[24]،ثم يحدد الجرجاني الصورة بقوله:"فإنك تجد الصورة المعمولة فيها،كلما كانت أجزاؤها أشد اختلافاً في الشكل والهيئة ،ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك أثم،والإئتلاف أبين كان شأنها أعجب والحذف لمصورها أوجب"[25]،وهو ما يؤكده النقاد المحدثون في العلاقة بين طرفي الصورة التي تزداد قوة وجمالاً ،كلما كانت بعيدة ومتناقضة،"قد تكون الصورة أشد تعقيداً إذا اجتمعت فيها عناصر من طبائع مختلفة،متباعدة،تحتم علينا إعادة ترتيبها للوصول إلى تنظيمها وسياقها"[26]،لذلك أجمع قسم من الدراسات المعنية بالمصطلح على اقتراب الصورة عنده من الدلالة المعاصرة،وتحديده تحديداً يبعده عن الإبهام في نقدنا القديم"[27].

ولذلك،فإن الجرجاني يعدّ-حسب صبحي التميمي- هو الناقد العربي الوحيد"الذي توصل إلى بلوغ بعض أسرار إوالية الصورة عن أثرها ودورها،بالرغم من غلبة العنصر المرئي الذي طبعه في تحليله"[28].

  • التخييل الشعري ووظيفته الشّعرية:

تتبع أهمية الخيال من كونه خصيصة فارقة،تميّز الأدب عن غيره،فهو"مصدر كل صورة في الشعر،وكل صورة تتشكل في الخيال قبل أن تتشكّل في اللغة"[29]،لذلك عرف الشعر قديماً بأنه:"كلام موزون متخيل"[30]،و"المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة"[31]،على الرغم من أن النقاد القدماء يخلطون بين الوهم والخيال،فقد"كان المفهوم القديم للخيال عقبة في سبيل فهم الصورة...لأن الخيال وهم شيء واحد،بين أولئك جميعاً"[32]،فتبعاً لمبدأ المحاكاة اليوناني،يستمد الخيال عناصره الأوليّة من الحياة نفسها،ثم يعيد تركيبها بشكل جديد ومغاير،لكنه يتناسب وما هو موجود حقاً في الطبيعة،فإذا ما خرج الخيال عن هذه الحدود انقلب إلى وهم"[33].

وسبب هذا الخلط هو تأثرهم بالفلسفة اليونانية التي تتكئ على نظرية المحاكاة القائمة على العقل لأن "المنظرين الأساسيين للنقد والبلاغة العربية كانوا من المتكلمين،والصلة بين المتكلمين والفلاسفة صلة وثيقة "[34]،وقد تباينت تسمياتهم للخيال،فبعضهم يسميه(التخيل)،وآخر (التخييل)أو الإيهام بالكذب،وطرحوا مسألة الصدق الفني والصدق الخلقي،و"بالإضافة إلى محاصرة العقل للخيال،وقعت محاصرته لقيمة أخلاقية متمثلة في الصدق،فكان بعض البلاغيين يطلبون من الشاعر الصدق والإرتباط بأرض الواقع"[35]،"ولهذا من العبث أن نربط بين الخيال والصورة في النقد العربي القديم،لأن كليهما مفهوم مستقل عن الآخر،والربط بينهما-في مفهومها الحديث-لم يوجد إلا منذ عهد قريب"[36]،فتقُيّد الخيال في الشعر القديم بالعقل وبالصدق كقيمة خلقية،قلّص من وظيفته اتسعت حدودها في عصرنا الحديث.

  • الصّورة الشعريّة عند النّقاد المحدثين:

تغيّر مفهوم الصورة الشعريّة بتغيّر الأزمنة،إذ إنها لم تعد مجرّد قطعة ثانوية تشكّل بنية القصيدة كما هو الحال في القصيدة التراثيّة،بل أصبحت تمتدّ متزامنة حتى تكاد تشمل القصيدة برمّتها في بعض الأحيان،فأخذت ترتكز على مبدأ التراكيب والتكثيف،فقد أصبحت أقرب إلى الرّمز منها إلا الإستعارة،فالصورة في الشعر الحديث غير مألوفة...وصارت تؤدّي دوراً خطيراً في الشعر الحديث وتلقى عناية خاصة[37].

فالصّورة الشّعرية ركن أساسي من أركان العمل الأدبي فهي مطية المبدع المثلى،التي يسعتين بها في صياغة تجربته الإبداعيّة،وأراء النّاقد المثلى التي يتوسّل بها في الحكم على أصالة الأعمال الأدبيّة وصدق التّجربة الشّعريّة،واستطاع النقد الحديث من خلال الإهتمام بها تطوير النقد الأدبي نوعاً ونوعيّة،ولعلّ تطوّر واختلاف مفهوم الصّورة الشّعريّة عندهم يبقى شاهداً على ذلك،فبينما كانت دراستها مجزأة قديماً،فأضحت في النقد الحديث بحكم استفادته من سالف النقد القديم إلى جانب التراكم الهائل لمختلف جهاته،ولربما أيضاً لكثرة تنوّع الدّراسات فيها،تنظيراً وتطبيق حيّز دليل على المحاولات المتعدّدة المساهمة على التّعرّف على النّصّ.

لذلك تجدر بنا الأطلال على بعض من محاولات المحدثين وعرضهم لمفهومهم ونظرتهم للصورة الشّعريّة،وما أضافوه من جديد على ما سبق أو ما قدّره من أمثلة ذلك:يرى أحمد حسن الزيّات بأن الصّورة الشّعريّة تتمثّل في "إبراز المعنى العقلي أو الحسّي في صورة محسوسة،والصّورة الشّعريّة خلق المعاني والأفكار المجرّدة والواقع الخارجي من خلال النفس خلقاً جديداً"[38]،فالزيات هنا يبرز المعنى في الصورة الشعرية المحسوسة،شرط أن يتمّ ذلك من خلال ذات المبدع ووجهة نظر خاصة.

هذا ما عبّر عنه الدّكتور "علي البطل" في تعريفه للصورة بأنها:"تشكيل لغوي بكونها خيال الفنان من معطيات متعددة،يقف العالم المحسوس في مقدّمتها"[39]،فأي صورة شعرية مصدرها الخيال،أما بقوله المعطيات المتعددة فهو:يقصد الأبعاد النفسية والعاطفية والفكرية،التي بها تتشكل الصورة الشعرية.

ويوضح علي صبح فيقول أن:"الصورة الشعرية،هي التركيب على الأصالة في التّنسيق الفنّي الحيّ لوسائل التعبير التي ينتقيها الشاعر،أعني خواطره ومشاعره وعواطفه،المطلق من عالم المحسّات ليكشف حقيقة المشهد والمعنى في إطار قوي تام محسس مؤثر على نحو،يوقظ الخواطر والمشاعر في الآخرين"[40].

يعدّ أحد النقاد الصورة الشعرية،"ركناً شعريّاً ملازماً لكل شعر أصيل،ليس فقط على صعيد البناء أو الشّكل،بل أيضاً،على صعيد الروح أو المادة الشعريّة...غير أن الصّورة الشّعريّة ليست-فقط- طريقة تعبيريّة،بل إنها أيضاً طريقة تفكير "[41].وهكذا،يمكننا القول بأنها وسيلة الأديب،ليكوّن رؤيته ونقلها للآخرين،فهي استدعاء للألفاظ والعبارات والخيال ومزجها بعاطفة الشّاعر.

وأما الدّكتور إبراهيم ناجي يقول :"إن الصّور هي كلّ شعر يكون أسلوبه معبّراً بالصّورة،فكرة مصّورة في صورة حقيقية،تزهر بالعاطفة والتجربة والإنفعال في تركيبه،وجدانيّة،تنتمي في جوهرها إلى عالم الوجدان أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع"[42].

ونجدها عند الدكتور إحسان عباس في كتابه فنّ الشّعر الصورة هي :"تعبير عن نفسية الشاعر،وأنها تشبه الصورة التي تتراءى في الأحلام"[43].

من كل ما سبق يتضّح لنا،أنّ الصورة الشّعرية عند الباحث،يراد بها الأداة التي يعبّر بها الشاعر عن تجربته وأساسها إقامة علاقات جديدة بين الكلمات في سياق خاص،يصرّح دلالات جديدة في إطار الوحدة والإنسجام،من دون التخلي عن العاطفة،سواء أكانت الصورة حقيقية أم مجازية،ومنه يمكن القول:"بأن الصورة تعبير عن النفس أو نفسية الشاعر،وهي تُعين على كشف معنى أعمق من المعنى الظاهري للقصيدة"[44]،أو الذهاب إلى ما رآه "محمد حسن عبد الله"بأنها "صورة حسيّة في كلمات استعاريّة إلى درجة ما في سياقها نغمة خفيفة من العاطفة الإنسانيّة،ولكنها أيضاً شحنة – منطلقة إلى القارئ – عاطفة شعريّة خالصة وانفعالاً"[45].

ب- المفهوم الأسلوبي للصورة الشّعريّة:

إذا كان حرص دي سوسير على موضوع تأسيس موضوع العلم دفعه إلى المقابلات المشهورة في اللسانيات وأهمها اللغة والكلام،فإنّ جون كوهن قد حرص أيضاً على إضفاء طابع العلمية والموضوعية من خلال مجموعة من الثنائيات في كتابه:"بنية اللغة الشّعريّة،وأهم ثنائية هي(المعيار/الإنزياح )التي رآها ضابطاً ومانعاَ من الوقوع في فخّ الإنطباعية التي وسمت البلاغة التقليديّة وتخصيص الإنزياح بالذكر من دون قسيميه(الإختبار والتأليف)سببه أن هناك من النقاد من ينعت الأسلوبيّة بعلم الإنزياحات[46]،بحسبان الإنزياح يمثل على درجات الخرق اللغوي،ولذا فإن المفهوم الأسلوبي للصورة الشّعريّة،يدور في مضمار الإنزياح بالتعاضد مع الإختيار والتأليف،لأنه لولاهما لما كان هناك انحراف وتجاوز.

إن لمنطوق العنوان- ولو أنه بصفة خطيّة – مفهوماً مؤداه،أن للأسلوبية تصوراً مستقلاً يميزها عمّا طرح من مفهومات للصورة الشعرية،وهذا صحيح،لأن الأسلوبيّة في أبسط تعريفاتها – التي تجاوزت الثمانين [47]- هي الدراسة العلمية للأسلوب،وتقتضي العلمية ضوابط وأسساً تقدّر بها النتائج المتوصّل إليها،ولو أن الموضوعية في العلوم الإنسانية مستحيلة،ولكن خصوصيّة المنهج الأسلوبي الذي يجنح إلى العلمية في أدواته الإجرائية،يكون أقرب إلى الموضوعية ذلك أن "سبيل الموضوعية في علم الأسلوب ليس بالأمر الهيّن الإهتداء إليه،وأن هذا الإهتداء لا يتأتى من العلمية المطلقة في المنهج،ولا من التجرّد الكامل الذّوقيّة عند الدّارس... كل الجّهد ينبغي أن يوجّه إلى إتقاء خطر اعتباطيّة المنضوحة[48]،إضافة إلى الجمالية التي تعتمد على الذوق والإحساس،لأن التقنين الجاف والعلمية المطلقة ليسا "بمستحبين بها،فضلاً عن كونهما غير ممكنين فيها"[49]،ولأن الأساس الذي قام عليه النقد،إنما هو الذوق الشّخصيّ وإن استعان بوسائل أخرى للحدّ من ذاتية الأحكام المطلقة"[50].

وهذا ما يأخذنا رأساً إلى إشكال جوهري،هو أن البلاغة في أساس نشأتها قعدت لمعرفة لطائف التنزيل،ثم توالى التعقيد والتقنين انطلاقاً من النصوص،وما وصلنا من هذه القواعد محدّد زماناً ومكاناً،وحتّى مفهوم الصّورة الشّعريّة القديم محصور في منظومتين بلاغيتين،هما المشابهة والمجاورة،فهل تستطيع البلاغة بطبيعتها التقليدية أن تتكيّف مع الصورة الحديثة؟

إنّ البلاغة القديمة في جوهرها قواعد معيارية،لا تستطيع أن تستوعب التوجهات المتشعبة والمتناقضة أحياناً للصورة الشعرية،فقد استجدت علائق جديدة مع نشأة الشعر الحديث لا تستطيع علاقة المشابهة التقليدية بأسسها المنطقي أن نفسّرها"[51].لأن الشعر العربي لم يتغيّر على مستوى المضمون فحسب بل على مستوى الشّكل أيضاً"[52].

غير أن هذا لا يعني موت البلاغة وانتهاءها،وإنما يعني ضرورة البحث عن منهج آخر تتوافر فيه القدرة على استيعاب هذه التناقضات والمناورات،ولعلّ الأسلوبية هي الأسف لتتولى هذه المقاربات،لأنها تقوم على الإجراءات البلاغية نفسها،فتنشئ تراكماً معرفيّاً،وتكاملاً فيما بينهما يفضي إلى طرح جديد متجدد،فالبلاغة "فن لغوي،وفن أدبي،وهاتان سمتان قائمتان في الأسلوبية المعاصرة "[53].

يعود عجز البلاغة القديمة إلى كونها تحكم بمقتضى أحكام حتمية مسبقة ،ونهتم بالشكل البلاغي من ناحية التّصنيف والتّبويب إلى علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع،"وهذه هي الخطوة الأولى أو المرحلة الأولى المعتد بها في إقامة جميع العلوم،ولكن الملاحظ أنها وقفت بعد هذه الخطوة،ولم تبحث عن الهيكل أو البنية العامة لهذه الأنواع المختلفة،مما انتهى بها إلى العقم والتجمد"[54]،أما الأسلوبية فيجتهد الباحثون لإقامتها "على أسس بنائية سليمة ،تهدف إلى تجاوز الطابع الجريء للمقولات البلاغية،وما أدى اليه من خطا التقسيمات لأنواع القول وتعسّف تكييفها مع المواقف الحيوية المتغيّرة وعقم التصورات للوسائل الفنيّة"[55].

لذلك، فإنّ الأسلوبيّة حينما تتعامل مع النصّ المدروس يدخل الدّارس معه في حوار،بحسبانه بنية،مستنتجاً أحكامه بموضوعيّة وعلميّة،تستند إلى الأسس التي تقوم عليها الأسلوبيّة،وإلى نفي كلّي للمعياريّة والأحكام المسبفة،لأنّ في تبنّيها كسراً لكل النتائج التي يتوصّل إليها الباحث،حتّى ولو كانت صحيحة.

أما من جهة الجماليّة فيشترط في النصّ المدروس أن يحقّق لذّة تأسر الباحث بما يُحيل إلى نزهة من دون أن يُنسي هذا الإحساس بالأريحيّة موضوعيّة الطّرح،وعلميّة التّحليل،ومن هنا،فإنّ الممارسة النّقدية الإنطباعيّة والإرتجاليّة والأحكام المسبقة،عدوّ للأسلوبيّة،لأنها ضدّ كل ما هو معياري،"فليس البحث الأسلوبي عملية برهنة رياضيّة على مقولات مسبقة"[56].

فالأسلوبية تبدأ حينما ينتهي دور البلاغة،لذلك جاء" المنهج الأسلوبي بديلاً للبلاغة القائمة على قاعدة معيارية هي القيمة الثابتة،وهي جملة من الوقائع المتشعّبة بقيمة جمالية"[57]،ومن هنا "حاولت تجنب المزالق التي وقعت فيها البلاغة القديمة من حيث إغراقها في الشّكليّة"[58].

فرغم أهمية الإنزياح ودوره،إلا أن هناك جملة من المشاكل،تقف عائقاً أمام التحليل الأسلوبي،والذي يهمنا في هذا المقام هو "وجود نصوص بلا أسلوب،وهي تلك النصوص التي لا تنحرف عن قاعدة،كالجملة الحقيقية من مبحث الحقيقة والمجاز،فلا يُعقل أن تكون الحقيقة أسلوباً"[59]،بحسبان الرّسالة تكتسب شعريتها من انزياحها عن سنن اللغة،ف" الشعر انزياح عن معيار هو قانون اللغة"[60]،ولكننا نصادف نصوصاً تفتقرإلى أدنى درجات الإنزياح،ومع ذلك تشعّ بالإيحاء بما يحيلها إلى صور شعريّة جميلة،فهي تعتمد التّصوير بالكلمات العاديّة،وبغير الطّرق البلاغيّة المعروفة،إذ يعيش المتلقي حالة من التخيّل ،تنشئه إيحاءات الألفاظ،من دون كناية أو استعارة أو تشبيه،وعن طريق التّصرف في البنية اللغويّة،والتّلاعب بها،ومع ذلك نكون أمام صور شعريّة،ولعلّ سينيّة البحتري،خصوصاً في وصف إنطاكية مثال لذلك.فهل تقع هذه النّصوص في دائرة الأسلوبيّة من حيث هي صورة شعريّة؟

"إذا كات التّصوير المجازي في الشعر مطلوباً،فإنّ هذا لا يعني أن التّصوير بالحقيقة غير مطلوب،فقد يوفّق كثير من الأدباء في استحضار الواقع داخل أصر حسيّة"[61]،و"قد نصل إلى الصّورة عن طريق المجاز"[62]،ذلك أنّ"الفنّ هو في الوسيلة التي يعبّر بها عن المعنى،وليس في العنى بحدّ ذاته"[63].

إننا رغم إقرارنا بوجودنا أمام صورة شعريّة،قد تتوافر على عنصر التّصرّف في البنية اللغويّة،والتلاعب بها،لكن بالإحتكام إلى الإجراءات الأسلوبيّة،فإن هذا قد يشكّل سمة أسلوبيّة هي التقديم والتّأخير في نطاق الإنزياح التركيبي،لكنه لا يشكّل صورة شعرية بمعيار الأسلوبيّة،مما يجعلنا نستنتج أن عدم التناسب الواقع على المستوى السّياقي غير كافٍ لإنشاء صورة شعريّة،لذلك يرى"البعض ضرورة اتّخاذ المحاور السياقيّة والإستبداليّة أساساً لدراسة الصورة،فالشكل البلاغي يمثل نظاماً مزدوجاً،يعتمد على هذين المحورين الأساسيين"[64]و"عدم التناسب خروج على قوانين الرمز اللغوية،وهي عمليّة تقع على المستوى السياقي،والمجاز بأنواعه خروج على شفرة اللغة،وتقع على المستوى الدلالي،وكلتا العمليتين انحراف،ولكن الإنحراف الثاني هو الذي يصحّح الأوّل،ويعيد السياق تماسكه عن طريق المجاز،بل يجعله أقوى وأكثر أداءً لوظائفه الشعريّة"[65].

إن تحقق الصورة الشعريّة بالمنظور الأسلوبي،يتمّ في إطار الإنزياح التركيبي الذي ينشأ من العلاقات بين الوحدات المعجميّة،والإنزياح الدّلالي الذي يقوم على الإستعارة بحسبانها استبدالاً.

بهذا المفهوم ليس في الأسلوبيّة تفاضل بين الصور البلاغيّة،فلكل منها صفتها البلاغيّة المعتبرة،ولكنها تتحوّل إلى ظاهرة أسلوبيّة عندما تكون مؤشراً دالاً على معان معيّنة،فقد تكون الإستعارة مثلاً،صيغة أسلوبيّة،ولكن ليس بالضرورة مؤشّراً أسلوبيّاً" ف "ما هو أسلوبي في نصّ،ليس بالضرورة ،أن يكون كذلك في نص آخر"[66]،والنص دال لأنه مركّب بشكل مغاير للمألوف الكلامي"[67]،لذلك فالأسلوبيّة تنصرف إلى الصورة التي تكون ملمحاً خاصّاً بارزاً،يمثّل حالة فريدة من نوعها،وعليه،ليس هناك حكم مسبق،وإنما المعتبر هو الإنطلاق من النّصّ،والإحتكام إلى المعايير العلميّة،ما يؤكده الدّارسون هو أن ليس هناك لفظة شعريّة حيّة أو ميّتة ولكن طريقة استخدامها الإستعاري التّصويري بشكل جديد هي التي ترفعها إلى واقعة أسلوبيّة،حتى ولو كانت قديمة قد علاها الغبار،وفقدت بريقها من كثرة استعمالها،فقد "صار المبتذل من الألفاظ بالمفهوم البلاغي التقليدي يخضع لإجراءات أسلوبيّة تعبيريّة دلاليّة متعدّدة،تمكّنه من الدّخول في سياق قائم بذاته ككيان أسلوبي يحمل اللفظة من مستواها المبتذل ليجعلها نقطة حيّة عامرة بالمعاني،إلى درجة أنها يمكن أن تتحوّل إلى مفتاح أسلوبي دلالي"[68]،لأنّ الوسائل البلاغيّة ليس لها قيمة أسلوبيّة في ذاتها،بل بحسب توظيفها في النّصّ"[69]،وهو ما وجدناه في شعر محمود درويش فحاولنا تطبيقه على نماذج من شعره.

الفصل الثاني:

يعالج هذا الفصل نماذج من قصائد محمود درويش من ديوانه"عاشق من فلسطين" من خلال مقاربتها معجميّاً،وسيتمّ دراسة الكلمة المفتاحيّة والحقول المعجميّة ودراسة التكرار وظاهرة الترادف والتضاد.

مقدمة:

كان النقاد يقولون دائماً"الأسلوب هو الرّجل"،ويمكن القول أيضاً إن الكلمات هي الرجل،بمعنى أنّ القاموس اللفظي لأي شاعر يكون مشتقاً من تجربة حياته الداخلية والخارجيّة في آن،وهكذا لا تكون الكلمات في مدلولاتها النهائيّة قاموساً لفظيّاً،وإنما قاموساً ذاتياً وداخليّاً أيضاً.فالشاعر ابن بيئته،يأخذ ألفاظه من تجربة حياتيّة وبيئته وثقافته الروحيّة.

قيل لابن الرومي:لمَ لا نجد عندك من التشبيهات الرائعة ما نجده عند ابن المعتزّ؟فقال حيث يقول ماذا؟

فأجيب:يقول مصوّراً الهلال:

أنظر إليه كزورق من فضة                   قد أثقلته حمولة من عنبر

فقال ابن الرومي:واغوثاه،إنه يصف ماعون بيته... يرى الفضّة والعنبر فيشبه بهما،ولكن انظروا عندما أشبهه فأقول:

إن أنس لا أنس خبازاً مررت به           يدحو الرقاق كلمح العين بالبصر

ما بين رؤيتها في كفّه كرة                 وبين رؤيتها قوراء كالقمر

إلا بمقدار ما تنداح دائرة                   في لجّة الماء يلقى فيها بالحجر[70]

كان لا بدّ من هذه المقدمة للإشارة إلى أنّ التجربة البشريّة لها دور كبير إلى جانب الصياغة الفنية في صوغ شعر رائع،يحمل آلام التجربة الذاتيّة إلى جانب الإلتزام بقضايا الأمة المحقّة،والشاعر محمود درويش،تجربته خصبة مع العدو الغاشم،ومحبته لوطنه وأرضه مشهود لها،فقد تجلّت في قصائده ودواوينه،(موضوع دراستنا إلى جانب ثقافته الموسوعيّة وإحساسه المرهف.

بداية مع دراسة "عشق فلسطين"وتجليات هذا العشق في معجم الديوان.

1-أ-الكلمات المفتاحيّة والحقول المعجميّة وارتباطها بثنائيّة المنفى والعودة في قصيدة"عاشق من فلسطين":

لكلّ شاعر مبدع،ارتبط اسمه بالقضيّة وباسم وطنه،أنتجت لغته صياغة خاصّة،يكون لها قاموس لفظي مختلف عن الآخر.والقاموس اللفظي لشاعر مبدع،هو محاولة لإخراج الكلمة قدر المستطاع من معناها القاموسي الحصري،لتغدو أرحب وأوسع وذات صلة بالوجدان الذي يكوّنها.

فلغة الشاعرالمبدع بهذا المعنى تعدّ لغة في اللغة إذ لا قيمة للغة الشعرية حين تكون مفصولة عن تجربة الشاعر الحياتية.وهنا نريد أن نؤكد حقيقة شعرية،وهي أن بعض الشّعراء الذين يفتقرون إلى التجربة الحياتيّة العميقة ويمتلكون في الوقت نفسه ثقافة إنسانيّة عاليّة،إنّ هذا النفر من الشعراء يحاول أن يضلل الشعر بثقافته،وبعض الشّعراء كانت تجربتهم الشعرية أكثر ثراء ودفئاً وخصوبة في مراحل توقّد تجربتهم ،وعندما خبَت تجربتهم الشّعريّة،استعاضوا عنها بالثقافة،ليوهموا المتلقي باستمرار شاعريتهم المتدفقة،التي كانت شعراً حقيقيّاً في زمن ما.أما الشاعر الذي يلجأ إلى الثقافة بمعزل عن الوجدان،يصاب بجمود المفاصل وربما يصبح كالأرض التي عليها حقول من الأزهار الإصطناعيّة.ولا نريد أن نضرب مثالاً بتجربة أحد الشّعراء حر صاً على تجاربهم الماضية المتدفقة شعرياً.

نريد أن ننتقل من خلال هذه المقدمة إلى أنّ تجربة الشّاعر"محمود درويش" القاسية وحبّه لوطنه أمداّه بلغة خاصّة به.

وهذه اللغة نجدها في شعره بغير عناء.فهي المتفرّدة تعبر عن تجربة أمة وشعب يخوض معركة الدفاع عن الأرض والعرض،وأصالة هذه اللغة تنبع من هذا الحب ومن التصاقها الحميم بكلّ ما مرّ في حياة هذا الشّاعر من أحداث وهجر ونفي.

من الكلمات التي هي مفتاح في شعر "محمود درويش" من ديوان "عاشق من فلسطين" ،كلمة "فلسطين" ،إنها بادية الحضور في شعره،وهذه الكلمة استدعت حقلاً معجميّاً يكتنف في داخله أبجديات المنفى" المرّ،مثل (مرثية الوطن،أنا المنفي خلف السّور،خذيني أينما كنت،سفر مأساتي،حملتك زاد أسفاري...)يقابلها كلمة مفتاحية أخرى تمثل ثنائية ضديّة مع المنفى،ألا وهي كلمة "العودة" والتي حملت في طيّاتها حلماً بالخلاص من المنفى والعودة إلى ربوع الوطن (الحضن الدافئ) وذلك عبر استدعاء حقل معجميٍّ،يحمل الأمل والحلم بغدٍ مشرقٍ يتنسّم عطر العودة إلى فلسطين الخضراء،وهذا رمز للخصوبة والنّماء،فقد رسمها الشّاعر في مخيّلته صورة جميلة جداً،فهي حديقته التي يلجأ إليها بمخيّلته كلما ضاقت به الدّنيا،فهو يراها محبوبته في خوابي القمح والماء.

يقول الشّاعر:

رأيتك في خوابي الماء والقمح

رأيتك في شعاع الدمع والجرح

أنت الرّئة الأخرى في صدري

أنتِ الصوت في شفتي[71]

وفي رأي الشّعر ،أنّ فلسطين الوطن أي المحبوبة محطّمة بسبب ممارسات الاحتلال،و"الليل" الظلم،فأصبحت خادمة للعدو،ويرمز الشّاعر بالكهف والنّار والموقد والشوارع والزرائب على ضرورة استمرار المقاومة،أي مقاومة هذا العدو وعدم الإستسلام له.

وأنت الماء،أي النار!

رأيتك عند باب الكهف...عند الدّار

معلقة على حبل الغسيل ثياب أيتامك

رأيتك في المواقد في الشّوارع

في الزرائب...في دم الشمس[72]

والشّاعر أيضاً يريد من وطنه أن يعيده إليه في أي مكان داخل فلسطين،لكي يعود له لونه الحقيقيّ،وينعم بانّظر إليه.

يقول الشاعر:خذني تحت عينيك

خذيني،أينما كنت

خذيني،كيفما كنت

أرد إليّ لون الوجه والبدن[73]

وحين يتحدّث الشاعر في قصيدته عن النّفي،الرحيل والبعد عن الأرض،أرض الوطن،فإنه أيضاً يتكلّم عن حلم العودة والإشتياق إلى ربوع فلسطين،لذا لا بدّ من وصف وذكر ظلم الاحتلال والأعداء،فقد شبّههم بالديدان تحقيراً لهم،يقول:

وباسمك صحت بالأعداء

كلي لحمي إذا ما تمت يا ديدان

فبيض النّمل لا يلد النّسور

وبيضة الأفعى...

يخبئ قشرها ثعبان![74]

أي بإمكان الإحتلال أن يأكل لحم الفلسطينيين في حال توقفهم عن المقاومة والنّضال والتّصدي لهم،وقد شبّه الشاعر هذا العدو ببيض النمل،كما قلت ليبيّن دنو شأنهم،فهم لا يرتقون إلى الجوارح المفترسة فهي لا تلد النّسور.

وأما قصده بالنّسور هنا،فهم أطفال الحجارة،وأهل الوطن، أصحاب الحقّ،و"بيضة الافعى" قصد بها العدو الغاشم يخبئ قشرها "الثعبان "اي الدول التي تحمي العدو وتزودها بالقوه .

ومن الكلمات التي تشكل الحقل المعجمي "لفلسطين" كلمة فلسطينية والتي شبهها وكأنها محبوبته فهو يتغزل بها ،ويحن عليها ،ويرأف بحالها ،ويحزن عليها ،لأنه تركها منفياً حاملًا معه همها أينما ذهب .وقد نظم اشعارًا وطنية لها تؤكد على القضية الفلسطينية ومأساه الشعب الفلسطيني وحقه بالعودة الى وطنه ...

 يقول الشّاعر:

فلسطينية  العينين والوشم

فلسطينية الإسم

فلسطينية الأحلام والهمّ...

فلسطينية الكلمات والصّمت

فلسطينية الميلاد والموت

حملتك في دفاتري القديمة

نار اشعاري[75]...

وفي موضع آخر يريد الشاعر أن يقدم للوطن هديه ثمينة هي عبارة عن منديل يخيطه من رموش عينيه يقول:

وأقسم :

من رموش العين سوف أخيط منديلا

وانقش فوقه لعينيك

واسمًا حين أسقيه فؤادًا ذاب ترتيلا...

يمد عرائش  الأيك...

ساكتب جمله أغلى من الشهداء والقبل:

فلسطينية كانت ولم تزل ![76]

فالعين هي نافذة الإنسان على العالم المحيط به وهي التي يرى بها  الشاعر وطنه،فقد اختار العين للدلالة على أهميه الوطن بالنسبه إليه مؤكدًا أن فلسطين ستبقى للفلسطينيين دائمًا وأبدًا كما كانت قبل العام 1948 حين يقول:

فلسطينيه كانت ...ولم تزل .

وتأتي كلمة"عيونك "من متممات القاموس الشعري الوجداني عند الشاعر محمود درويش فعيونها أي ذكراها شوكة في قلبه تسبب له الألم، لا سيّما عندما يتذكر أحداث النكبة وما قام به المحتلون من ممارسات وحشيّة ضد الفلسطينيين،فهو يريد أن يحمي هذا الوطن من الريح أي من الضياع،مشبهًا وطنه بالسّيف الذي يريد أن يغمده بالمقاومة باعتبارها الغمد الذي يحمي الوطن من المحتلين وبالمقاومة يضاء طريق نور الحرّية .

يقول الشّاعر :

عيونك شوكة في القلب

توجعني وأعبدها

وأحميها من الريح

وأغمدها وراء الليل والأوجاع ...أغمدها

فيشعل جرحها ضوء المصابيح

ويحيل حاضري غدها

أعز علي من روحي

وأنسى، بعد حين، في لقاء العين بالعين

بأنا مرة كنا وراء ،الباب ،اثنين ![77]

ولن ننسى، كيف تحدث الشاعر عن الميناء ،الميناء الذي يكرهه، لأنه المكان الذي من خلاله بدأت رحلة اللجوء والتّشرد والضّياع .رحلة التّخلي عن الطفولة والأهل، هذا الوطن أصبح بلا أهل وبلا زاد ،فالأهل "اللاجئون "خرجوا من الوطن رغمًا عنهم، والزاد "المناضلون "هم جزء من اللاجئين ،وقوله "كالأيتام" دليل على شعوره بالظلم والحزن ،يتساءل عن سبب إخراج الفلسطينيين من وطنهم :"البيارة الخضراء "وإعطائه للأعداء .

يقول الشّاعر:

رأيتك أمس في الميناء

مسافرة بلا أهل ...بلا زاد

ركضت إليك كالأيتام،اسأل حكمة الأجداد:

لماذا تسحب البيارة الخضراء

إلى سجن ،إلى منفى ،الى ميناء[78]

فالشاعر يؤمن بالنضال والمقاومة، ويكره الظلم والنفي ،لذلك لابد من العودة، مؤكدًا على استمراريته في نظم القصائد،فوطنه بالنسبه إليه هو تلك الفتاة الجميلة العذراء،هي بمثابه السيوف التي تشرع في وجه المحتلين فطول تفكيره بفلسطين قد شبهه بطول النخلة الصامدة التي لم تنكسر أمام جبروت الإحتلال .

 يقول الشّاعر:

قلي وعد مع الكلمات والنّور..

وأنت حديقتي العذراء ...

ما دامت أغانينا

سيوفًا حين نشرعها

وأنت وفية كالقمح

ما دامت أغانينا

سمادًا حين نزرعها

وأنت كنخلة في الذهن

ما انكسرت لعاصفة وحطاب ...[79]

وهكذا نرى أن ثنائية المنفى والعوده قد برزت بشكل جليّ من خلال الحقول المعجميّة.

1-ب - الكلمات المفتاحية والحقول المعجمية وارتباطها بالعودة في قصيدة" في انتظار العائدين "

إن كلمة "عوليس" هي من الكلمات التي تشكل حقلًا معجمياً للعودة ،فقد شبه الشاعر نفسه بـ "ابن عوليس" مستخدمًا الاسطورة ليقدم للقارئ أنموذجًا من المقاومة والصمود، فالشاعر لا يريد السفر ولا البعد عن الوطن، وهذا الرمز الأسطوري كما تصوره المخيلة الأسطورية، ذكي،وقوي، وماهر، وشجاع أيضًا ،لكن ثمة ما هو أكثر من ذلك، فهو الفكر المتسع، المقاوم الذي لا يبيع أرض وطنه.

يقول الشّاعر :

وانا ابن عوليس الذي انتظر البريد من الشّمال

ناداه البحار، لكن لم يسافر

لجم المراكب، وانتحى أعلى الجبال

يا صخرة صلى عليها والدي لتصون ثائر

أنا لن أبيعك بالآلئ.[80]

 وفي موضع آخر نرى أن كلمة( لن أسافر) من الكلمات التي شكلت حقلًا معجميًا (للعودة )،والتي هي تأكيد على عدم السفر بل العودة إلى ربوع الوطن.

أنا لن أسافر...

لن أسافر

لن أسافر![81]

 وأيضًا قد اهتم الشاعر على استحضار "الأب والأم"في قصيدته وكلاهما يرمزان عنده للوطن والأرض، ومن الرموز الإنسانية التي تعطي الحياة عناصر الديمومة والبقاء السرمدي فيها مع التراث والجمالية، ولن ننسى ما اتخذه من أسطورة البطل وإصراره الدائم على العودة، أي عودة الأبناء إلى وطنهم إلى فلسطين،ومن هنا نرى التوافق في الدلالة بين الأسطورة والتشبيه الفلسطيني في أحداثه من خلال الإنتظار والإيمان والحياة والإصرار على العودة...

فجاءت كلمة "إنا عائدون "أيضًا ،من الكلمات الدالة على (العودة)

يا أمنا  انتظري أمام الباب... إنا عائدون

هذا زمان لا كما يتخيّلون

بمشيئة الملاح تجري الرياح ...

ماذا طبخت لنا ؟فإنّا عائدون[82]

 فقد انضم الشّاعر مع الثّائرين في الجبال ملاذًا ووفاء للحبيبة وهي فلسطين .

يقول الشّاعر :

وأنا مع الأمطار ساهر

عبثًا أحدق في البعيد

سأظلّ فوق الصّخر، تحت الصّخر... صامد[83]

 من هنا نجد أن العودة قد برزت بشكل كبير في كلّ ثنايا القصيدة، وكأنّ كلّ كلمة تشكل حقلاً معجميًا (للعودة).

1-  الكلمات المفتاحية والحقول المعجميّة وارتباطها بالسّجن في قصيدة" برقيّة من السّجن "

من الكلمات التي هي مفتاح في القصيدة "برقيّة من السّجن" كلمة( السّجن) وهذه الكلمة استدعت حقلًا معجميًا يكتنف في داخله أبجديات النّضال والمقاومة.

 يقول الشّاعر :

من آخر السّجن، طارت كف أشعاري

تشدّ أيديكم ريحاً ...على نار[84]

 هنا نجد قصائده النّضالية (كفّ أشعاري)، ومواقفه الصّلبة (ريحًا من نار) التي تمتّع بها الشّاعر من خلال شعر المقاومة، فهو داخل السّجن يحارب المحتلّ بأشعاره،يناضل من أجل وطنه بكلماته،فهو الصّامد مع شعبه يجابه المحتلّ بالحرف.

يقول الشّاعر:

أنا هنا ،ووراء السّور، أشجاري

تطوّع الجبل المغرور... أشجاري [85]

فهو لا يزال قابعًا في سجنه المظلم ،حاله حال كثير من شعبه يتأمل الأشجار الصّامدة (الشّعب الفلسطيني) خلف أسوار السّجون التي تتحدّى الجّبل المغرور (الاحتلال)،وكأنه يقول لنا باختصار :إنّ الشّعب الفلسطيني على الرّغم من قلة إمكانياته ،إلا أنه صامد في وجه هذا المحتل الغاشم .وينقلنا الشّاعر إلى نهاية مؤكدة ألا وهي انتصار الأشجار (الشّعب الفلسطيني) على الجبل المغرور أي انتصار حتميّ .

وفي موضع آخر يقول الشاعر:

مذ جئت أدفع مهر الحرف في ما ارتفعت

غير النّجوم على أسلاك أسواري

أقول للمحكم الأصفاد حول يدي

هذه أساور أشعاري وإصراري [86]

إننا نجد كلمة "أسلاك "هي من الكلمات التي تشكل الحقل المعجمي (للسجن) وهي أداة تستخدم لإحكام القيود حول اليدين والرّجلين وهذه دلالة على القساوة التي تعرض لها الشاعر اثناء وجوده في السجن كباقي المسجونين من الشّعب الفلسطيني .

فقد قدم الشاعر مهرًا لشعر المقاومة الذي نظمه لقوافل الشهداء التي سقطت على أسلاك أسوار هذا السّجن البغيض. وهو يقدم رسالة للسجان الذي أحكم القيود حول يديه:إن هذه القيود أساور تزيّن قصائده الغراء في مقاومة المحتل وإصراره على نيل الحريه كباقي شعبه الرّازح تحت نير الظلم والجور الذي يعانيه من السجن والسجان .

كما أن الشّاعر قد خاطب دولة السّجان، وحقر مجدهم الذي تساوى مع نعله وتساوى أيضًا مع قيده ،ومع عمر دولتهم المجدول بخيوط العار نتيجة ما ارتكبه من جرائم بحق الشّعب الفلسطيني،لذا نرى كلمة "أسرى "من الكلمات التي شكّلت أيضًا الحقل المعجمي( للسّجن).

يقول الشّاعر:

في حجم مجدكم نعلي ،وقيد يدي

في طول عمركم المجدول بالعار

أقول للناس للأحباب :نحن هنا

       أسرى محبتكم في الموكب السّاري [87]

فإنه يقول لأحبابه وناسه أنه معهم لأنه في نفس موقع النّضال والثورة،مؤكّدًا في نهاية قصيدته أنه يكبر عامًا كلّ يوم في حبّ وطنه.

يقول الشاعر:

في اليوم أكبر عامًا في هوى وطني

فعانقوني عناق الرّيح للنّار[88]

 هذه دعوة للبقاء على طريق النضال ونهج الثورة حتّى التّحرير.

 من هنا نرى أن كلمة (السجن)قد برزت بشكل واضح من خلال الحقول المعجمية.

2-التكرار وارتباطه  بثنائية المنفى والعودة :

التجربة الشّعرية الصادقة المعتملة في الوجدان والمنفعلة بالحدث الخارجي تصدر عنها لغة ناقلة تحمل ألوان الطّيف الدّاخلي، وهذا النقل هو صورة عن الأعماق التي تخلق قاموسيتها اللفظية من معاناتها،وهذه اللغة الجديدة تحمل معان وإيحاءات أكثر من معانيها القاموسية، وهذا ما نطلق عليه الخلق الإبداعي عن الشّاعر الملهَم الصّادر عن تجربة ذات تاثير إنفعالي، ويكون دور الشعر الجيد هو التّعامل النقلي مع الإنفعال وسكبه في الكلام، وقتها تصبح اللغة الناقلة، ملكًا للشاعر وحده،على الرّغم من ملكيتها القاموسية العامة. وبذلك يتحقق بصدق القول النقدي المعروف :"الأسلوب هو الرّجل ".

وهذا يعني أنك تستطيع معرفة الشّاعر من نتاجه، حتى ولو لم تتح لك معرفة تجربته الحياتية، بمعناها الحدثي. فالنّصّ بهذا المعنى هو كشف، وهو متآمر على صاحبه،والمؤامرة هنا جميلة ومحبّبة،لأنّها صادقة، ولأنّ نقلها يمدّ الشّاعر بالخلود .

 نقول لكلّ شاعر مبدع لغته الخاصة  به النابعة من تجربة خاصة به أو بشعبه وبيئته،وهذا يعني أنه خالق ومبدع، ولأن اللغة الشّعرية خاضعة لتحوّلات النّفس الدّاخلية فهي لصيقة الإحساس، فكيف حين يكون الشّعر مقرونًا بمحمود درويش الغائب الحاضر، واللغة مقرونة بكلماته الموصولة بروحه وعبقريتها، روح تحول الوجدان إلى ذاكرة عظيمة.

 ومن هنا، نستطيع أن نفهم تكرار الفاظ معينة في تجربة معينة كتجربته، وبل في قصيدة معينة من قصائده. وفي قصائد الشاعر محمود درويش في المجموعة الشعرية التي نتناولها بالبحث "عاشق من فلسطين " نرى تكرارًا للألفاظ متعلقًا بالقاموس الدّاخلي الذي نقل تجربته،ومن خلال رصد بعض الألفاظ في قصائده سنرى،إن كانت تشكل ثنائية الذات والكلمة أم كانت نائية عن تجربته السجينة النضالية في سبيل تحرير أرضه أي سبيل الحرية .

  • التّكرار:

لغة:" كرّر الشيء وكره،أي أعاده مرة بعد مرة، ويقال كرّرت عليه الحديث وكرته إذًا أرددته عليه :والكرّ: الرّجوع على الشّيء ومنه التّكرار"[89].

ويعرفه"رمضان الصّباغ "هو إعادة ذكر الكلمة أو العبارة بلفظها أو معناها في موضع آخر أو مواضع متعددة في نص أدبي واحد"[90].

ويقول الزّمخشري:" فمذهب كل تكرير جاء فيه كان الهدف من ورائه تمكين المكرر في النفوس وتقريره "[91].وعليه فإن الصّورة  المكرّرة هي الصّورة التي تتكرّر على مستوى القصيدة الواحدة أو على مستوى الديوان ككل، وقد يكون التّكرار تامًا (بحيث تكون الصّورة المكررة نسخة طبق الأصل لصورة سابقة)، وقد يكون ناقصًا (وهنا يقتصر التّكرار على محتوى الصورة من دون شكلها )،وهذا النّوع من الصّور عرفه الشّعر التقليدي،والصّورة المقرّرة في الشّعر المعاصر تختلف عنها في الشّعر التقليدي،فالتّكرار ظاهرة فنّية لغويّة تلفت النّظر في الشّعر الجديد المعاص، وقد اتخذ شكله الواضح إلّا في عصرنا،وذلك من خلال تأثيره الأكبر في الشّعر الحرّ، وتحوّل بذلك إلى خاصّية أساسية في بنية النّصّ الشّعري.

 ويتجلّى التّكرار في النّصوص المعاصرة بأنماطه وأشكاله المتباينة، فنجد تكرار الحروف أو تكرار المفردات أو تكرار الجمل أو المقطع الشّعري وفي هذا الصّدد يقول محمد عبد المطلب :"فشعر الحداثة لم يستغنِ عن التّكرار، وإنما تعامل معه في شكل يلائم طبيعة الشّطر الشّعري "[92].

ومن أنماط التّكرار في ديوان "عاشق من فلسطين" هي كالآتي:

2-أ- تكرار الضّمير:

 إن المتمعّن في ديوان "عاشق من فلسطين "يلاحظ أنّ محمود درويش قد لجأ الى تكرار ضمير معين في بعض المقاطع الشّعرية ومن الأمثلة على ذلك قوله :

وأنت الرّئة الاخرى بصدري

وأنت أنت صوت في شفتي

وأنت الماء، أنت النار![93]

 نلاحظ من خلال هذا المقطع تكرار ضمير المخاطب (أنت) أربع مرات بشكل متوال وفي المرّة الخامسة جاءت بعد لفظة (الماء)، وقد جاء هذا التّوظيف ملائمًا لما أراد الشاعر أن يخاطب محبوبته فلسطين الوطن وفلسطين المرأة، ويؤكد لها أنها جزء لا يتجزأ منه .

ويكرّر كذلك ضمير المخاطب (أنت) في نفس القصيدة ولكن بشكل غير متوال، واصفًا فيها دائمًا المرأة  وفلسطين بمواصفات مستوحاة من عناصر طبيعية خالصة يقول:

وأنت حديقتي العذراء ...

ما دامت أغانينا

سيوفًا حين نشرعها

وأنت فيه كالقمح

ما دامت أغانيها

سمادًا حين نزرعها

 وأنت كنخلة في البال...[94]

ومن أمثله تكرار الضّمير فيها تكرار ضمير المتكلم (أنا)،قصيدة "في انتظار العائدين "

يا صخرة صلى عليها والدي لتصون ثائر

أنا لن ابيعك باللآلئ

أنا لن أسافر

لن أسافر

      لن أسافر ![95]

الشّاعر كرّر الضّمير( أنا) مع حرف النّفي مرات عديدة في هذه القصيدة، وهذا تأكيد منه على مواصلة الصمود والإصرار على البقاء في الوطن، وقد استمدّ التوكيد على الصّمود والإصرار في لفظة ( أنا لن أسافر).

ونجد تكرار ضمير المتكلم (أنا) في قصيدة "قمر الشّتاء "

أنا قاتل القمر الذي

كنتم عبيده !!

قلبي على قمر

تحجر في مكان

ويقال... كان

وأنا على الإسفلت

تحت الرّيح والأمطار

مطعون الجنان [96]

نلاحظ أن الشّاعر قد كرّر ضمير المتكلم (أنا) في هذه القصيدة مرتين فقط وبشكل متباعد،وفي هذا التّكرار نجد الإبتعاد والرّفض للجانب الرّومانسي والإنتقال الى الواقعية المقاومة من خلال اغتياله للقمر (أنا قاتل القمر) الذي هو رمز من الرّموز التي يستخدمها الرّومانسيون،وهذا النّوع من التّكرار قد شكل دورًا مهمًا لما يحمله من دلالات لإيصال المعنى .

وفي موضع آخر هناك تكرار لضمير المتكلم (أنا)في قصيدة "بقية النّشيد" يقول الشّاعر:

أنا منهم أنا ناي باور كسترا الذين

عيونهم نفضت

غبار الأمس، والتحمت

برمش الشّمس والمستقبل الأجمل

أنا أقوى

أنا أطول

من الزّنزانة السّوداء [97]

لقد كرّر الشّاعر الضّمير (أنا) أربع مرات في هذه القصيدة بشكل غير متوال وهذا التكرار، تاكيدًا للذات الفلسطينية العربيّة في مواجهة الواقع الفلسطيني المأساوي المعاش،إشارة منه في ذلك إلى أن الإنسان الفلسطيني هو الوحيد القادر على أحداث التغيير الذي يجب أن يحدث فوق هذه الأرض والضمير (أنا)لا يعبّر عن ذات الشّاعر فحسب بل يحمل دلالة الجّماعة .

2-ب-تكرار الكلمة:

 قد انتقلنا من تكرار الضمير إلى تكرار الكلمة، ويقول "محمد عبد المطلب" :"إن هذه البنية تكرار مفردات، قد تعمل على المستوى الدلالي لانتاج التقرير أحيانًا ولإنتاج التأسيس أحيانًا أخرى أي تأسيس دلالة إضافية بكل تكرار".[98] وعليه فإن تكرار الكلمة هو إعادة تكرار الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه، ونجد الشاعر "محمود درويش "قد استعذب تكرار الكلمة في هذا الديوان من لفظ آخر .

ومن أمثله تكرار الكلمة في هذا الدّيوان قول الشّاعر في قصيده "إلى أمي"

أحنّ إلى خبز أمي

                                                            وقهوه أمي

                                            ولمسه امي

                                         وتكبر في الطفولة

يوماً على صدر أمي

واعشق عمري الآتي

إذا متّ

أخجل من دمع أمي![99]

إنّ تكرار الشّاعر للفظة (أمي) ،إيضاحًا للشوق والحنين اللذين أحس ّبهما الشاعر، فإن حنينه وشوقه إلى أمه قد تجاوز كلّ الحدود ،حتى أنه يخاف الموت حتى لا تتألم أمه، فهذه القصيدة رسالة غير مباشرة، أحب أن يبعثها عن طريق الإشتياق ودرب حب الإبن لأمه.

 ومن أمثله تكرار الكلمات أيضًا في هذا الديوان في قصيدة" عاشق من فلسطين " .

فلسطينية العينين والوشم

فلسطينية الاسم

فلسطينية الأحلام والهم

فلسطينية المنديل والقدمين والجسم

فلسطينية الصوت

فلسطينية الميلاد والموت[100]

إن تكرار كلمة (فلسطينية) ست مرات متوالية، يبين أن فلسطين لم تعد مجرد وطن فقط ،بل أصبحت حبيبة، وكأن الشاعر هنا يقف بإجلال وإكبارأمام كبريائها،جامعًا بين الماضي والحاضر للإقتراب من حبيبته الفلسطينية.

 ونقف على مثال آخر مع تكرار الكلمة في ديوان "عاشق من فلسطين" في قصيدة "نشيد للّرجال".

إلى الأعلى

حناجرنا

إلى الأعلى

محاجرنا

إلى الأعلى

أمانينا

إلى الأعلى

أغانينا .[101]

إنّ درويش في هذه القصيدة، يعود إلى الحاضر والمستقبل،ويعيد بذلك الثّقة بهذا المستقبل ففي تكراره لكلمة إلى الأعلى التي تتخذ أدوات النضال والتحلي بالأمل تحفيزًا للشعب إلى الصمود والإصرار.

وفي القصيدة ذاتها من الديوان ذاته نلاحظ أن الشاعر كرّر كلمة الأرض خمس مرات في نهاية كل مقطع شعري،ففي تكرار لفظة (الأرض) يتبيّن لنا مدى الإرتباط الوثيق للشاعر بهذه الأرض،فالأرض عند محمود درويش يختلف مفهومها عند عن باقي الشّعراء،فهي الهدف الواحد الذي يصبو إليه الشعب الفلسطيني الصامد وتشبثهم بها، وهذه دلالة على اللحمة الوطنية والوحدة والتّلاحم الشّعبي، فهي تجمع كلّ الفلسطينيين،فالأرض في الأبيات التّالية وتكرارها قد دخلت عمق المعادلة في ذهنية هذا الشعب،وذهنية العدو الصّهيوني .

يقول الشّاعر:

فكلّ تمرّد في الأرض

يزلزلنا

وكلّ جميلة في الأرض

تقلبنا

وكلّ حديقة في الأرض

نأكل حبة منها

وكلّ قصيدة في الأرض

إذا رقصت تحاصرنا

وكلّ يتيمة في الأرض

إذا نادت نناصرها[102]

2-ج-تكرار العبارة:

 لم يقف "درويش"عند تكرار الضّمائر والكلمات، وإنّما وظّف تكرار آخر يسمى تكرار العبارة أو الجملة، وهذا اللون من التّكرار أكثر استعماله في الشّعر العربي المعاصر، وهو صورة متطوّرة،فالجّملة الشّعرية تعدّ بنية موسيقية  أكبر من السّطر .

 وقد تواترت عبارات عديدة في هذا الدّيوان، على سبيل المثال" لو كان"، لو :حرف امتناع للإمتناع أي هو حرف  شرط غير جازم وجاء بعده  كان: الفعل الماضي الناقصن فتكررت عبارة (لو كان) مرات عديدة، وجاءت في بداية الأسطر الشّعرية، يقول الشّاعر في قصيدته "صوت وسوط ":

لو كان لي برج

حبست البرق في جيبي..

لو كان لي في البحر أشرعة،

أخذت الموج والإعصار في كفي

لو كان عندي سلم ،

لغرست فوق الشّمس رايتي التي

اهترأت على الأرض الخراب

لو كان لي فرس

لو كان لي حقل ومحراث

لو كان لي عود

لو كان لي قدم

لو كان لي ...[103]

فصيغة (لو كان) المكررة مقرونة هنا بالماضي والمستقبل ،فهي تدل على الأمل والرّجاء والتي تخللها الخيال بعض الشيء ،والشّاعر هنا يحاول العوده الى الماضي ويتحسّر على ما فات،وعلى الجراح التي ألمت بشعبه، وصبّ بذلك مشاعره الممزوجة بالخيال غير العادي، الذي يدلّ على المقاومة، فهي ممتدة الى المستقبل امتداداً لا نهائيًا .

وقد كرّر كذلك الشّاعر عبارة( تموزعاد -تموز يرحل)، تكررت هذه العبارات أربع مرات في القصيدة أحياناً ،تكون (تموز عاد) ومرة أخرى تكون (تموز مر)،ومرة تكون (تموز يرحل)، وتأتي هذه العبارة في بداية المقطع الشعري يقول الشاعر في" تموز والأفعى":

تموز مرّ على خرائبنا

وأيقظ شهوة الأفعى

القمح يحصد مرة أخرى

ويعطش للنّدى... المرعى

تمّوز عاد، ليرجم الذّكرى

تمّوز عاد، وما رأيناها

تمّوز، يرحل عن بيادرنا [104]

الشّاعر كرّر الشّخصية الأسطوريّة "تمّوز" الذي يرمز للخصب والسّماء عند اليونانيين قديماً،واستخدامه لهذا الرّمز الأسطوري في هذه القصيدة جاء تعبيرًا عن نفسيّته وتجربته الشّعورية والمواقف المأساوية التي تحدث للشّعب الفلسطيني،وقد وظّف عبارة "تمّوز عاد" وكرّرها ليضفي أهميّة خاصّة على الواقع المعاش.

 ونقف كذلك عند تكرار عبارة أخرى في قصيدة "ناي ":

لا تنتظري

إنّي سمعت النّاي

لا تنتظري

إني هجرت الدّار[105]

 لقد ابتدأ الشاعر هذا التكرار بأداة نهي (لا الناهية)، إذ يطلب من حبيبته الكفّ عن انتظاره،وقد كرّر هذه العبارة مرتين في القصيدة، وذلك للدّلالة على حالة النّفي التي يعيشها هو وأبناء وطنه، فقد نفيوا من وطنهم فأصبحوا لاجئين يعيشون في المخيّمات بعيدًا عن رزقهم وأرضهم .

2-د-تكرار المقطع الشّعري :

لقد لجأ "محمود درويش" أيضًا الى تكرار المقطع الشعري بأكمله، والملاحظة أن الشّاعر في ديوان "عاشق من فلسطين" غير بعض مفردات المقاطع المكررة، وهذا النّوع من التّكرار يحدث نوعًا من التّماسك في القصيدة يعطيها صبغة جماليّة خاصة ومميّزة.

 ويعد تكرار المقطع الشّعريّ من أساليب التّكرار النّاجحة التي تثبت قدرة الشّاعروتمكّنه،وخصوصًا وأن التّكرار طويل يمتدّ الى مقطع كامل،ولعلّ أضمن سبيل لإنجاحه،هو أن يعمد الشّاعر إلى ادخال تغيير طفيف على المقطع المتكرّر، ولعلّ  أهم ما يؤدّيه هذا التّغيير والتنوّع هو إضاءة المفردات والعبارات الجديدة داخل المقطع،وتسليط الإنتباه عليها مما يضفي صبغة جماليّة مستحبّة في القصيدة.[106]

ومن أمثله تكرار المقطع الشّعري في هذا الدّيوان قول الشّاعر :

وهي ترمز إلى تاريخ عائلته وأجداده وفي موضع آخر نجد تكرارًا من هذا النّمط في هذا الدّيوان:

للأجمل ضفة أمشي

فلا تحزن على قدمي

من الأشواك

أن خطايا مثل الشّمس

لا تقوى بدون دمي!

للأجمل ضفه أمشي

فلا تحزن على قلبي

للأجمل ضفه امشي

فلا تشفق على عيني

من الصّحراء

للأجمل ضفه أمشي

فإما يهترئ نعلي

أضع رمشي

نعم... رمشي!

للأجمل ضفة نمشي

فلن نقهر

ولن نخسر

سوى النعش![107]

يتكرّر هذا المقطع( للأجمل ضفة أمشي) خمس مرات في القصيدة، إلا أنه في المرة الخامسة، يخضع لبعض التغيير، إذ استبدل كلمة (أمشي) التي تدل على صيغه المفرد المتكلم إلى صيغه جماعة المتكلمين (للأجمل ضفة نمشي)، ويهدف الشاعر من تكرار هذا المقطع الشعري هو تكرار محّمل بكل معاني القوّة والصّمود .

وإن استخدام "درويش"  لهذا النمط وتكراره في هذا المقطع جاء للدلالة على معنى نقيض لهذه المعاني (الأشواك- الصّحراء –يهترئ نعلي -النّعش )، هي تدل على المشهد المأساوي المعاش في فلسطين ودرويش يرى أنه (يمشي للاجمل ضفه)، لكن واقع الأمر، أنّ الضّفة في عيون الشاعر هي مليئة بالأشواك وحافلة بالمصاعب والمتاعب، ولكنّ في تكرار هذا المقطع يعطي باقة من الأمل .

ومن ألوان التّكرار في هذا النمط ،قول الشّاعر في (قصائد عن حب قديم) :

                تشهّيت الطفولة فيك

مذ طارت عصافير الرّبيع

تجرّد الشّجر

وصوتك كان يا مكان

يأتي

من الآبار أحيانًا

وأحيانًا ينقطه لي المطر

نقيًا هكذا كالنار

تشهّيت الطفولة فيك

مذ طارت

عصافير الرّبيع

تجرّد الشّجر[108]

 نرى أن هذه المقاطع المكررة قد فصلت بينها مقاطع أخرى،لتأتي بعدها مقاطع مكررة، ونلاحظ في هذا التّكرار  أن المرأة تخرج من بعدها الجسدي لتكون الرّمز الأوسع لمعاني الوطن،الحرية،الطفولة، الهدف ... وهذا التّكرار يدلّ على نوبات الحنين التي كانت تهزّ الشّاعر إلى محبوبته، إلى فلسطين.

وقد كرّر الشّاعر أيضًا المقطع الشّعري(يا شارع الأضواء)  في قصيدة "خواطر في شارع ".

يا شارع الأضواء !ما لون السّماء

وعلام يرقص هؤلاء

من اين الحبر، والصّدور على الصّدور

والسّاق فوق السّاق ما جدوى البكاء ؟

أي عاصفة يفتتها البكاء؟

فتيمّمي يا مقلتي حتّى يصير الماء ماء

يا شارع الأضواء ، ما لون الظلام

وعلام يرقص هؤلاء [109]

لقد أتى الشاعر بتكرار هذين المقطعين، يركز لنا على حالة الضّياع التي يعيشها ، وهو تسجيل صادق لعواطف الشّاعر والواقع الفلسطيني، فالضّياع شامل لا طريق  للخلاص وصورة الدّم والمأساة لا تفارقه، والشّاعر هنا يقف حائرًا وتائهًا يراقب ما يجري بكل واقعية.

 وهكذا تتجاوز الصورة المكررة المفهوم السّلبي الذي يقتصر على مجرد تكرار ومعاودة اأالفاظ والعبارات لتصبح أداة  فنيّة لها، وظيفتها في تشكيل الصّورة الشّعرية عن طريق التّركيز أو تكرار موقف معين وإثرائه بأبعاد فنية رائعة، بفضل هذا التّكرار الذي يوصف بأنه تكرار وظيفي.

3- التّضاد والتّرادف وعلاقتهما بثنائية المنفى والعودة:

3-أ- التّضاد ودلالته الإيحائية في مجموعة "عاشق من فلسطين" :

يعد التضاد من الآليات الأسلوبية لردود أفعال المتلقي المزعنة لنفسيته، يشكّل توظيفه محفزًا على إثارة ردة  فعله وانبهاره، لأنه لم يكن متوقعًا لديه فيثير إعجابه ويصبح يشكل لديه عنصر من عناصر المفاجأة، وهو ما يعرف بالإيقاع الدّلالي ،[110]النّاتج عن ارتسام المعنى في ذهن الذات المتلقية ارتسامًا مفاجئاً ،إذ استقطب أسلوب التضاد بتوظيفه الجمالي اهتمام البلاغيين العرب من حيث أشادوا بحصوله فقالوا :((...وذلك ان موضع الإستحسان ومكان الإستظراف والمثير للدفين من الإرتياح، والمتآلف للنّافر من المسرّة، والمؤلف لأطراف البهجة، إنك ترى بها الشيئين متباينين ومؤتلفين مختلفين ...)) [111].ولا شك أن المعاني تزداد وضوحًا بتوخي الشّعراء لأسلوب التّضاد الذي يعد ملمحًا  أسلوبياً .

ولقد ورد أسلوب التضاد في قصيده "عاشق من فلسطين"

أحب البرتقال ، وأكره الميناء[112]

 إذ يشكل بؤرة توتر موافقة لحال الشّاعر القلقة،أدى اختلاج الداخل متشاكلًا مع متطلبات اللسان والسّماع، أحدث هذا الأسلوب تنغيمًا دلاليًا توحّد أثره السّياق في دلالة السّطر الشّعري،عبّر درويشم من خلاله  عن إصراره العميق لكره الميناء بلفظ صريح (أكره)، كما أنّ لفظة (أحب) استدعت حضور لفظة (أكره) الدّالة على الإلحاح الشديد لكره الشّاعر للميناء، الذي يحمل مدلولات عديدة منها العزلة،المنفى،الغربة،الوحدة، الإغتراب عن الوطن والأحبة، وباستعمال الشاعر أسلوب التّضاد دلّ دلالة حقيقية على نقل تجربته الشعرية بصدق وأمانة،فقد يستقصي الإيقاع الدلالي من التقابل الضدي الظاهر الحاصل بين مفردتي : الحب والكره وبين أسلوب تضاد ضمني بين الحياة والموت أو السعاده والحزن هو تقابل ضدي مضمر، إذ في كلا الموقعين تشكلت بؤرة توتر مناظرة لحالة الذات المبدعة،ولذلك يستشعرها المتلقي ويدرك مراميها ووقعها الجمالي النغمي، إنها تشكل دعوة لا إرادية إلى الإشتراك الحسي في تذوق الحدث الداعي إلى القول الشعري، وهو ما تجسده الحركة في مقابل اللا حركة [113]... وفي سياق هذا التضاد الأسلوبي تنسجم الدلالتان المتناقضتان لتخدما البنى التركيبية للسّطر الشّعري والبنية الدلالية الجمالية له ،لأنّ" التّضاد حيث ينتقل بالنفس من الضد الى الضد، ومن النقيض الى النقيض، ينتج المعاني وتتمكن تلك المعاني من النّفس" [114]، وبجمع الشاعر درويش للمعنيين متضادين بين لفظة (أحب) المنوطة بحبه للحياة وبلفظة (أكره) المنوطة بكرهه الشديد للموت، تولدت الدلالات وتنامت وازدادت بيانًا بأسلوب التضاد الموظف في الأسطر الشعرية.

وفي موضع آخر يقول مستخدمًا أسلوب التضاد أيضًا :

فلسطينية الكلمات والصمت

فلسطينية الصوت

فلسطينية الميلاد  والموت[115]

 فقد ظهر التميز والوضوح من خلال هذا التّضارب الكلمات (الصّمت الميلاد)، (الموت  الميلاد)، وقديمًا قال الشاعر العربي (والضّد يظهر حسنه الضّد )، والمتنبي يقول : " وبضدها تتميز الأشياء" [116].

 فالإنسان لا يمكن أن يعرف أكثر إلا إذا عرفت الآلام القاسية التي يجرّها الشّرّ على النّفس الإنسانية، وجميل هنا أن تذكر قول الشّاعر العراقي محمد مهدي الجواهري:

 وأي خير بلا شر يلقحه ظهر              الملائك من رجس  الشّياطين [117]

 والشاعر "محمود درويش" قد لجأ  في شعره إلى هذا الأسلوب الشّعري القائم على التّضاد لتبيان ما يهدف اليه.لقد أحبّ فلسطين الى درجة، جعلها كلّ شيء، كيف ذلك وهي وطنه، وما هي ماهية الإنسان بلا وطن، بلا ملجأ،بلا أرض، هكذا قد صورها بأنها الميلاد ولولاها ومن دونها فهي الموت .

كذلك يقول في قصيدته "عاشق من فلسطين" :

كلي لحمي اذا ما نمت يا ديدان

فبيض النمل لا يلد النّسور[118]

في هذا التضاد يريد الشاعر أن يبين مدى ضعف العدو وهوانه، فقد شبههم ببيض النمل وهذا دليل على العجز والقصور في مواجهه الفلسطينيين لأنهم كالنسور بالحق والقضية.

 ويقول في قصيدته "النشيد " موظفًا أيضًا التضاد:

سنصنع من مشانقنا

ومن صلبان حاضرنا وماضينا

سلالم للغد الموعود [119]

فهو مؤمن بالشهادة من أجل الحرية، مؤمن أن النّصر لا يأتي إلا بالدفاع عن الوطن بالرّوح والدّم، وبذلك يستطيع مطي الغد المتفائل بتحرير الأرض عن طريق الموت في سبيل الوطن .

3-ب- الترادف ودلالته الإيحائية في مجموعة محمود درويش :

يعد الترادف خروجًا على النظام اللغوي : فتكتسب الألفاظ دلالات جديدة تخرج بها عن معناها المعجمي . لذلك نجد حقولا عديدة تكون فيها الألفاظ مترادفه كـ (الحزن، مرثية،الأيتام،السجن) لما لها من علاقة بتجربة الشاعر الباحث عن حرية له ولوطنه في أبجديات الكون ، ومظاهره الإنسانية،  وفي أقانيمه  الذاتية، والوجدانية، فـ "  اذا كانت اللغه نظاما عاما مفروضا على المتكلم، فإن الكلام هو الإستعمال الخاص بها ..." [120]

في قول الشاعر:

فصار الحزن ألفين

ولملمنا شظايا الصوت!

لم نتقن سوى مرثيه الوطن

سننزعها معا في صدر جيتار

مسافرة بلا أهل بلا زاد

ركضت إليك كالأيتام [121]

إن مصادرة أرضه ووطنه تعد مصادرة للحرية، فهي مصادرة للأم والأب حتى أصبح كاليتيم يركض إلى وطنه حزينًا، على الرغم من ذلك فإنه يرفض الخضوع والخنوع ويرفض رثاء وطنه، فهو يريد وشعبه أن ينزع هذا الرّثاء ويستبدله بالفرح والحرية.

ويقول في موضع آخر :

اسأل حكمة الأجداد

لماذا تسحب البيارة الخضراء

إلى سجن،إلى منفى،إلى ميناء

وتبقى رغم رحلتها

ورغم روائح  الأملاح والأشواق

تبقى دائما خضراء[122]

 فالشاعر يرى محبوبته (فلسطين ) خضراء دائمًا، مهما مرّ عليها دمار وخراب وتهجير، ستظل مشاعر المحبة والمقاومة والهوية طاغية ومسيطرة على كل النوائب التي اصابت معشوقته .

ونجد أن استدعاء العذابات والأحزان التي عانى منها هذا العاشق في هذه الارض المباركة،وممارسات الإحتلال والتهديدات فإن محبوبته ستظل مشرقه خضراء.

وفي موضع آخر وفي قصيده "برقية من السجن " لقد اتخذ درويش من القضية الفلسطينية قضية شخصية لذاته،  وحملها على عاتقه، فكتب من |أجلها،كتب عن الحصار،النزوح وعن الغياب، والنّفي والسّجن، لقد اطلق الشّاعر نارًا ملتهبة من أعماق كهوف السّجن منشداً الوجع والحزن الذي يتحمّله السّجين القابع في سجون الإحتلال ولكنّ في الوقت ذاته فإنه يعصف في قلوب المناضلين لهيبًا آخر بريح النّضال .

يقول درويش في قصيدته "برقيّة من السّجن":

من آخر السّجن طارت كف أشعاري

تشدّ أيديكم ريحًا على نار[123]

 وإننا لنرى ثنائية المنفى والعودة، وكل المترادفات التي تنطوي بينهما قد ظهرت في طيّات كلمات ديوان عاشق من فلسطين وداخل كلّ سطر من كلّ قصيدة  فهو تارة  ينشد المنفى ويغني العودة  تارة أخرى .

على سبيل المثال في قصيدته "صلاة أخيرة "، إننا نلحظ ترادف الكلمات الدالة على الوجع أو المنفى (الكسير، خنجر، الحزين ...) فنجد أيضًا ترادف للكلمات الدالة على العودة والتفاؤل بالنصر والتحرير(أغاني الفرح ،ستضحك،تموز القيود الحياة)  يقول درويش في ما يدل على العودة والنصر:

" واهتف لم تبق إلا بلادي!

بلادي يا طفلة أمة

تموت القيود على قدميها

لتأتي قيود جديدة[124]

 ويقول في موضع آخر، متفائلًا أن ما يكتبه في شعره عن وطنه وعتاباته فيصبح ذكرى، وأن الفرح هو الشعور الوحيد القادم ولو بعد حين .يقول :

يخيّل لي أن شعري الحزين

وهذه المراثي، ستصبح ذكرى

وأن أغاني الفرح

وقوس قزح

سينشدها آخرون [125]

ونرى في قصيدة أخرى، أن هذا التفاؤل وهذا الصّمود سيطر على كل قساوات العدو، وأنّ النّصر سيكون حليف الفلسطينيين والعمل بالعودة هو أمر واقع.

 يقول في قصيدته "في انتظار العائدين ":

هاتي بقول الحقل !هاتي العشب

إنّا عائدون !

خطوات أحبابي أنين الصّخر تحت يد الحديد[126]

 وهكذا نجد أن هذه الألفاظ المترادفة،المعبرة عن المنفى والعودة، كلها تشكل لوحة لواقع مظلم مسافر لأجل العودة والحرية تعيش فيه الأمة،على وجه الخصوص الدول المحتلة، لوحه تسور البلاد بسجن كبير وتمنع عنها الحرية، لذا لابدّ من المقاومة من أجل نيل التّحرير والعودة إلى ربوع الوطن،لابدّ من الثورة، والثورة لا تبدأ إلا من وعي. والوعي يجب أن يحفزه عمل يغلي بالحقد والحب في آن، يغلي  بالحقد على الغزاة ويغلي بالحبّ انتصارًا لهذه الأرض المظلومة المكلومة.

خاتمة البحث:

 لقد قسّم البحث إلى مبحثين نظري وتطبيقي،وقد عالجنا في الجانب التطبيقي، الكلمات المفتاحية والحقول المعجمية المستقطبة حولها،وبيّنا علاقتهما بثنائية المنفى والعودة ووجدنا أن الكلمتين الأساسيتين كانتا "المنفى والعودة".ثم قمنا بدراسة الحقول المعجمية المستقطبة حول هاتين الكلمتين وهي حقول المكان المتمثل بالسجن والمنفى وغيرها وما يقابلها من حقول تمثل أبجديات العودة والحرية من (عائدون،لن أسافر،لقاء،إنشاد ...)  وغيرها .وتناولنا التكرار الذي تمثل فيه تكرار بعض الكلمات والعبارات وبعض الأساليب التي أسهمت في إبراز الثنائية المذكورة، وأدت دورًا فعالًا في بناء النّصّ وترابطه.

 وأهتم المبحث أيضًا بالترادف والتضاد،وقد وجدنا أن ترادف  بعض الكلمات لم يأتِ عبثًا،بل ساهم في أداء دور مهم داخل الثنائية،ورأينا أيضًا كيف أن التضاد قد أسهم في إبراز الحالات المتناقضة ليصبّ في خدمة هذه الثنائية أيضًا .


[1] -كلود عبيد،جمالية الصّورة،في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر،مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،بيروت،ط 1 ،2010م،ص91.

[2] -صلاح فضل،علم الأسلوب،مبادئه واجراءاته،ص 14.

[3] -ميشال ريفاتير ،دراسات في الأسلوبيّة البنيويّة،ص 62.

[4] -عبد السلام المسدي،الأسلوبية،ص10.

[5] -عبد السلام المسدي،الأسلوبية،ص35.

[6] -بير جيرو،الأسلوبيّة،ص56.

[7] -صلاح فضل،علم الأسلوب واجراءاته،ص 42.

[8] -م.ن،ص 64-65.

[9] -محمد الهادي الطرابلسي،تحاليل أسلوبيّة،ص9.

[10] -رومان جاكسبون،قضايا الشعرية،ص 106.

[11] -jean- francois jeandillou ,l analyse textuelle ,p.4.

[12] -محمد علي كندي،الرمز والقناع في الشعر العربي الحديث (السياب ونازك والبياتي)،دار الكتاب الجديد المتحدة،ط 1 ،2003،ص 17.

[13] -محمد لطفي اليوسفي،في بنية الشعر العربي المعاصر،سراس للنشر،تونس،ط 1 ،1985،ص 92.

[14] -كمال أبو ديب ،جدلية الخفاء والتجلي،دراسات بنيوية في الشعر،دار العلم للملايين ،بيروت،لبنان،ط 4 ،1995،ص 29.

[15] -عبد الله حسين البار،الصورة الفنية في القصيدة الجاهلية (دالية النابقة)نموذجاً،دار حضر موتللدراسات والنشر،اليمن،ط 1، 2006 م،ص 26.

[16] -بشرى موسى صالح،الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث،المركز الثقافي العربي،ط 1،1994،ص 19.

[17] -م.ن،ص.ن.

[18] -علي البطل،الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري،دار الأندلس،ط 2 ،1981،ص 26-27.

[19] -عمرو بن بحر عثمان الجاحظ،الحيوان،تحقيق يحي الشّامي،دار مكتبة الهلال،بيروت،ط 2،1990،ج 3،ص 408.

[20] -حافظ الرقيق،شعر التجديد في القرن الثاني الهجري(بشار- أبو نواس-أبو العتاهية)،دار صامد للنشر والتوزيع،ط 1،2003،ص 17.

[21] -جابر عصفور،الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب،المركز الثقافي العربي،بيروت،ط 3،1992،ص 257.

[22] -م.ن،ص 2.

[23] -عبد القاهر الجرجاني،دلائل الإعجاز،المكتبة العصرية،بيروت،ط 1 ، 1424ه/2003م،ص 466.

[24] -بشرى موسى صالح،الصورة الشعريةفي النقد العربي الحديث،ص 23.

[25] -عبد القاهر الجرجاني،ـأسرار البلاغة ،تحقيق محمد الفاضلي،المكتبة العصرية،بيروت،لبنان،ط 1 ،1424 ه/ 2003م،ص 112.

[26] -ديزريه سقال،من الصورة الشعرية إلى الفضاء الشعري،دار الفكر اللبناني،ط 1 ،1993،ص 12.

[27] -بشرى موسى صالح،الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث،ص 23.

[28] -صبحي التميمي،الصورة الشعرية في الكتابة الفنية،دار الفكر اللبناني،ط 1 ،1986،ص 29.

[29] -ماهر دربال،الصورة الشعرية في ديوان"أنشودة المطر"لبدر شاكر السياب،مطبعة السفير،دت،تونس،ص 107.

[30] -حازم القرطاجني،منهاج البلغاء،تحقيق محمد الحبيب بن خوجة،دار الغرب الإسلامي،بيروت،لبنان،1986،ص 89.

[31] -م.ن،ص 21.

[32] -محمد غنيمي هلال،النقد الأدبي الحديث،نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،2001،ص 388.

[33] -بسام الساعي ،الصورة بين البلاغة والنقد،المنارة للطباعة والنشر،ط 1،جدة،1984،ص 17.

[34] -جابر عصفور،الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب،ص 11.

[35] -ماهر دربال،الصورة الشعرية في ديوان السياب،ص 110-111.

[36] -محمد غنيمي هلال،النقد الأدبي الحديث،ص 157.

[37] -ماجدة حمود،النقد الأدبي الفلسطيني في الشتات،مؤسسة عيبال للدراسات والنشر،الإسكندرية،ط 1 ،1992 ،ص 37.

[38] -أحمد حسن الزيّات،دفاع عن البلاغة،ط 2 ،عالم الكتب القاهرة،1973،ص 62-63.

[39] -علي البطل،الصورة في الشعر العربي حتى أواخر القرن الثاني هجري،د، بيروت/لبنان،دار الأندلس،1983،ص 30.

[40] -علي صبح،الصورة الأدبية تأريخ ونقد،ص 149.

[41] -ساسين عساف،الصورة الشعرية وجهات نظر عربية وغربية،ط 1، دار مارون عبود،بيروت،1985،ص 116.

[42] -عز الدين إسماعيل،الشعر العربي المعاصر وقضاياه وظواهره الفنية والمعنوية،دار العودة ودار الثقافة، بيروت،ط 5 ،1994،ص 109.

[43] -إحسان عباس،فن الشعر،دار الشرق للنشر والتوزيع،بيروت،لبنان،ط 1 ،1996،ص 58.

[44] -مصطفى ناصف،الصورة الأدبية،دار الاندلس،بيروت،لبنان،ص 217.

[45] -محمد حسن عبد الله،الصورة والبناء الشعري،د ط ،القاهرة،مصر،دار المعارف،د ت،ص 32.

.[46] -ينظر مدخل إلى علم الأساوب،شكري عياد،أصدقاء الكتاب للنشر والتوزيع، مصر،ط 3 ،1996،ص 30.

[47] -ينظر الأسلوبية الرؤية والتطبيق،أبو العدوس يوسف،دار المسيرة،الأردن،ط 1 ،1427 ه – 2007 م،ص 7.

[48] -عبد الهادي الطرابلسي،في منهجية الدراسة الأسلوبية،مقال من اللسانيات واللغة العربية،مركز الدراسات والأبحاث الإقتصادية والإجتماعية،تونس 1981،ص 221.

[49] -محمد كريم الكواز،علم الأسلوب،مفاهيم وتطبيقات،ص 119.

[50] -جبر محمد عبد الله،الأسلوب والنحو،دار العودة،مصر،ط 1 ،1988،1409،ص 9.

[51] -بشرى موسى صالح،الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث،ص 95.

[52] -فاتح علاق،مفهوم الشعر الحر عند رواد الشعر العربي الحر،منشورات اتحاد الكتاب العرب،دمشق،2001،ص 4.

[53] -جيروبيير،الأسلوبية،ترجمة منذ عياشي،مركز الإنماء الحضاري،سوريا،ط 2 ،1994،ص 27.

[54] -فضل صلاح،نظرية البنائية في النقد الأدبي،ص 244.

[55] -فضل صلاح،نظرية البنائية في النقد الادبي،ص 244.

[56] -محمد كريم الكواز،علم الأسلوب،مفاهيم وتطبيقات،ص 116.

[57] -علي ملاحي،الجملة الشعرية في القصيدة الجديدة،ص 8.

[58] -عبد المطلب محمد،البلاغة والاسلوبية،الشركة المصرية العالمية للنشر،لونجمار،ط 1 ،1994،ص 352.

[59] -محمد كريم الكواز، علم الأسلوب،مفاهيم وتطبيقات ،ص 92.

   voir jean-francois jeandillou.l analyse textuelle.p 4.armond.colin.france.1997.

[60] - جان كوهن،بنية اللغة الشعرية،تر محمد الولي ومحمد العمري،دار توبقال للنشر،ط 1 ،1986،ص 20.

[61] -عدنان حسين قاسم،التصوير الشّعري،الدار العربيّة للنشر والتّوزيع،مصر،2000،ص 247.

[62] -محمد حسن عبد الله،الصورة والبناء الشّعري،ص 27.

[63] -صبحي التميمي،الصورة الشعرية في الكتابة الفنية،ص 169.

[64] -صلاح فضل،علم الأسلوب مبادئه واجراءاته،دار الشروق،ط 1 ،مصر ،1998،ص 330.

[65] -صلاح فضل،نظرية البنائية في النقد الادبي،ص 249.

[66] -فاتح علاق،في تحليل الخطاب الشعري،دار التنوير،الجزائر،2008،ص 80.

[67] -علي ملاحي،المجرى الأسلوبي للمدلول الشعري المعاصر،دار الأبحاث الجزائر،ط 1 ،2007،ص 13.

[68] -علي ملاحي،المجرى الأسلوبي،ص 78.

[69] -فاتح علاق،في تحليل الخطاب الشّعري،ص 80.

[70] -مؤلف:ابن المعتزhttp:llar.wikisource.org/wiki

[71] -محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص10.

[72] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص10..

[73] -م.ن،ص12.

[74] -م.ن،ص14.

[75]- محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص13.

[76]-- م.ن، ص 11.

[77] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص7.

[78] - م.ن،ص9.

[79] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص12.

[80] - م.ن ، ص41.

[81] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص41.

[82] - م.ن،ص42.

[83] -م .ن،ص.ن.

[84] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص35.

[85] - م.ن،ص.ن.

[86] - م.ن،ص.ن.

[87] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص35،36.

[88] - م.ن،ص36.

[89] - ابن منظور "لسان العرب " ، دار صابر ، بيروت ، المحلد الثالث عشر ، ط4 | 2005، ص 46 .

[90] - ايمان جربوعة " قصيدة مديح الظل العالي لمحمود درويش " ، دراسة دلالية ، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجيستير ، ص 211 .

[91] - صلاح الدين محمد عبد التواب ، النقد الادبي دراسات نقدية وادبية حول اعجاز القرآن الكريم ، دار الكتاب الحديث ، ط3، 2003، ص 50 ، نقلا عن منهج الزمخشري في تفسير القرآن بيان اعجازه ، ص 227 .

[92] - احمد الصغير المراغي الخطاب الشعري في السبعينات ،دار العلم والايمان للنشر والتوزيع ،طابق واحد ،2008 ،ص233.

[93] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص10.

[94] -م.ن،ص.11-12.

[95] - م.ن،ص41.

[96] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص46-47.

[97] - م.ن،ص.88.

[98] - احمد الصغير المراغي، الخطاب الشعري في السبعينات ،دار العلم والايمان للنشر والتوزيع، ط1 ،2008،ص 237.

[99] -- محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص26.

[100] - م.ن،ص.13.

[101] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص78.

[102] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص79-80.

[103] - م.ن،ص18-19.

[104] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص33-34.

[105] -م.ن، ص54.

[106] - فهد ناصر، التكرار في شعر محمود درويش ،المؤسسه العربيه للدراسات والنشر ،ط1، 2004 ،الاردن ،ص129.

[107] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص76-77.

[108] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص66-67.

[109] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص49-50.

[110] - ينظر عبد الرحيم عنوان ،من جماليات ايقاع الشعر العربي ، ص387.

[111] - عبد القادر الجرجاني ،أسرار البلاغة،ص 109.

[112] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص9.

[113] -عبد الرحيم عنوان ، ص 384.

[114] - راشد بن نهشل الحسيني ،البنى الاسلوبيه في النص الشعري ، ط1 ، دار الحكمه لندن 2004، ص 175.

[115] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص13.

[116] - المتنبي ،الديوان ، ص 127.

[117] - http://www.stratines.com?f.aspx?t=29341735

[118] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص14.

[119] -م.ن،ص78.   .

[120] - Andre Martinet, Element de linguistique generale, p 20

[121] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص8.

[122] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص9.

[123] - م.ن،ص35.

[124] - محمود درويش،عاشق من فلسطين،دار الناشر،الطبعة الاولى،2013،ص91.

[125] - م.ن،ص90.

[126] -م.ن،ص42.

Palestine
Visited 16 times, 1 visit(s) today

Leave A Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *